هل الرجل الصالح لا يتزوج إلا امرأة صالحة؟
السؤال
سمعت أن كل انسان يأخذ من يستحق ( زوج أو زوجة ) فإن كان صالحًا كان زوجه صالحًا ولم أجد أي حديث عن هذا الموضوع فما قولكم في ذلك.
- سمعت أيضًا أنه إذا زنى المرء فإنه يعاقب بأن أحد من نساء قرابته ترتكب الزنا فهل هذا صحيح؟
- كثير من الشباب المسلم يبحث عن شريك في الحرام فهل أخبرهم أن التقي ينال تقيًا إلا إذا ابتلاه الله.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
إن الرجل الصالح – على الأغلب – يتزوج صالحة لأن الله تعالى يوفقه لذلك، وييسر له ألا يقع على من ليست كذلك، بل إن الرجل الصالح لا يتزوج إلا صالحة ولا يرضى إلا بها؛ لأنه يعمل بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك “. رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ).
فالمسلم الصالح لا يبحث إلا عن صالحة تقية.
وقد فسر بعض العلماء قول الله تعالى: { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم } [ النور / 26 ] فسروها بأن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين وهم لهن، والنساء الطيبات للرجال الطيبين، وهم لهن.
قال القرطبي في تفسير هذه الآية:
قال ابن زيد: المعنى: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون للخبيثات وكذا الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات.
وقال مجاهد وابن جبير وعطاء وأكثر المفسرين: المعنى: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
قال النحاس في كتاب ” معاني القرآن “: وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية، ودل على صحة هذا القول { أولئك مبرءون مما يقولون } أي عائشة وصفوان مما يقول الخبيثون والخبيثات. وقيل: إن هذه الآية مبنية على قوله: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } [النور / 3 ] الآية، فالخبيثات: الزواني، والطيبات: العفائف وكذا الطيبون والطيبات.
– واختار هذا القول النحاس أيضا، وهو معنى قول ابن زيد.
{ أولئك مبرءون مما يقولون } يعني به: الجنس، وقيل: عائشة وصفوان فجمع كما قال: {فإن كان له إخوة } [ النساء / 11 ]، والمراد: أخوان قاله الفراء. ” تفسير القرطبي ” ( 12 / 211 ).
هذا إن كان معنى الآية أن الطيبات والطيبين أو الخبيثات والخبيثين هم الأزواج.
وقد يتزوج الطيب خبيثة، وتتزوج الطيبة خبيثا، كما تزوج النبيَّان الكريمان نوح ولوط عليهما السلام خبيثتين، وكما تزوجت آسية بنت مزاحم – وهي طيبة – فرعون الخبيث، وفي ذلك يقول الله تعالى: { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين. وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين } [ التحريم / 10 – 11 ].
فما سمعتَه من أنَّ الإنسان يتزوج من يشابهه أو يماثله في الصلاح والفساد غير صحيح، ويدل على ذلك:
أ. أن الشرع نهى عن تزويج الزاني من العفيفة، ونهى العفيف عن التزوج من زانية، وهو يدل على إمكان وقوع ذلك، بل قد وقع مثل هذا كثيرًا.
قال الله تعالى: { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [ النور / 3 ].
ب. إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة قد تُزوج لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، وترغيبه صلى الله عليه وسلم بالتزوج من ذات الدين يدل أنه قد يقع غيره، فيتزوج الرجل ممن لا يماثله.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك “. رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ).
ج. أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأولياء بتزويج مولياتهم من أهل الدين يدل على أنه قد يقع خلافه.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض “.
رواه الترمذي ( 1084 ) وابن ماجه ( 1967 ).
والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1022 ).
د. وقوع الطلاق منذ تشريعه إلى آخر الزمان يدل على أنه ليس كل زواج تحصل فيه مماثلة.
ثانيًا:
أما هل يجازي الله أقارب العبد بما فعل من الزنى أو غيره، وهل أفعاله تؤثر عليهم؟
نقول:
إن كان العبد صالحا وفعله كذلك: فإن الله تعالى قد يبارك في أهله وقرابته بعمله هذا، وهذا معلوم في الكتاب والسنة، أما إن كان غير صالح يفعل الموبقات وغيرها وعمله كذلك فقد قال بعض العلماء بأنه قد يؤثر في قرابته ويجازون بشؤم معاصيه.
أما الأول: فنطق القرءان به في سورة الكهف: { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا } [ الكهف / 82 ].
قال القرطبي:
ففيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه …… وعلى هذا يدل قوله تعالى { إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين }. ” تفسير القرطبي ” ( 11 / 38 – 39 ).
وقال ابن كثير:
وقوله { وكان أبوهما صالحا }: فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم كما جاء في القرآن ووردت به السنة.
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: ” حُفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر لهما صلاحا وتقدم أنه كان الأب السابع، فالله أعلم. ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 100 ).
وقال ابن رجب الحنبلي:
كما قيل في قوله تعالى: { وكان أبوهما صالحا } أنهما حفظا بصلاح أبيهما، قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: { وكان أبوهما صالحا }، وقال عمر بن عبدالعزيز: ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه، وقال ابن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله فما يزالون في حفظ من الله وستر ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإن الله يحفظه في تلك الحال. ” جامع العلوم والحكم ” ( 1 / 186 – 187 ).
وفي الحديث:
عن نمران بن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام، فقالت: أبشروا فإني سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته “. رواه أبو داود ( 2522 ) والترمذي ( 1663 ). قال الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” رقم ( 8093 ): صحيح.
فالآية تدل على أن الصالح ينفع أقاربه بما ينفعهم في الدنيا – على تفسير أن الكنز: هو المال وهو الظاهر -، وفي الحديث منفعة دينية.
ثالثًا:
أما الرجل غير الصالح فهل يتضرر به أهله وبعمله في الدين والدنيا؟.
نقول:
الذي يبدو أنهم يتضررون بعمله في أمور الدنيا وفي أمور الدين.
وأما كونهم يتضررون بعمله في أمور الدين والدنيا فقد يعصي الرجل ربه فيمنع عنه الرزق ويكون له أولاد يعيلهم فيتضرر أولاده بما جنى أبوهم، أو يقدر الله له عيباً في بدنه أو خلقه ويؤثر في بنيه وراثة، لأن الولد قد يشبه أباه، فهذا الإمام العظيم سعيد بن المسيب وهو خير التابعين وأعلمهم وأصلحهم يتأثر بما صنع جده:
عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة قال: جلست إلى سعيد بن المسيب فحدثني: أن جده حَزَنًا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما اسمك؟ قال: اسمي حزَن، قال: بل أنت سهل، قال: ما أنا بمغير اسما سمَّانيه أبي.
قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد “. رواه البخاري ( 5840 ).
– والحزونة: هي الغلظة.
ففي الحديث أن شؤم المعصية التي جناها الجد قد تعدت إلى بنيه وبني بنيه من بعد.
قال ابن حجر:
وقال الداودي: يريد الصعوبة في أخلاقهم إلا أن سعيدًا أفضى به ذلك إلى الغضب في الله. وقال غيره: يشير إلى الشدة التي بقيت في أخلاقهم، فقد ذكر أهل النسب أن في ولده سوء خلق معروف فيهم لا يكاد يعدم منهم. ” فتح الباري ” ( 10 / 575 ).
ولذا إذا زنى الرجل فقد يعاقبه الله تعالى في نسله أو في أقاربه فيتضرر أقاربه بشؤم معصيته.
رابعًا:
ليس في هذه المسألة دليل صحيح خاص بها.
أما حديث: ” ما زنى عبد قط فأدمن على الزنا إلا ابتلي في أهل بيته “: فقد قال الشيخ الألباني: موضوع. رواه ابن عدي ( 2 / 15 )، وأبو نعيم في ” أخبار أصفهان ” ( 1 / 278 ).
” االسلسلة الضعيفة ” ( 2 / 154 ) رقم ( 723 ).
وحديث: ” من زنى زني به ولو بحيطان داره “: قال عنه الشيخ الألباني: موضوع. رواه ابن النجار.
وعقب عليه – رحمه الله -:
ومما يؤكد بطلان هذا الحديث أنه يؤكد وقوع الزنى من أهل الزاني، وهذا باطل يتنافى مع الأصل في القرآن: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [ النجم / 39 ]، نعم إن كان الرجل يجهر بالزنى ويفعله في بيته فربما سرى ذلك إلى أهله والعياذ بالله تعالى، ولكن ليس بحتم كما أفاده هذا الحديث، فهو باطل. ” الضعيفة ” ( 2 / 154 ) رقم ( 724 ).
ونقول: قول الشيخ صحيح من جهة ما سيراه أهله عليه من فعل الفاحشة، ومجاهرة بها ، وهو ما يمكن أن يجرأهم به على فعل الزنا، وهذا من شؤم معصيته.
كما أن بعض العلماء قد قرر أن الأقارب يصلهم من شؤم معاصي الرجل غير الصالح.
عن المسور بن مخرمة قال: إن عليا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكح بنت أبي جهل. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد، أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد ، فترك علي الخطبة. ….”. رواه البخاري ( 3523 ) ومسلم ( 2449 ).
قال ابن القيم – معلقا على حديث المسور بن مخرمة -:
وفيه: بقاء عار الآباء في الأعقاب لقوله ” بنت عدو الله ” فدل على أن لهذا الوصف تأثيرًا في المنع وإلا لم يذكره مع كونها مسلمة، وعليه بقاء أثر صلاح الآباء في الأعقاب لقوله تعالى: { وكان أبوهما صالحا }.
” حاشية ابن القيم على سنن أبي داود ” ( 6 / 55 ).
خامسًا:
أما عن الذين يشاركون النساء بالحرام فأخبرهم أن الله قد ييسر للتقي تقية تحفظه ويبتلي الفاسد من هي مثله، والأدلة على ذلك قد تقدمت.
والله أعلم.


