حكم حلق اللحية وهل هي من المجاهرة بالمعصية؟
السؤال
ما حكم العاصي الذي يظهر في القنوات، لا سيما الدينية، كالشخص حليق اللحى، أو الذي يخففها بحيث لا يقال إن هذا الشخص مطلق للحيته؟ وهل هذه مجاهرة بالمعصية ويجوز التحدث عن ذلك بالمنتديات؟ يرجى الإجابة.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
حلق اللحية حرام؛ لما ورد من الأحاديث الصحيحة الصريحة في الأمر بإعفائها، وتوفيرها.
ونقل ابن حزم رحمه الله في كتابه ” مراتب الإجماع ” ( ص 157 ) الإجماع على أن حلقها مُثلة، فقال:
” واتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثلة “. انتهى.
وقد جمعت معصية حلق اللحية أسبابًا كثيرة تجعل حلقها من الكبائر، ومن ذلك:
- مخالفة الحالق للحيته للأمر النبوي بإعفائها.
- تشبهه بالمجوس.
- تشبهه بالنساء، حيث فرَّق الله تعالى بين خلقة النساء والرجال في الشارب واللحية.
- مخالفة الفطرة.
- المداومة على الفعل، والحالقون للحاهم لا يدعون مجالًا لشعرة أن تبت في لحيتهم إلا وعاجلوها بالحلق، فمعصيتهم مستمرة دائمة.
ومثله في الحكم: من خففها دون القبضة – وهو أقل ما ورد عن العلماء القول بجوازه، وإن كان قولًا مرجوحًا -، وخاصة من خففها حتى لا يكاد يظهر منها شيء .
ومن عجَبٍ أن أصبح هؤلاء دعاة، ومفتين، وواعظين، في قنوات إسلامية – حقيقة، أو في زعمهم – والواحد فيهم يحرص على هندامه، وشكله، ليظهر أمام الملايين، حتى خرج بعضهم ببنطال ” جينز “! وآخر بقميص ” نصف كم “! وهكذا في عرض أزياء، وعرض أشكال، وأما اللحية فحدِّث عنها ولا حرج، فهذا حالق لها، وثانٍ أطلق جزء منها في ذقنه فقط، وثالث خففها حتى لا تكاد ترى بالعين المجردة، ورابع هندسها وخفف منها بما دون القبضة، وقليل منهم من أعفاها وأطلقها، كما هي سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا:
والجهر بالمعصية يعني: إظهار تلك المعصية، وإبرازها، مع شيء من اللامبالاة، وحالق اللحية مجاهر بمعصيته ولا شك.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
حالق اللحية مجاهر بمعصيته, وآثارها بادية عليه باستمرار، في حالة نومه, ويقظته, وعبادته, وفراغه. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 15 / 131 ).
وقد ذمَّ الشرع المطهر المجاهرين بالمعاصي، وجاء التحذير من المجاهرة أن تودي إلى التهلكة، فهو يعرِّض نفسه للحد، والتعزير، وهو يحرم نفسه من ستر الله تعالى، وعفوه.
عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ – وفي رواية ( المَجَانة ) – أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، فَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَليْهُ ).
رواه البخاري ( 5721 ) ومسلم ( 2990 ).
* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:
قوله: ( وإن من المجانة ) بفتح الميم والجيم، وهو عدم المبالاة بالقول، والفعل. ” عمدة القاري ” ( 22 / 139 ).
* قال ابن حجر – رحمه الله -:
قال ابن بطَّال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله، ورسوله، وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها: السلامة من الاستخفاف؛ لأن المعاصي تذل أهلها، ومِن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد، ومن التعزير إن لم يوجب حدًّا، وإذا تمحض حق الله: فهو أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا: لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك.
” فتح الباري ” ( 10 / 487 ).
ومما لا شك فيه: أن إظهار المعصية وإعلانها أشد إثمًا من الاستخفاء بها وكتمانها، وحالق لحيته: مظهر لتلك المعصية، غير مخفيها.
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
وبالجملة: فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدَنًا من النساء، والمتخذة خدنًا من الرجال: أقل شرًّا من المسافح والمسافحة مع كل أحدٍ، والمستخفي بما يرتكبه: أقل إثمًا من المجاهر المستعلِن، والكاتم له أقل إثمًا من المخبِر المحدِّث للناس به، فهذا بعيد من عافية الله تعالى، وعفوه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين … ). ” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 147 ).
– الخدن والخدنة: العشيق والعشيقة.
ومن مفاسد المجاهرة بالمعصية: تهوين شأنها في الناس، وتشجيع ضعاف الإيمان على ارتكابها، وإظهارها، وتشجيع فاعلها على الاستمرار على فعلها.
* قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني – رحمه الله -:
وفي المجاهرة بالمعصية عدة مفاسد منها: حمل الناس على فعل مثلها، وفي صحيح مسلم ( .. ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ).
” الاستبصار في نقد الأخبار ” ( ص 23 ).
ثالثًا:
وبعد هذا يُعرف أن المجاهر بحلق لحيته لا يعدُّ الكلام عن حاله مخالفًا للشرع، فهو رضي بفعل المعصية، ورضي بإظهارها وإعلانها، ومثل هذا المجاهر يجوز – وقد يستحب، وقد يجب – في حقه أمور، منها:
- عدم تقديمه في الصلاة إمامًا.
- هجره.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 122 ):
يسن هجر من جهر بالمعاصي، الفعلية، والقولية، والاعتقادية، وقيل: يجب إن ارتدع به، وإلا كان مستحبًّا، وقيل: يجب هجره مطلقًا إلا من السلام بعد ثلاثة أيام، وقيل: ترك السلام على من جهر بالمعاصي حتى يتوب منها فرض كفاية، ويكره لبقية الناس تركه، وظاهر ما نقل عن أحمد ترك الكلام والسلام مطلقًا.
* وقال أحمد في رواية حنبل عنه: ليس لمن يسكر ويقارف شيئًا من الفواحش حرمة، ولا صلة، إذا كان معلنًا مكاشفًا.
* قال ابن علان في تعليقه على حديث: ( لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم ) – رواه أبو داود ( 4912 ) وحسنه الألباني في ” صحيح الترغيب ” – إذا كان الهجر من المؤمن للمؤمن لله تعالى بأن ارتكب المهجور بدعة، أو تجاهر بمعصية، فليس من هذا في شيء، والوعيد لا يتناوله أصلًا، بل هو مندوب إليه. انتهى.
- ترك الصلاة عليه من قبَل أهل الخير والفضل إن مات وهو على حاله تلك.
* قال ابن مفلح الحنبلي – نقلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية -:
وإن المظهر للمنكر يجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك ، وينبغي لأهل الخير أن يهجروه ميتًا إذا كان فيه كف لأمثاله، فيتركون تشييع جنازته.
” الآداب الشرعية ” ( 1 / 264 ).
- إظهار حاله للناس لتوقيه.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 121 ):
ذهب الفقهاء إلى أنه يندب الستر فيما كان حقّاً لله عز وجل على المسلم من ذوي الهيئات، ونحوهم ممن لم يعرف بأذى، أو فساد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة ) – رواه مسلم -.
وأما المجاهر، والمتهتك: فيستحب أن لا يستر عليه، بل يظهر حاله للناس حتى يتوقوه، أو يرفعه لولي الأمر حتى يقيم عليه واجبه، من حدٍّ، أو تعزير، ما لم يخش مفسدة؛ لأن الستر عليه يطمعه في مزيد من الأذى، والفساد.
* قال النووي: من جاهر بفسقه، أو بدعته: جاز ذكره بما جاهر به، دون من لم يجاهر به.
- أنه ليس له غيبة، على أن لا يتجاوز المتكلم عليه حدَّه في الكلام عن غير معصيته، فإن فعل فيكون مغتابًا، ظالمًا.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 121 ):
الغيبة حرام باتفاق الفقهاء، وذهب بعضهم إلى أنها من الكبائر، إلا أن الفقهاء أجازوا غيبة المجاهر بفسقه، أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلمًا، وتولي الأمور الباطلة، وقالوا: يجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر.
قال الخلال: أخبرني حرب سمعت أحمد يقول: إذا كان الرجل معلنا بفسقه فليست له غيبة. انتهى
- عدم عيادته إذا مرض.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 120 ):
ولا تسنُّ عيادة متجاهر بمعصية إذا مرض؛ ليرتدع، ويتوب، وقال ” البهوتي ” بعد ذكر هذا الحكم: وعلم منه أن غير المتجاهر بمعصية يعاد. انتهى.
والله أعلم.


