ذِكر الخلاف بين الحنفية والجمهور في ابتداء وقت صلاة العصر والراجح من القولين

السؤال

أي المذاهب الإسلامية أكثر صحة في مسألة وقت صلاة العصر؟ لأن صلاة العصر عند الأحناف تبدأ بعد المذاهب الأخرى, فأي المذاهب أصح؟ ومتى تبدأ فعلا صلاة العصر؟. جزاكم الله خيرًا.

الجواب

الحمد لله

لم يختلف العلماء في ابتداء وقت الظهر، وهو الزوال، لكنهم اختلفوا في نهايته، فذهب الجمهور إلى أن نهايته: حين يصير كل شيء مثله، وذهب الحنفية إلى نهايته حين يصير كل شيء مثليه.

وعليه: فقد اختلفوا في ابتداء وقت صلاة العصر متى يكون، فذهب الجمهور إلى أنه ابتداء وقت صلاة العصر حين يصير ظل كل شيء مثله، وذهب الحنفية – ووافق صاحبا أبي حنيفة الجمهورَ – إلى أن ابتداء وقت صلاة العصر يكون حين يصير ظل كل شيء مثليه.

والراجح من القولين في المسألتين: هو قول الجمهور، وأنه بنهاية وقت الظهر – وهو حين يصير كل شيء مثله -: يبدأ وقت العصر.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ ). رواه الترمذي ( 151 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وقت العصر من حين الزيادة على المثل أدنى زيادة، متصل بوقت الظهر، لا فصل بينهما، وغيرُ ” الخِرَقي ” قال: إذا صار ظل الشيء مثله: فهو آخر وقت الظهر، وأول العصر، وهو قريب مما قال ” الخرَقي “، وبهذا قال الشافعي.

” المغني ” ( 1 / 417 ).

* واستدل الجمهور على ما رجحوه في وقت صلاة العصر بأحاديث صحيحة صريحة، منها:

  1. عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ.

وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الْأَرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ ). رواه الترمذي ( 149 ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال الشيخ بدر الدين العيني الحنفي – رحمه الله -:

قوله: ” حين كان ظله مثلَيه ” وهذا آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة؛ لأنه عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال، يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا صار ظل كل شيء مثله: يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر، وهو رواية الحسن بن زياد عنه، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، والثوري، وإسحاق. ” شرح سنن أبي داود ” ( 2 / 239 ).

  1. وعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: ( صَلِّ مَعِي ) فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الْإِنْسَانِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الْإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ كَانَ قُبَيْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ثُمَّ قَالَ فِي الْعِشَاءِ: أُرَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. رواه النسائي ( 149 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.
  2. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.

رواه البخاري ( 525 ) ومسلم ( 621 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

والمراد بهذه الأحاديث وما بعدها: المبادرة لصلاة العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين، وثلاثة، والشمس بعدُ لم تتغير بصفرة ونحوها، إلا إذا صلَّى العصر حين صار ظل الشيء مثله، ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة. ” شرح النووي ” ( 5 / 122 ).

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ. رواه البخاري ( 523 ). ومسلم ( 621 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وإخراج المصنف لهذا الحديث مشعرٌ بأنه كان يرى أن قول الصحابي ” كنَّا نفعل كذا “: مسندٌ، ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار الحاكم، وقال الدارقطني، والخطيب وغيرهما: هو موقوف.

والحق: أنه موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا؛ لآن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج، فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

” فتح الباري ” ( 2 / 27 ، 28 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

وقوله ” كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر “: قال العلماء: منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وهذا يدل على المبالغة في تعجيل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاة بني عمرو في وسط الوقت، ولولا هذا لم يكن فيه حجة، ولعل تأخير بني عمرو لكونهم كانوا أهل أعمال في حروثهم، وزروعهم، وحوايطهم، فإذا فرغوا من أعمالهم: تأهبوا للصلاة، بالطهارة، وغيرها، ثم اجتمعوا لها فتتأخر صلاتهم إلى وسط الوقت لهذا المعنى.

وفي هذه الأحاديث وما بعدها: دليل لمذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء: أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير ظل الشيء مثليه، وهذه الأحاديث حجة للجماعة عليه، مع حديث ابن عباس رضي الله عنه في بيان المواقيت، وحديث جابر، وغير ذلك.

” شرح مسلم ” ( 5 / 122، 123 ).

وقد تم ذِكر جميع الأحاديث في المسألة، والتي أشار إليها النووي رحمه الله، وهي واضحة الدلالة لمذهب الجمهور، وهو أن بداية وقت العصر يكون بمصير ظل كل شيء مثله.

* ومن أدلة أبي حنيفة التي استدل بها على امتداد وقت الظهر إلى حين يصير ظل كل شيء مثليه، وأنه هو وقت ابتداء صلة العصر:

  1. عن عَبْدِ الله بنِ عمَر أَنَّهً سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَا قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ ). رواه البخاري ( 7029 ).

قالوا:

دل الحديث على أن مدة العصر أقل من مدة الظهر، ولا يكون ذلك إلا إذا كان آخر وقت الظهر المثلين  . ” الموسوعة الفقهية ” ( 7 / 173 ).

* وقال ابن رشد القرطبي – رحمه الله -:

وذهب أبو حنيفة إلى مفهوم ظاهر هذا، وهو أنه إذا كان من العصر إلى الغروب أقصر من أول الظهر إلى العصر على مفهوم هذا الحديث: فواجب أن يكون أول العصر أكثر من قامَة، وأن يكون هذا هو آخر وقت الظهر.

” بداية المجتهد ” ( 1 / 93 ).

* وردَّ عليهم ابن حزم رحمه الله، فقال:

وليس كما ظنوا، وقد امتحنت الأمر فوجدت القامة تنتهي من النهار إلى: تسع ساعات، وكسر. انظر: ” بداية المجتهد ” ( 1 / 93 ).

والحديث مساق لأجل بيان فضل الله تعالى على هذه الأمة، ولبيان فضل صلاة العصر بالإشارة، وليس فيه تعرض لوقت صلاة العصر، لا في ابتدائها، ولا في انتهائها، وما ذكرناه من أدلة للجمهور هي نصوص في ذات المسألة، ولبيان الوقت ابتداء وانتهاء.

  1. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ). رواه البخاري ( 3086 ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ). رواه البخاري ( 512 ) ومسلم ( 615 ).

قالوا:

والإبراد لا يحصل إلا إذا كان ظل كل شيء مثليه، لا سيما في البلاد الحارة، كالحجاز. ” الموسوعة الفقهية ” ( 7 / 173 ).

* وهذا الاستدلال بعيد عن الصواب، فالتأخير هنا إنما:

  1. هو للصلاة، لا للأذان، ولا يلزم من دخول الوقت الصلاة، والرخصة في الحر الشديد إنما تؤخَّر بها الصلاة، لا الأذان.
  2. والتأخير هو في صلاة الجماعة في المسجد، في البلاد الحارَّة، على الراجح.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وخصَّه بعضُهم بالجماعة، فأما المنفرد: فالتعجيل في حقه أفضل، وهذا قول أكثر المالكية، والشافعي أيضًا، لكن خصه بالبلد الحار، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدًا من بُعد، فلو كانوا مجتمعين، أو كانوا يمشون في كنٍّ: فالأفضل في حقهم التعجيل. ” فتح الباري ” ( 2 / 16 ).  وهو قول بعض الحنابلة أيضًا.

* قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

واشترط طائفة من أصحابنا للإبراد: أن تكون الصلاة في مسجد، قالوا: وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا، وأن تكون البلدان حارة شديدة الحر، أو متوسطة .

– ومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط .

وكذلك قال ابن عبد الحكم، وطائفة من المالكية العراقيين: أنه لا يبرد إلا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفردًا .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 3 / 66 ).

  1. والإبراد هذا هو في وقت شدة الحر، لا في العام كله.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ومفهومه: أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد.

” فتح الباري ” ( 2 / 16 ) .

* وقد ثبت بقين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد صلوا في شدة الحرِّ:

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو – هُوَ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ – قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ” كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ “. رواه البخاري ( 540 ) ومسلم ( 646 ).

  • فلا مجال بعد هذا للاستدلال بأحاديث الإبراد بوجه من الوجوه.

وبه يتبين أن قول الجمهور هو الصواب، سواء في وقت صلاة الظهر، أو في وقت صلاة العصر.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة