خطبة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيرة في عرفات وأهميتها
السؤال
أتمنى أن تقدم لي وصفا موجزا لموعظة الرسول صلى الله عليه وسلم الأخيرة في عرفات، وماذا نستفيد من تلك الخطبة العظيمة؟ وجزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله
خَطَب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم عرفات بالناس خطبة بليغة جامعة لمعاني الخير، بيّن فيها كثيرا من أحكام الدين ومزاياه.
قال الإمام ابن حزم – رحمه الله تعالى -:
وأما قولنا: حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت له حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس على راحلته خطبة ذكر فيها عليه السلام:
– تحريم الدماء والأموال والأعراض.
– ووضع عليه السلام فيها أمور الجاهلية ودماءها، وأول ما وضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعا في بنى سعد بن بكر بن هوازن فقتله هذيل.
– ووضع عليه السلام في خطبته تلك ربا الجاهلية، وأول ربا وضع ربا عمه العباس ابن عبد المطلب.
– وأوصى بالنساء خيرا وأباح ضربهن ضرباً غير مبرح إن عصين بما لا يحل.
– وقضى لهن بالرزق والكسوة بالمعروف على أزواجهن.
– وأمر بالاعتصام بعده بكتاب الله عز وجل وأخبر أنه لا يضل من اعتصم به.
– وأشهدَ اللهَ عز وجل على الناس أنه قد بلغهم ما يلزمهم فاعترف الناس بذلك.
– وأمر عليه السلام أن يبلغ الشاهد الغائب.
– وبعثت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم عبد الله بن عباس بلبن في قدح فشربه عليه السلام أمام الناس على بعيره فعلموا أنه عليه السلام لم يكن صائما ذلك اليوم .
انظر “حجة الوداع ” ( 168 – 169 ).
وإليك الروايات التي وصفت خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع ما فيها من الأحكام:
عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا: منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس البلدة؟ قلنا: بلى، قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، وكان محمد إذا ذكره قال: صدق النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟”. رواه البخاري ( 5230 ) ومسلم ( 1679 ).
فقد قرر رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخطبة من الحديث السابق ما يلي:
- أنه يجب أن يبقى الزمان وشهوره كما خلقها الله تعالى ولا يجوز أن تتبدل شهوره وأيامه على مر التاريخ كما خلقه الله تعالى؛ إذ كانت العرب تحرّم منه ما تشاء فلا تغزوا وتحلّ ما تشاء إن أرادوا الغزو.
– ولذا فسر بعض العلماء معنى ” ولا جدال ” في قوله تعالى:{ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } [ البقرة / 197 ]، بالخلاف بين الناس في الشهور بين قائل: هذا هو شهر الحج أو يومه وقائل: ليس هو شهر الحج أو يومه.
– قال القرطبي: وقالت طائفة: الجدال هنا أن تقول طائفة: الحج اليوم، وتقول طائفة: الحج غداً، وقال مجاهد وطائفة معه: الجدال المماراة في الشهور حسب ما كانت عليه العرب من النسيء، كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة، ويقف بعضهم بجمع وبعضهم بعرفة ويتمارون في الصواب من ذلك، قلت فعلى هذين التأويلين لا جدال في وقته ولا في موضعه وهذان القولان أصح ما قيل في تأويل قوله “ولا جدال”؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ” الحديث. ” تفسير القرطبي ” ( 2 / 410 ).
– وقال – رحمه الله تعالى -: فذلك قوله في خطبته : ” إن الزمان قد استدار ” الحديث. أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء. ” تفسير القرطبي ” ( 8 / 137 ).
- أن السنَة اثنا عشر شهراً وهي: المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
– منها أربعة حرم، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
- حرمة ذي الحجة:
وذلك قوله: ” فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا “.
- حرمة البلدة وهي مكة:
وذلك قوله: ” فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا”.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف، وقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا، فقال: إلا الإذخر وعن خالد عن عكرمة قال هل تدري ما لا ينفر صيدها هو أن ينحيه من الظل ينزل مكانه”. رواه البخاري ( 1736 ).
- حرمة يوم النحر وهو يوم الأضحى:
وذلك قول:” فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا “.
وعن عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القرن وقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن بأيتهن يبدأ بها، فلما وجبت جنوبها، قال كلمة خفيفة لم أفهمها! فسألت من يليه؟ فقال: قال: ” من شاء اقتطع”. رواه أبو داود (1765)، و الحاكم في المستدرك ( 7522 )، وقال: ” هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”، وابن خزيمة ( 2917 ) وابن حبان ( 2811 ).
- حرمة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم:
وذلك قوله: ” فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا”.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه”. رواه مسلم ( 2564 ).
- الدعوة إلى الاجتماع على الحق وعدم التفرق بأن يضرب المسلمون بعضهم رقاب بعض:
وذلك قوله: ” ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض “، ومنه قول الله تعالى:{ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال / 46 ].
- وجوب نقل العلم وعدم كتمانه:
وذلك قوله: ” ألا ليبلِّغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه”.
عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار”. رواه البخاري ( 3274 ).
- فيه حجية خبر الواحد، في أمور الدين كله:
وذلك قوله:” ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه”، فلم يشترط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التواتر في نقل الدين عنه، في حين أنه لو كان ذلك واجباً لبيَّنه، لوجود عشرات الآلاف من الناس في ذلك الموقف فمنهم العالم ومنهم الجاهل، ومنهم الحاضر والباد، وغير ذلك.
* هذه الفوائد المأخوذة من نص هذه الرواية التي هي عند الشيخين، ووردت خطبة الوداع بسياقات أخرى يستفاد منها ما يلي:
- جواز الخطبة في عرفة على الناقة أو الراحلة.
والدليل: عن جابر بن عبد الله قال: ” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: ” يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي”. رواه الترمذي ( 3786 ). والحديث: صححه الشيخ الألباني في” صحيح الجامع ” ( 2978 ).
- حرم أمور الجاهلية كلها وجعلها موضوعة تحت قدمه ولا سيما الثأر والدماء:
كما في الرواية عن جابر عند مسلم: ” ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم بن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله”. رواه مسلم ( 1218 ).
- حرم الربا ووضعه، كما في حديث جابر المتقدم.
- أمر بتقوى الله بالنساء وعدم إيقاع الظلم عليهن.
هذه خلاصة الدروس المستقاة من الخطبة.
والله أعلم.


