هل يؤاخذ المسحور يوم القيامة على تصرفاته وأفعاله؟

السؤال

كيف سيتعامل الله عز وجل مع ضحايا الشعوذة يوم القيامة؟ لأن تأثير الشعوذة يمكن أن يؤدي إلى تغيير في تصرفاتهم، وخلق مشاكل أخرى عندهم؟.

الجواب

الحمد لله

يعتقد أهل السنَّة والجماعة أن للسحر حقيقة، وأنه لا يكون له تأثير على المسحور إلا بإذن الله تعالى.

ويعتقد أهل السنَّة بأن الجن يمكن أن يصيب الإنس بمسٍّ، بتقدير الله وإرادته، وينظر في ذلك أجوبتنا الأخرى داخل الموقع.

* وأما بخصوص تأثير السحر على المسحور، وكيف يكون حسابه يوم القيامة: فإننا نقول:

إن السحر الذي يقدِّر الله تعالى له فاعلية: إما أن يؤثِّر على بدن المسحور، أو يؤثِّر على عقله، والتأثير على العقل نوعان في الجملة.

فإن أثَّر السحر على بدن المسحور، فقدَّر الله به مرضا- مثلًا -: فإن المسحور هنا مسئول عن تصرفاته، ويجب عليه من الأعمال ما يستطيع القيام به، ويسقط عنه بالعجز ما يسقط على غيره من المرضى، ويُخفف عنه ما يُخفف على غيره؛ لقول الله تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) البقرة/ 286، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( فَإِذَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم ) رواه البخاري ( 6858 ) ومسلم (1337)، وللقاعدة المعروفة المستنبطة من القرآن والسنَّة: ” لا تكليف مع عجز “.

وليس ثمة فرق في الشرع بين مريض السحر، ومريض الطعام والشراب.

* وأما إن قدَّر الله تعالى للسحر تأثيرًا على عقل المسحور: فلا يخلو – غالبًا- من حالين:

الأول: أن يكون تأثيره محدودًا، كنسيان فعل شيء، وعدم تذكره، أو تأثيره في الحفظ، فمثل هذا لا يُسقط التكليف عن العبد، ويُطلب منه القيام بما يتذكره، وما ينساه من الواجبات لا يؤاخذ عليه، فإن تذكره أدَّاه، وحكم النسيان من السحر كحكم النسيان من أشغال الدنيا، وكثرة همومهما، وغمومها.

قال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) البقرة/ 286 .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( مَنْ نَسِيَ صَلاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ ).

رواه البخاري ( 572 ) ومسلم ( 684 ) وفيه زيادة: ( أو نام عنها )، ولمسلم (684): ( إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرَى ) طه/ 14 ).

والحال الأخرى: أن يؤثر السحر على عقل المسحور، فيصيبه بالجنون الدائم، أو المؤقت: فهنا يسقط عنه التكليف في وقت ذهاب عقله؛ لأن العقل من شروط التكليف، فلا يؤاخذه ربه تعالى إن ترك واجبًا، أو فعل محرَّمًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنْ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ) رواه أبو داود ( 4399 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

ومع هذا فتجب في ماله الزكاة، ويضمن وليُّه فيما يتلفه لغيره من ممتلكات.

فتسقط عن أصحاب هذه الحال حقوق الله، ويضمنون حقوق العباد، ويؤاخذون ماليًّا، لا بدنيًّا، ويؤاخذون بأفعالهم، لا بأقوالهم.

* في ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 101 ، 102 ):

الجنون من عوارض أهلية الأداء وهو يزيلها من أصلها, فلا تترتب على تصرفاته آثارها الشرعية; لأن أساس أهلية الأداء في الإنسان التمييز والعقل, والمجنون عديم العقل، والتمييز.

ولا يؤثر الجنون في أهلية الوجوب; لأنها ثابتة لكل إنسان, فكل إنسان أيا كان له أهلية الوجوب; لأن أهليته للوجوب هي حياته الإنسانية. وما وجب على المجنون بمقتضى أهليته للوجوب من واجبات مالية يؤديها عنه وليه.

فإذا جنى على نفس أو مال يؤاخذ ماليًّا، لا بدنيًّا, ففي القتل يضمن دية القتيل ولا يقتص منه, لقول علي رضي الله عنه: ” عمد الصبي والمجنون خطأ “، وكذلك يضمن ما أتلفه من مال الغير. انتهى.

* وفي ( 16 / 107 ):

وأما بالنسبة لحقوق العباد كالضمان ونحوه : فلا يسقط; لأنه ليس تكليفًا له, بل هو تكليف للولي بأداء الحق المالي المستحق في مال المجنون, فإذا وقعت منه جرائم: أُخذ بها ماليًّا، لا بدنيًّا, وإذا أتلف مال إنسان وهو مجنون: وجب عليه الضمان, وإذا قتل: فلا قصاص، وتجب دية القتيل. انتهى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة