أضاف لقيطًا لنسبه ومات، واللقيط يريد أن يزوج أخته باعتباره وليًّا لها!

السؤال

لي ابن عم توفي، وله بنت واحدة فقط، ولقيط كان قد ربَّاه منذ الصغر، ولكنه ارتكب خطأ كبيرًا – عفا الله عنه – عندما أضاف هذا اللقيط في حفيظة النفوس، واستخرج له بطاقة أحوال، على أنه ابن شرعي له حسب النظام، والمشكلة الآن: أن البنت قد تقدم لخطبتها رجل صالح، وحيث أنه لا يجوز شرعًا أن يعقد هذا اللقيط لهذه البنت، لكنه حسب النظام هو أخوها، وله الحق في ذلك، وهو الولي لها، فهل يجوز أن يعقد هذا اللقيط لهذه البنت في المحكمة، ثم أقوم أنا بالعقد لهذه البنت على نفس الرجل في البيت بصفتي الولي الشرعي للبنت ، حيث أنني اقرب الناس لها من جهة أبيها، فهي ابنة ابن عم؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما فعله ابن عمك هو من كبائر الذنوب، وقد بينا حرمة إضافة اللقيط إلى نسب أسرة من يقوم على رعايته والعناية به، وأن هذا من التبني المتفق على حرمته، وأن له مفاسد كثيرة لا تخفى، وها نحن نرى مفاسد جراء ذلك الفعل، وهو أن هذا اللقيط يشاهد أجنبية، ويقبلها، ويخلو بها، على أنها أخته! والواقع أنه أجنبي عنها، وهي أجنبية عنه، وها هو يريد أن يكون وليًّا لها في زواجها، وهو ليس كذلك، مما يترتب عليه بطلان العقد، وغير ذلك كثير من المفاسد، وقعت، وستقع، إن لم يُتدارك الأمر، ويُعلن عن الحقيقة، ويُجهر بها، وما يترتب على إظهار الحقيقة من مضار نفسية لا يقارن بمفاسد الواقع المزيَّف، والتي يتعلق بوجوده أحكام شرعية كثيرة، تتعلق بالنسب، والميراث، والزواج، والمحرمية، وغير ذلك.

لذا وجب على العارف بهذا الواقع أن يبادر فورًا ودون تأخير لإعلان الحقيقة، ونفي نسب ذلك الرجل الذي أُدخل في نسب ابن عمك، ولا يحل لكم كتمان الأمر، وهذه شهادة ستسألون عنها يوم القيامة، وأنتم تتحملون آثاماً كثيرة بذلك الكتمان.

وعلى ذلك الرجل أن يقدِّر الأمر، وأن يرض بما قسم الله له، وليحتسب مصيبته عند ربه، وليصبر على ما أصابه، وعندما تهدأ نفسيته ستبين له أن الحقيقة وإن كانت مرة إلا أنها في مصلحته، ومصلحة غيره، وسيلومكم أشد اللوم – وحقَّ له ذلك – على كتمان الأمر عليه طيلة تلك الفترة.

وليَعلم هذا الرجل أن من هو خير منه كان منتسبًا إلى أشرف خلق الله، ونعني به ” زيد بن حارثة ” الصحابي الجليل، فقد كان منتسبًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يُدعى لفترة ” زيد بن محمد ” فلما حرَّم الله تعالى التبنِّي نُسب لوالده ” حارثة “.

وها هو ” سالم ” الصحابي الجليل، والذي رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنه، قراءة وتعلُّمًا، كما روى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ) رواه البخاري ( 3595 ) ومسلم ( 2464 ).

هذا الصحابي الجليل كان منتسبًا لأبي حذيفة، فلما حرَّم الله تعالى التبني ولم يُعرف له أب: نسب إلى أبي حذيفة بالولاية، فصار يقال له ” سالم مولى أبي حذيفة “، تنفيذًا لقوله تعالى: ( ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الأحزاب/ 5.

ولم يكن ذلك يعيبه، ولا يقدح بعدالته، ودينه، وها هو النبي صلى الله عليه يكرمه بذلك القول الذي يستحقه، وقد كان الصحابة يكرمونه، ويجلونه.

ثانيًا:

وابن ابن العم يكون وليًّا للمرأة إذا لم يكن من هو أحق منه وأولى.

* ففي ” الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ” لموسى الحجاوي رحمه الله ( 3 / 172 ):

ثم أخوها لأبوين، ثم لأبيها، ثم بنوهما كذلك وإن نزلوا، ثم العم لأبوين، ثم لأب، ثم بنوهما كذلك وإن نزلوا. انتهى.

* وفي ” روضة الطالبين ” للنووي رحمه الله ( 7 / 59 ):

ثم الأخ من الأبوين، أو من الأب، ثم ابنه وإن سفل، ثم العم من الأبوين، أو من الأب، ثم ابنه وإن سفل. انتهى.

ومع هذا فإننا لا نقول لك أن تجعل ذلك الغريب الأجنبي يقوم بتزويج ابنة ابن عمك في المحكمة، ولا في غيرها؛ لأن فعله غير جائز أصلًا، وهو من اتخاذ آيات الله هزوًا، والإثم في ذلك ليس عليه، وعلى قريبتك، ولا عن من زوجهما، بل هو عليك، وعلى من علم بالحال وسكت عليه.

فالواجب عليكم الجهر بالحقيقة، وإصلاح ما أفسده ابن عمك، وعدم التأجيل في ذلك، كما يجب عليكم فصل ذلك الغريب عن قريبتكم، وعدم تمكينه من لقائها، والسكن معها، وعليكم بتحمل تبعات ذلك، وإن شق عليكم ذلك، والسكوت عنه سيولد مشكلات لا حصر لها، وستتداخل الأنساب بعضهما ببعض، وستحدث مفاسد لا حصر لها، لا يسعكم إلا هذا، ولا نفتيكم إلا بهذا الإصلاح لذلك الفساد، ونسأل الله أن يعفو عن ابن عمك، وأن يغفر له فعله، وأن يعينكم على إصلاح ما أفسده.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة