والدهم المطلِّق لأمهم لا يصلي ويشرب الخمر فهل تأثم أمهم إن منعتهم من زيارته؟

السؤال

تزوجت من امرأة مطلقة، وعندها ثلاثة  أبناء من زوجها السابق, ويريد زوجها السابق أن يرى أبناءه بشكل منتظم, لكن لسوء الحظ أنه لا يصلي، ولا يصوم، ويشرب الخمر، ويذهب إلى النوادي الليلية، ولديه عشيقة، وهي حامل منه، فعندما يأخذ أبناءه من عندنا يكون هؤلاء الأولاد حول عائلة أبيهم الذين هم من غير المسلمين, وفي بعض الأحيان يكونون في حالة من السُّكر, وقد لاحظ هؤلاء الأبناء وجود المخدرات, وعندما يعودون إلى المنزل يعودون ورائحتهم تفوح من الدخان.

فهل هذا الأب لا يزال يمتلك الحق في رؤية هؤلاء الصبية، أو أن يأخذهم للعيش معه؟ أرجو الإجابة المدعّمة بالأدلة.

الجواب

الحمد لله

إذا كان ذاك هو حال الأب: فإنه يحرم على الأم تمكين أولادها من رؤيته، فضلًا عن زيارته، فضلًا عن الإقامة عنده؛ لما في ذلك من خطر على دينهم، وأخلاقهم.

والحضانة إنما تكون مع من لا يفرط في أولاده، ومع من يقوم على تربية أولاده، ورعايتهم رعاية حسنة، فإن ثبت تفريط من كان أولاده عنده: انتقلت الحضانة إلى الآخر، والأب هنا جمع بين الكفر والفسق، الكفر في تركه للصلاة، والفسق في شربه للخمر والذهاب للنوادي الليلية واتخاذ العشيقات، وهذا لو كان أبًا من غير طلاق: لما جاز للأم أن تبقى معه، ولا أن تأمن على نفسها ولا أولادها منه، أما وهو الآن مطلِّق: فإن على الأم أن تبذل جهدها في منعه من زيارة أولاده، ومن منعهم من زيارتهم؛ لما في ذلك من الأثر السيئ الذي قد يحدثه اختلاطهم به، وبأولاده، وأيًّا كان الحق الذي للأب عند أحدٍ من العلماء: فإنه يسقط إذا كان ذاك هو حاله، وهي كلمة إجماع.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في حضانة البنات -:

وأحمد وأصحابه إنما يقدِّمون الأب إذا لم يكن عليها في ذلك حرز، فلو قدِّر أن الأب عاجز عن حفظها، وصيانتها، أو مهمل لحفظها، وصيانتها: فإنه يقدَّم الأم في هذه الحالة، فكل من قدمناه من الأبوين: إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها، أو اندفعت به مفسدتها، فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما: فالآخر أولى بها بلا ريب، حتى الصغير إذا اختار أحد أبويه وقدمناه: إنما نقدمه بشرط حصول مصلحته، وزوال مفسدته، فلو قدَّرنا أن الأب ديوث لا يصونه، والأم تصونه: لم نلتفت إلى اختيار الصبي؛ فإنه ضعيف العقل، قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد، ويكون الصبي قصده الفجور، ومعاشرة الفجار، وترك ما ينفعه من العلم، والدين، والأدب، والصناعة، فيختار مِن أبويه مَن يحصل له معه ما يهواه، والآخر قد يرده، ويُصلحه، ومتى كان الأمر كذلك: فلا ريب أنه لا يمكَّن من يفسد معه حاله، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع )، فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك والآخر لا يأمره: كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر؛ لأن ذلك الآمر له هو المطيع لله ورسوله في تربيته، والآخر عاص لله ورسوله؛ فلا نقدم مَن يعصي الله فيه على من يطيع الله فيه؛ بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله، ويترك ما حرم الله ورسوله والآخر لا يفعل معه الواجب، أو يفعل معه الحرام : قدِّم من يفعل الواجب، ولو اختار الصبي غيره؛ بل ذلك العاصي لا ولاية له عليه بحال؛ بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته: فلا ولاية له عليه؛ بل إما ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن نضم إليه من يقوم معه بالواجب، فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين لا تحصل طاعة الله ورسوله في حقه، ومع حصوله عند الآخر تحصل: قدِّم الأول قطعا، وليس هذا الحق من جنس ” الميراث ” الذي يحصل بالرحم، والنكاح، والولاية، إن كان الوارث حاجزًا، أو عاجزًا: بل هو من جنس ” الولاية ” ولاية النكاح، والمال التي لا بد فيها من القدرة على الواجب، وفعله بحسب الإمكان، وإذا قدِّر أن الأب تزوج ضرة، وهي تُترك عند ضرة أمها لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها، أو تقصر في مصلحتها، وأمها تعمل مصلحتها، ولا تؤذيها: فالحضانة هنا للأم، ولو قدِّر أن التخيير مشروع، وأنها اختارت الأم، فكيف إذا لم يكن كذلك؟ ومما ينبغي أن يُعلم أن الشارع ليس له نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقًا، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقًا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقًا؛ بل مع العدوان والتفريط لا يقدَّم مَن يكون كذلك على البرِّ، العادل، المحسن، القائم بالواجب.

” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 131، 132 ).

وفي ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 53 / 125 – 175 ) مقال بعنوان ” حول تربية الأطفال وتعليم الجهال ” للشيخ الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله، وقد أطال النفس فيه فيما يتعلق بمسألتنا، ويصعب علينا نقل كل ما نراه مناسبًا، لذا سننقل نبذاً منه باختصار، عسى أن يكون نافعًا.

* قال – حفظه الله -:

  1. المعتاد والغالب أن الأبناء والذرية يقتدون بالآباء والمربين والمعلمين، كما حكى الله ذلك عن أهل الجاهلية في مثل قوله تعالى: ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ . فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ )، وقال تعالى: { مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ).

فالآباء قدوة حسنة، أو سيئة لأولادهم، والاقتداء هو التقليد والاتباع، والتمسك بما عليه الأسلاف من عقيدة أو عمل، فالمعتاد أن الأبناء يحسنون الظن بآبائهم، ويتمسكون بما كانوا عليه، ويعتقدونه سفينة النجاة.

  1. وبضد ذلك نرى أن الآباء وأولياء الأمور والمربين والمعلمين متى كانوا منحرفين زائغين؛ ظهر الفساد غالباً فيمن تحت أيديهم من الأطفال، والذراري، فينشئون على استعمال السباب، والشتم، واللعن، والقذف، والعيب، والثلب، وسيئ المقال، أو على الوقاحة، والرذالة، والرعونة، والجفاء، وخشونة الطباع، أو على الانحراف في الأخلاق والطبائع، أو على الحسد، والظلم، والكذب، والخيانة، والسرقة، والاختلاس، والفجور، وقول الزور، أو على المعاصي الظاهرة ولو كانت منكرة في العقل والفطرة، فتراهم يقلدون أكابرهم ومشايخهم في شرب الدخان، وحلق اللحى، وتعاطي المسكرات والمخدرات، والعكوف على سماع الأغاني والملاهي، والنظر في الصور الفاتنة، والصحف الماجنة، والأفلام الهابطة، ونحو ذلك.

ولا شك أن إظهار أمثال هذه المعاصي أمام النشء الصغير غير المميز، مما يدفعه إلى التلوث بها، أو ببعضها، سواء تهاون والده به بادئ ذي بدء أو حذر منها، فإذا أعلن فعلها أمام الأطفال والجهال، حتى نشبوا في تلك الحبائل، ثم حاول تخليصهم وإنقاذهم منها: تعب في ذلك، ولم يستطع، فيندم حين لا ينفع الندم. فلا تسأل عما يحدث من جراء التخلق بمثل هذه الأخلاق الرذيلة، حيث يتحلى الولد بالعقوق والعصيان، والمخالفة الظاهرة لولي أمره، ويصبح كلاًّ على أبويه، يذيقهما مرارة الحياة، ويجرعهما غصص الأذى، حيثما لم يترب على معرفة حق الله تعالى، وما أمر به في حق الأبوين، وإنما يسعى في نيل شهوته البهيمية، واتباع غريزته الدنية، ونيل ما يهواه، دون مبالاة.

  1. لا يجوز شرعًا تمكين الكفار من الولاية على المسلمين، فإن ديننا الحنيف قد جاء بالتفريق بين الأقارب لأجل الإسلام، نهى عن موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان من الآباء، أو الأبناء، أو العشيرة، فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ).

وذلك أن بقاء المسلم بين ظهراني قوم كفار: يكون سببًا في تعذيبه وأذاه، وإلحاق الضرر به، أو سببًا في افتتانه، ورجوعه عن دينه، وإذا كان هذا يُتصور في الرجل الكبير العاقل: فكيف بالطفل الصغير الذي لا يميز بين الأديان، فيجب إبعاد أولاد المسلمين عن ولاية الكفار، والمشركين، وأهل البدع، والمعاصي؛ وذلك لأن كل فرد – غالبًا – يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه، ويألف العادات والأعمال والأخلاق المنتشرة الشائعة في الوطن الذي يعيش فيه، وبين المواطنين الذين ينشأ بين ظهرانيهم، وتظهر وتنطبع آثارها في ديانته ومعتقده ومعاملاته.

  1. فمتى تربى شخص منذ حداثته على أخلاق، أو عقائد، ونشأ عليها وألفها: فإن تحويله عنها من الصعوبة بمكان، مهما بذلت له المحاولات، وأقيمت عليه البراهين، وأوضحت له الحجج التي تنير الحق، وتبين سفاهة من دان بتلك الأديان الباطلة، أو انتحل تلك النحل الزائغة، أو صدق بتلك العقائد المنحرفة: ( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )، فرجوع مثل هذا إلى الصواب مع رسوخ الباطل في ذهنه، شبه المستحيل إلا ما شاء الله.
  2. فإن هذه الحضانة والتربية بأيدي الكفار والمضلين لا تجوز شرعًا، فلا يجوز أن يمكَّن الكافر من تولي الطفل المسلم حال طفوليته، ولو كان ذلك الكافر أو المبتدع أباه، أو أخاه، أو قريبه، أو نسيبه، كما أن القريب المسلم إذا كان فاسقًا، أو عاصيًا: لا يجوز أن يتولى حضانة الصبي المسلم مهما كانت قرابته؛ لأنه غير موثوق به في أداء الواجب من الحضانة ، ولا حظَّ للطفل في حضانته ؛ لأنه ينشأ على طريقته، ويقع فيما وقع فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإنّ المطلوب من الحضانة أمر زائد على الغذاء والحفظ البدني، والتطهير والتنظيف الظاهر، ذلك الأمر هو التغذية الروحية، وتنمية الفطرة الدينية، وتطبيقها عمليًّا، فمتى كان المربي، أو المعلم، منحرفًا زائغًا في المعتقد، أو متلبسًا بذنبٍ مكفِّر، أو مفسِّق: فإنه يظهر حال تلبسه به أمام أولئك الأطفال، ويوهمهم أن ذلك الذنب حسن، أو لا محذور فيه، فلذلك يشاهَد أن المبتدعة – كالمعتزلة والرافضة ونحوهم – ينشأ أولادهم على معتقدهم الزائغ، كما أن تارك الصلاة، وشارب الخمر، والمدخن، والزاني، وآكل الربا، والسارق، والقاذف، واللعان، والطعان، ونحوهم: يألف أولادهم تلك المعاصي، ويفعلونها محاكاة لآبائهم، ويصعب تحويلهم عنها، حيث نشأوا عليها منذ نعومة أظفارهم، فلا يعرفون سواها، ولم يجدوا موجها صالحا في صغرهم ينبههم على خطرها وضررها. فإذا كان هذا في العصاة والمذنبين فكيف بالكفار والمشركين من النصارى والوثنيين والملحدين.
  3. وإليك بعض ما قال علماء الإسلام في حضانة الكافر للمسلم وحكمها، قال أبو محمد بن قدامة في ” المغني ” ( 7 / 612 ): ” ولا تثبت – يعني الحضانة – لكافر على مسلم، وبهذا قال مالك، والشافعي، وسوار، والعنبري. وقال ابن القاسم وأبو ثور وأصحاب الرأي: تثبت له؛ لما روي عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه عن جده رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه. وقال رافع: ابنتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقعد ناحية )، وقال لها: ( اقعدي ناحية )، وقال: ( ادعواها )، فمالت الصبية إلى أمِّها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اهدها ) فمالت إلى أبيها فأخذها ) رواه أبو داود.

ولنا: أنها ولاية، فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا لم تثبت للفاسق: فالكافر أولى؛ فإن ضرره أكثر، فإنه يفتنه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام، بتعليمه الكفر، وتزيينه له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر، والحضانة إنما تثبت لحظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه، وهلاك دينه.

فأما الحديث: فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يُثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال.

قال ابن المنذر: ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنها تختار أباها بدعوته، فكان ذلك خاصًّا في حقه ا.هـ. انتهى.

وهذا الخلاف المذكور وقع فيما إذا كان الكافر قريبا للطفل، كالأم التي هي أولى بالحضانة، وأعرف بشئون التنظيف والعناية بالطفل، وأصبر على حمله وفصاله، وأعرف بتغذيته ورعاية مصالحه.

* وقال ابن حزم في ” المحلى ” ( 11 / 742 ):

” الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض، أو الاحتلام، أو الإنبات مع التمييز، وصحة الجسم، فإن لم تكن الأم مأمونة في دينها، ودنياها: نُظر لهما بالأحوط في دينهما، ثم دنياهما، فحيثما كانت الحياطة لهما في كلا الوجهين: وجبت هنالك، عند الأب، أو الأخ، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، أو العم، أو الخال، وذو الرحم أولى من غيرهم بكل حال، والدين مغلب على الدنيا.  انتهى.

  1. لكن متى بلغ الطفل سنا يميز به، ويعرف ما يتدين به، ويتأثر بالتلقين، ويخاف أن يألف أعمال الكفار ويميل إليها، وجب نزعه من أحضان أقاربه غير المسلمين، وتسليمه إلى من يسعى في إصلاحه، ويربيه التربية الإسلامية، وهذا واجب على المسلمين. انتهى.

* والخلاصة:

لا تمكنوا ذلك الأب الكافر من رؤية أولاده، ولا الأولاد من رؤيته، ولا تمكنوهم من زيارته، ولا الإقامة عنده؛ لما في ذلك من الخطر الشديد على دينهم، وسلوكهم، واعلموا أن السؤال لو كان عن رجال بالغين عاقلين: لكان الحكم نفسه، وهو عدم جواز زيارته والاختلاط به، إلا من أجل نصحه ودعوته، ولا شك أن خطره على الصغار أعظم من خطره على الكبار، فيتحتم عليكم المنع.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة