هل ثبت النهي عن المبيت منفردا؟ وهل يشمل هذا المعتكف؟
السؤال
سؤالي حول العشر الأواخر، إن رسول الله قد نهى أن يبيت الرجل وحيدا، فهل يجوز للرجل أن يعتكف في مسجد وحيدا؟
والسؤال الثاني: وهل يجوز الاعتكاف في مسجد لا تقوم فيه الجمعة ثم هل يجوز الخروج منه لصلاة الجمعة ثم الرجوع إليه؟ وجزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله
أولا:
مما لا شك فيه أن الوَحدة مذمومة سواء في السفر أو في الحضر؛ لما فيها من مفاسد كثيرة، وقد جاء النص الصريح في بيان خطورة سير الإنسان وحده.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ ). رواه البخاري ( 2836 ).
* قال ابن حجر:
وقوله ( مَا أَعْلَمُ ) أي: الذي أعلمه من الآفات التي تحصل من ذلك …
” فتح الباري ” ( 6 / 138 ).
وأما النهي عن أن يبيت المسلم وحده: فقد ورد في مسند الإمام أحمد، لكن الذي يظهر أن هذه الزيادة في الحديث شاذة غير صحيحة.
فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نَهَى عَنْ الْوَحْدَةِ أَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ أَوْ يُسَافِرَ وَحْدَهُ ). رواه أحمد ( 5618 ).
* قال الشيخ شعيب الأرناؤوط:
صحيح دون النهي عن أن يبيت الرجل وحده، وهي زيادة شاذة تفرد بها أبو عبيدة الحداد.
وقد صحح الشيخ الألباني هذه الزيادة، وذكر لها شاهدا مرفوعا وآخر موقوفا، وبالنظر في أسانيد هذه الشواهد تبيَّن لنا عدم صحتها، وبالتالي عدم صلاحيتها للاحتجاج.
* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:
وله شاهد موقوف يرويه عاصم بن سليمان وغيره عن عمر بن الخطاب قال: ” لا يسافرن رجل وحده ولا ينامن في بيت وحده “. ” السلسلة الصحيحة ” ( 60 ).
* وقال – رحمه الله -:
وللحديث شاهد من حديث جابر بزيادة: ولا نام رجل في بيت وحده.
” السلسلة الصحيحة ” ( 61 ).
وأثر عمر رضي الله عنه لا يصح لأنه منقطع، وحديث جابر فيه أبو الزبير وهو مدلس، وفيه محمد بن القاسم الأسدي، وهو متهم بالكذب، قال الإمام أحمد: أحاديثه موضوعة، ليس بشيء، وقال البخاري عن أحمد: رمَيْنا حديثه، وفي موضع آخر: كذَّبه أحمد، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، لا يجوز الاحتجاج به، وقال العقيلي: يعرف وينكر تركه أحمد، وقال: أحاديثه أحاديث سوء.
انظر ” تهذيب التهذيب ” ( 9 / 361 ).
وقد ذكر أهل العلم أن من آفات بيات الإنسان وحده: الطمع فيه من قبَل أهل الشر، واحتمال تمكن الشيطان منه بالفتنة والشهوات المحرمة، وأنه قد يعرض له مرض ولا يجد من ينقذه، وقد يتعرض لموت ولا يُفطن له إلا من رائحته، وهكذا في آفات ومضار كثيرة، وقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يبيت وحده؟ قال: أُحب أن يتوقى ذلك.
ونرى أن اعتكاف المسلم وحده في المساجد ليس من هذا الباب؛ لأن المسجد مطروق من الناس في كل أوقاته، والأصل في الاعتكاف أن يكون المسلم وحده لأنه أقرب لتحصيل مقصود الاعتكاف من القرَب إلى الله وزيادة الصلة به، وتحصيل آثار الدعاء والصلاة وقراءة القرآن، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له معتكف خاص به داخل المسجد، وثبت أن ابن عمر كان يبيت في المسجد وهو شاب، وثبت عن امرأة كانت تقم المسجد أنه كان لها حفش – بيت صغير – داخل المسجد، وكل هذا يؤكد أن الاعتكاف في المسجد لا يدخل في النهي عن أن يبيت الإنسان وحده لو كان صحيحا، فكيف والحديث لم يصحَّ أصلا؟.
ثانيا:
والأفضل للمعتكِف أن يكون اعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة؛ لئلا يضطر للخروج من مسجده إلى مسجد آخر، وقد ذكرنا في جواب آخر عدم اشتراط إقامة الجمعة في المسجد المُعتَكف فيه، فالصحيح: أن اعتكافه لا ينقطع، وأنه يجب عليه الخروج لأداء صلاة الجمعة.
والله أعلم.


