هل يجوز الالتحاق بالجيش الإسباني في ” سبتة ” و ” مليلة “؟

السؤال

في إسبانيا توجد مدينة مسماة ” مليلية “، الموجودة في شمال إفريقيا، والتي كانت تابعة للأندلس مدة من الزمن، نود أن نسأل: هل إذا اعتمدنا على الفتوى التي تقول بجواز عمل المسلم في جيش هذه المدينة – الجيش الإسباني -، علما أن هؤلاء المسلمين ازدادوا فيها، أي: ليسوا مهاجرين، وأن اسبانيا ليست في حرب مع المسلمين، وأن هؤلاء الإخوة يدخلون للجيش فقط بحثًا عن لقمة العيش، وليس لأي سبب آخر بسبب هذا العمل هناك مجموعة في هذه المدينة تقوم بتكفير كل شخص يلج في الجيش، نطلب منكم أن تجيبونا؛ لأننا نود معرفة الحكم الإسلامي، ولا ندري ماذا نفعل؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

مدينتا ” سبتة ” و ” مليلية ” تتبعان ” المغرب ” في الأصل، وهما الآن محتلتان من قبَل ” إسبانيا “، ولهما موقع مميز على البحر المتوسط، وتقابلان الأراضي الإسبانية، ولا تزال إسبانيا ترفض إرجاعهما إلى مملكة المغرب؛ لأنها تعتبرهما أراضٍ إسبانية.

والوجود السكاني فيهما هو وجود إسلامي من حيث الأصل، ولمحاولة طمس ذلك الوجود، واستبداله بآخر من جنس دولتها: رغبت أسبانيا سكانها الأصليين بالتحول لتلك المدينتين، مقبلا إغراءات ماليَّة، ووظيفية، كما رغَّبت المسلمين المغاربة بالحصول على الجنسية الإسبانية؛ لإذابة أولئك المسلمين في ثقافتها، وحضارتها.

ثانيًا:

وهذا الواقع للمسلمين فرض على الدولة الأسبانية تضييق الخناق عليهم في دينهم، وعبادتهم، فمنعت من الجهر بالأذان، ومنعت بناء مساجد جديدة، وحرمت مَن لم يتجنس بجنسيتها مِن حقوق كثيرة، ومِن تنازل عن جنسيته المغربية وحصل على الأسبانية فإنها تعتبره مواطنًا مِن الدرجة الثانية!.

وقد فرضت الحكومة رقابة صارمة على المسلمين هناك، وخاصة من التحق منهم بالجيش، وبالأخص بعد أحداث تفجيرات ” أمريكا “، فلذا لا يستطيع المسلم داخل ذلك الجيش إظهار عاطفته تجاه المسلمين في العالَم، فضلًا عن إظهار ما هو أكبر من ذلك، من النصرة، والدعاء لهم، حتى وصل الأمر إلى أن أوقفت السلطات هناك منتسبًا للجيش اتصل بقناة فضائية مشهورة فقط ليسأل عن الحكم الشرعي في الانخراط بذلك الجيش! مما دفع بعض المنتسبين للجيش من المسلمين لتقديم استقالته، والخروج بكرامته.

ثالثًا:

وإنما قدَّمنا بهذه المقدمة لنقف بالقارئ عامة، والسائل خاصة, على حقيقة الحال، وأن التجنس بتلك الجنسية، والالتحاق بجيش تلك الدولة: ليس فيه إلا الذل والهوان للهوان للمسلم، وليست العبرة بما كانت عليه حال تلك المدينتين، بل العبرة بحالها وواقعها الآن، وهو أنها محكومة من قبَل دولة كافرة.

وهذه الدولة لا تتوانى في نصرة أعداء الإسلام في حربهم على المسلمين، وغزوهم بلادهم، فقد اشترك جيشها في غزو العراق واحتلاله، واشترك في غزو أفغانستان واحتلالها، ومكنت هذه الدولة دولة الاستعمار ” أمريكا ” من اتخاذ أراضيها قاعدة عسكرية لغزو بلاد المسلمين، والتنكيل بهم في سجونها السرية.

ولذلك لا يكون منا بعد هذا إلا القول بحرمة التحاق المسلم بذلك الجيش، والذي يساهم في معركة – مع دول كافرة أخرى – شرسة مع المسلمين في أنحاء العالَم، ولا ينبغي القول إن من يلتحق بذلك الجيش أنه يستطيع التدرب، والاستفادة من خبرته لنصرة المسلمين، وقد سبق بيان واقع الأمر؛ قطعًا للطريق على القائل بمثل هذا، مع توفر دول إسلامية كثيرة تمتلك أسلحة متطورة، وخبرات ميدانية عالية، فلا حاجة للمسلم أن يلتحق بمثل ذلك الجيش لهذه الغاية.

وليُعلم أن من يدخل الجيش الأسباني فإنه سيقسم قسم الولاء للدولة! وسيواليها في حربها وسِلمها، فيحارب معهم، ولو كان المحارَبون من المسلمين، ومن لم يباشر الحرب معهم: فإنه يسد عنهم ثغرة في بلده، فهي إعانة في كل الأحوال.

كما أنه سيقوم بتعظيم رؤسائه من النصارى، وإلقاء التحية عليهم، مع تعظيمه للعلَم الإسباني، ومع حلقه للحيته، وعدم قدرته على القيام بشعائر دينه.

وبعض هذه الأسباب تكفي للقول بحرمة الالتحاق بذلك الجيش، فكيف بها مجتمعة؟! بل بعض هذه الأسباب كانت سببًا لأن يفتي بعض أهل العلم المعاصرين من حرمة الالتحاق بالجيش ولو كانت الدولة مسلمة، فكيف أن تكون كافرة؟!.

* فقد سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز الدخول في أمر يتطلب الدخول فيه حلق اللحية وعدم التمكن من تأدية بعض الصلوات في أوقاتها وطاعة الأوامر العسكرية فيما حرم الله؟.

فأجابوا:

لا يجوز للمسلم أن يدخل في أمر يستلزم هذه الأشياء أو بعضها؛ لأنها معاص لله ورسوله، وإن أجبر بدون اختياره وأدخل بقوة السلطان فالأمر ليس إليه، ونرجو أن يجعل الله له فرجًا ومخرجًا، فهو القائل سبحانه: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } والقائل سبحانه: { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا }. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود ” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 1 / 534 ).

– وإعفاء اللحية واجب شرعي، وحلقها محرم.

* وسئل الشيخ عبد الله الجبرين – حفظه الله -:

هل تجوز المشاركة في الجيش في الغرب لتعلم المبادئ الحربية، أو المشاركة في المنظمات العسكرية في الغرب، لكي أصبح عسكريًّا قويًّا، ونيتي هي: التهيؤ للجهاد؟ لأنني سمعت بأنه لا يجوز لي أن أشارك في الجيش في الغرب، والسبب: أنه لا يجوز تكثير عددهم، لذلك فأنا أريد الدليل من القرآن والسُّنة، ومِنْ فَهْمِ السلف على جواز المشاركة في الجيش في بلاد الغرب للتحضير للجهاد أم لا؟.

فأجاب:

لا يجوز التدرب في بلاد الكُفَّار إلا عند الحاجة، فإذا لم تتوفر المعلومات التي يحتاج إليها الجنود – في التدرب، وتعلم المبادئ الحربية – في البلاد الإسلامية: جاز أن يُتَدَرَّبَ عليها في بلاد الغرب أو الشرق، أما إذا وُجدت في البلاد الإسلامية: فإنه لا يجوز؛ لما فيه من تكثير عدد الكُفَّار؛ لأن الله تعالى حرَّم البقاء مع الكُفَّار، وفرض على المُسلمين الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، كما قال تعالى: ( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيرًا وَسَعَةً) النساء/ من الآية 100، وقال الله تعالى: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ) العنكبوت/ من الآية 56، وتوعد الله الذين لم يخرجوا من بلاد الكُفر، وقُتلوا بأيدي المُسلمين، بالعذاب في قوله: ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ) النساء/ من الآية 97، ولَكَنَّ الله عذر المُستضعفين الذين لا يجدون حِيلَةً ولا يهتدون سبيلًا.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لاَ تَنْقَطِع الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ )، وإذا كان كذلك: فقد ذكر العلماء أنه لا يجوز البقاء في بلاد الكُفَّار، ولا السفر إليها إلا إذا كان قادراً على إظهار دينه، وآمنًا من الفتن، وسالمًا من الجهل، ونَقْصِ الدين، وكان هناك حاجة تحمله على البقاء هناك، كالتدرب، والتعلم، وفي هذه الأزمنة تُوجد أماكن لتعلم المبادئ الحربية في بلاد الإسلام، ويُسْتَغْنَى بذلك عن التعلم في بلاد الغرب، والله أعلم. انتهى من موقع الشيخ، والفتوى رقمها: ( 3598 ).

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=3598&parent=3096

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة