وقفات نقدية مع كتاب ” تحرير المرأة في عصر الرسالة ” لعبد الحليم أبو شُقَّة
السؤال
لقد استعرت من مسجد مدينتنا كتابًا بعنوان ” تحرير المرأة في عصر الرسالة ” للكاتب عبد الحليم أبو شقة، والكتاب على أجزاء، عندي حاليّاً الجزء الثالث، والخامس، وهو عبارة عن حوارات مع المعارضين لمشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية، وبصراحة أنا لم أنتهِ بعدُ من قراءة الجزأين اللذين معي، ولكني أجد ما قرأت إلى هذه اللحظة ما يقنعني جدّا في أهمية مشاركة المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية. فما رأي حضراتكم بهذا الكتاب؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
مؤلف كتاب ” تحرير المرأة في عصر الرسالة ” هو أحد شيوخ الأزهر، وقد ولد في القاهرة عام 1924 م، وتوفي عام 1995 م، واسمه ” عبد الحليم أبو شُقَّة “.
وقد أقيم في القاهرة مؤتمر بعنوان ” تحرير المرأة في الإسلام “، وذلك يوم السبت 22 / 2 / 2003 م من قبَل ” اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل “، بالتعاون مع ” دار القلم ” – القائمة على طباعة الكتاب – مؤتمراً تحت عنوان ” تحرير المرأة في الإسلام ” للإشادة بكتاب أبي شُقَّة، ونشر أفكاره، والثناء على جهوده! في تحرير المرأة!.
وإذا عُلم أن الذين قدَّموا للكتاب هما: القرضاوي، والغزالي: عُلم ما يمكن أن يحتويه هذا الكتاب من التمييع في مسائل الشرع، ولا عجب أن يكون ” محمد عمارة ” من المشاركين في المؤتمر، والمثنين على الكتاب، حتى إنه دعا شيخَ الأزهر لطباعة الكتاب طبعة شعبية لتيسير حصول أكبر قدر من الناس على الكتاب، فاستجاب شيخ الأزهر الذي كان حاضرًا في المؤتمر، فساق بشرى! للناس بتبني الأزهر لطباعة الكتاب طبعة شعبية لتيسر للناس شراءه والاستفادة منه.
وفي هذا المؤتمر تحدث أحمد كمال أبو المجد عن علاقته الوطيدة بأبي شُقَّة، وأخبر الناس أنه كان لا يرى جواز المعازف، حتى كان بعد سنوات أن اتصل أبو شقَّة على الدكتور أحمد كمال ليمده بآلات موسيقية! فالله المستعان.
ثانيًا:
والكتاب أراد مؤلفه بيان دلالة السنَّة النبوية على خروج النساء من بيوتهن، ومشاركتهن للرجال في الأماكن العامة، والمشاركة في التنظيمات، والأحزاب، ولم يخل ذلك من محاربة التستر الكامل للمرأة، والطعن في الأحكام التي تدعو للعفاف والبعد عن مواضع الريبة والفتنة.
* وللشيخ سليمان الخراشي وفقه رد على كتاب أبي شقَّة، وسننقل بواسطته بعض المواضع السيئة، والتي لا يحتاج كثير منها لتعليق:
- يقول أبو شقة ( 2 / 16 ): ” إن لقاء النساء والرجال بآدابه الشرعية! هو ما يمكن أن نطلق عليه حسب التعبير الشائع الآن ” الاختلاط المشروع “، وهو ظاهرة صحية”!!.
- في ( 2 / 347 ) اختار أبو شقة للمرأة أن تكون عاملة نظافة!! محتجًا بحديث المرأة السوداء التي كانت تنظف مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم!.
- وفي ( 2 / 348 ) اختار للنساء أن يعملن ” مضيفات “!.
- واختار للنساء أن تستقبل إحداهن في بيتها ” العمال الذين يقدمون لإصلاح، أو صيانة بعض أدوات المنـزل “، كما في ( 2 / 70 ).
- ومن أعجب اختيارات الرجل: اختياره في ( 2 / 258 ) جواز أن تفلي المرأة رأس الضيف!!! واسمع قوله – متعجبًا- ” إن هذا المستوى من الرعاية الحانية! وما يتخلله من قرب! ولمس للبدن مشروع! ما دامت الفتنة مأمونة، ولا تؤمن الفتنة هنا عادة إلا في حالات خاصة، كما هو واضح من النصوص، وهذه الحالات تندرج تحت ظاهرة اجتماعية مشهودة تعين على أمن الفتنة وتشجع على قبول هذا المستوى من الرعاية الحانية! هذه الظاهرة تشير إلى أن طول العشرة بين المسلمين الصالحين تولد في نفوس المتعاشرين مشاعر خاصة نبيلة تَضْمُرُ معها الشهوة، وما كان لهذه المشاعر أن تولد لولا طول العشرة … ومع هذه المشاعر تخف الشهوة الفطرية نحو الجنس الآخر حتى تكاد أن تنمحي “.
- ولكي يهون أبو شقة معصية ” الاختلاط “، ولكي يشجع المرأة ويغريها على ملاقاة الرجال: قال – وبئس ما قال – ( 3 / 21 ) : ” نحب أيضاً أن نلفت الانتباه إلى أهمية دور الإلف والعادة في الصلات الاجتماعية؛ فإن الإلف يعين على تخفيف الحساسية عند رؤية الجنس الآخر، وذلك مما يجعل الأمر هيِّناً نوعًا عند الطرفين، فالمرأة إذا لم تتعود وتألف لقاء الرجال: فلابد أنها تشعر بحساسية وحرج بالغ إذا دعت الحاجة إلى لقاء الرجال، وسيشعر بالحرج أيضًا زوجها، أو أبوها، أو أخوها، وعندها يفضل الجميع – دفعًا للحرج – التضحية بالحاجة، وما وراءها من خير، مهما كانت أهمية تلك الحاجة، ومهما كان قدر الخير الذي وراءها، سواء للمرأة، أو للمجتمع، وكذلك الحال مع الرجال، فالذي تعود منهم وألف لقاء النساء والاجتماع بهن عند الحاجة بين حين وآخر: لن يحس في دخيلة نفسه ما يمكن أن يحسه رجل آخر لم يألف ذلك ثم دعته الحاجة إلى لقاء النساء “.
ومن أبلغ ما فيه رد على هذا الهراء: ما قاله ابن القيم رحمه الله حيث قال:
* قال ابن القيم:
ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء، في الأسواق، والفرج ومجامع الرجال، قال مالك رحمه الله ورضي عنه: ” أرى للأمام أن يتقدم إلى الصياغ في قعود النساء إليهم، وأرى ألا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصياغ فأما المرأة المتجالة والخادم الدون التي لا تتهم على القعود ولا يتهم من تقعد عنده : فإني لا أرى بذلك بأسا ” انتهى.
فالإمام مسئول عن ذلك، والفتنة به عظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء )، وفي حديث آخر ( باعدوا بين الرجال والنساء )، وفي حديث آخر أنه قال للنساء: ( لكن حافات الطريق ) ….
وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه النساء من المشي في طريق الرجال، والاختلاط بهم في الطريق.
فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك ….
ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بليَّة وشرّ، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة، والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة ….
فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات، متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدِّين: لكانوا أشد شيء منعًا لذلك.
” الطرق الحكمية ” ( ص 406 – 408 ).
فقارني – أختنا السائلة – بين كلام أهل السنَّة وبين كلام غيرهم؛ لتقفي على الصواب، وأن من دعا إلى اختلاط النساء بالرجال فهو داعٍ لفتنة، وموتٍ عام.
- اعترف أبو شقة على استحياء بأن لقاء المرأة بالرجال قد يحدث ميلًا للجنس الآخر لا مفك من ذلك، ولكنه هوّن من هذا الأمر، وعدَّه أمرًا فطريًّا لا حرج منه! يقول أبو شقة في ( 3 / 54 ): ” إن قدرًا من الميل والأنس والاستراحة للحديث والكلام يحدث عادة بصورة عفوية نتيجة لقاء الرجل المرأة، أي: أنه يحدث دون قصد؛ لأنه أمر فطري ابتلى الله به بني الإنسان، فإذا لم يسترسل كل منهما في مشاعر الميل والأنس، وشغلهما الأمر الجاد الذي التقيا من أجله: عندئذ فلا حرج على المؤمن والمؤمنة، ولكن عليهما ضبط مشاعرهما، وتوجيه اهتمامهما إلى تحقيق الهدف من المشاركة واللقاء “!!.
- ويقول أبو شقة في ( 3 / 203 ) بأن المسرفين! ” ألزموا المرأة بستر وجهها دائمًا، وفي ذلك تضييق على ما منحها الله من قوة الإبصار! وتضييق حريتها في تنفس الهواء! “.
وقد أقرَّ في ( 4 / 295 ) بأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من الواجب عليهن تغطية وجوههن، وهو إجماع، فيلزمه على هذا أن يقول بأن الله قد ” ضيَّق عليهن قوة الإبصار التي منحهن وتنفس الهواء! .
- وليت الأمر عنده وصل إلى الأقارب المحارم، بل تعداه إلى الأجانب، ويريد كشف وجوه النساء لتتعرف المرأة على الأجانب، ويتعرفون عليها، وتودعهم في المطار عند السفر ويستقبلونها فيه! فيقول في ( 4 / 152 ): ” كشف الوجه يعين على تعارف الأقارب وذوي الأرحام وتواصلهم: فيتعرف الشاب على بنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات، وتتعرف الفتاة على أبناء أعمامها وعماتها وأخوالها وخالاتها، وأيضًا: يتعرف الشاب على زوجات الأعمام والأخوال، وتتعرف الفتاة على أزواج العمات والخالات، وكذلك يتعرف الرجل على أخوات زوجته, وتتعرف المرأة على إخوة زوجها.
أما إذا عمَّ ستر الوجه، وتبعه الاحتجاب من كل الرجال غير المحارم: فكيف يتواصل، ويتواد الأقارب وذوو الأرحام؟ كيف يعود بعضهم بعضًا عند المرض؟ كيف يودع بعضهم بعضًا أو يستقبل بعضهم بعضًا عند السفر؟ هل يذهب الرجل ليصل ابنة عمه أو خاله المتزوجة فيلقى زوجها ويجالسه ويتبادل معه المشاعر النبيلة ولا يلقى ابنة خاله وهي المقصودة بالزيارة، والصلة والمودة؟! “.
انتهى – مختصرًا ومهذَّبا وبإضافات يسيرة – من رد الشيخ سليمان الخراشي، وتجدين الكتاب هنا:
http://www.saaid.net/book/open.php?cat=88&book=577
ثالثًا:
فأين ما في هذا الكتاب السيئ من إقناع في مشاركة المرأة في الجوانب الاجتماعية؟! هل يكون في تفلية شعر ابن العم إذا جاء للزيارة؟ أم تفلية شعر زميل العمل إذا عاد من السفر وكان متعبًا؟! وهل المناظر المقرفة في المطارات للمحجبات فضلا عن غيرهن هي لائقة بالمسلمة العفيفة حيث المصافحة والتزين والتقبيل بشوق وحرارة؟! إن هذا الكتاب السيئ بنسبته ذلك الفحش والضلال لدين الله تعالى قد ارتكب كاتبه والمقدمون والمطبلون له إثمًا عظيمًا، وهو داخل في سلسلة الكيد للمرأة المسلمة لنزع حيائها، وكشف سترها، وهتك عفافها، بخلطتها مع الرجال الأجانب, وليت الأمر وقف عند الأقارب بل تعداه إلى عمال الصيانة الذين يدخلون البيوت، وتعداه إلى المسافرين في الطائرات، حيث ستكون المرأة مضيفة، كما يفتي لها أبو شقة وزمرته! بل وعاملة نظافة في الشارع تقم القاذورات، وتضعها في الحاويات، وهذه قيمة المرأة عند هؤلاء المميعين، يريدونها مضيفة، وعاملة نظافة، وممثلة، وسائقة، ومغنية، يتحرش بها أسافل الناس، ويخدشون حياءها بالكلمات الجارحة، وكل ذلك ليرضى عنهم الغرب الكافر الملحد الذي نزع كل فضيلة، وهتك كل حياء، ولوَّث كل فطرة سليمة، والعلماء الأجلاء الذين انطلقوا في فتاواهم من النصوص الشرعية، والقواعد الكلية، ولم يهملوا ما في زماننا هذا من فساد حتى وصل إلى هتك أعراض المحارم!: إنما أفتوا بما يوافق الشرع ، وفيه أعظم المصلحة للمرأة نفسها، ولأهلها، والشرع إنما جعل – في الأصل – المرأة بمثابة الملكة، ينفق عليها زوجها، ولو كانت غنية، وتقوم في بيتها بأجلِّ الأعمال وأعمها شأنًا، وإنما انطلق أولئك من الانهزامية في قلوبهم، ومن البحث عما يرضي الغرب، والحمد لله أن كشف الله عوارهم، وها هم الغرب قد سخطوا عليهم، فمنعوهم من دخول بلادهم! وطردوهم منها شر طردة، بحثوا عن رضاهم في سخط الله، فسخط الله عليهم، وأسخط عليهم الناس، وهذا مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَن التَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنْ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ الله سَخِطَ الله عَلَيْهِ وَأَسْخََطَ عَلَيْهِ النَّاسَ ). رواه ابن حبان في صحيحه ( 1 / 501 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2311 ).
فالواجب التحذير من الكتاب المشار إليه، وعدم ترويجه، وتنبيه الآباء من إدخاله في بيوتهم؛ فهو كتاب فتنة، يجرأ البنت على أهلها، والمرأة على زوجها، ولا يعلم إلا الله كم يجر مثل هذا من الفساد إلى بيوت الناس، والحمد لله أنه قطع رأس هذا الكتاب، فلا يكاد يُعرف بين عامة الناس، ومن قرأه من أصحاب الصلاح والعفاف لم يرض ما فيه لابنته، ولا لامرأته، وبقي صرخات أولئك الكتبة والمروجين له في وادٍ، ولم ينفعهم شهرة المقدِّمين له، ولا منزلة المروجين.
وفي موقعنا – بفضل الله – فتاوى متعددة في حرمة الاختلاط, وبيان مفاسده، وتحذير عقلاء الغرب منه، واعترافات كثيرات بما تعرضن له بسببه، وفيه فتاوى متعددة في حرمة النظر إلى الأجنبيات، وبيان مفاسد النظر المحرم، وبينا في فتاوى أخرى وجوب تغطية المرأة وجهها عن الأجانب، وغير ذلك، ما فيه نقض، وهدم لكل ما في كتاب أبي شقة من سوء، وتركنا نقله خشية الإطالة، ونحيلك على بعض تلك الفتاوى.
والله أعلم.



لقد وقع الكتاب بين يدي (جزء١+٢) ومن عنوانه انقبض صدري منه ، ومع ذلك قلت سأرى وسأحكم
وجدت في صفخة واحدة أحاديث ام حكيم وام حزام وهم من اخواله ﷺ وقد أورد الكاتب الأحاديث الصحيحة دون أن يشرح أو يعطي تفسير للقارئ الموقف العام او صلة القرابة
بارك الله فيكم.