هل يجب على من لم يجد مكانًا في ” مِنى ” أن يبيت بقربها متصلًا بها؟

السؤال

أسأل: هل يجوز أن تكون خيامنا في ” العزيزية “؟ وهل يجب علينا قضاء جزء من الليل في ” منى “، مع العلم بأنهم يمنعون ذلك لتنظيم الفوضى؟ ولو كان غير جائز هل إذا كانت خيامنا في المزدلفة هل يلزم قضاء جزء من الليل في ” منى”؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

ذهب جمهور العلماء إلى أن المبيت بـ ” مِنى ” ليالي التشريق واجب على الحاج، وهذا القول هو الصحيح، خلافًا لمن قال بسنيته، كالحنفية.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 39 / 58 ):

ذهب جمهور الفقهاء، ومنهم المالكية، والشافعية، والحنابلة، وعروة، وإبراهيم، وعطاء: إلى وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.

ويلزم الفداء لمن تركه بغير عذر. انتهى.

* ومن أدلة الجمهور على الوجوب:

  1. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْر، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ” مِنًى ” فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةِ، فَيُطِيلُ الْقِيَامَ، وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. رواه أبو داود ( 1973 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” إلا لفظة ” حين صلى الظهر ” فهي منكرة؛ لأن الثابت أنه صلى الله عليه وسلم أفاض في ” الضحى “.
  2. وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. رواه البخاري ( 1658 ) ومسلم ( 1315 ).

ثانيًا:

ويحصل المبيت بمنى إذا مكث فيها الحاج معظم الليل، وهو ما كان أكثر من نصفه، على الراجح من أقوال العلماء:

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل. ” فتح الباري ” ( 3 / 579 ) .

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إذا بقي في ” منى ” أكثر الليل: فقد أدى الواجب، سواءً من أول الليل، أو من آخره، فمثلًا: لو بقي في ” منى ” حتى انتصف الليل: فله أن يغادر، وإذا أراد أن يغادر في آخر الليل: لابد أن يغادر قبل منتصف الليل، الحاصل: أن الواجب أن يبيت بـ ” منى ” معظم الليل. ” لقاء الباب المفتوح ” ( 229 / جواب السؤال رقم 17 ).

ثالثًا:

والمبيت في ” منى ” ملزم من حيث البقعة، وعليه: فمن بات في ” مزدلفة “، أو في ” العزيزية “: لم يجزأه المبيت، وهو آثم، وعليه الفدية عند جمهور أهل العلم، وأما من لم يجد مكانًا في ” منى ” يبيت به، وبذل جهده للحصول على مكان فيها وعجز، أو كانت الأجرة باهظة وليس في مقدوره دفعها: فيسقط عنه المبيت في ” منى “؛ للعجز، والله تعالى يقول: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) البقرة/ من الآية 286.

وهل مثل هذا يجب عليه المبيت ملاصقًا لخيام ” منى ” ، كمزدلفة – مثلًا -، أو يقال: سقط عنه المبيت في ” منى ” فيجوز له السكن في مزدلفة، أو العزيزية، أو حيث شاء؟ فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من جعل له حكم المسجد إذا امتلأ، فيصلي خلف الصفوف في الشارع، وهو قول الشيخ العثيمين، ومن العلماء من لم يلزمه بذلك، بل خيَّره بالسكنى حيث يتيسر له، وهو قول علماء اللجنة الدائمة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ومن الأخطاء أيضًا: أن بعض الناس إذا بحث ولم يجد مكانًا في ” منى “: نزل إلى مكة، أو إلى العزيزية، وبقي هنالك، والواجب إذا لم يجد مكانًا في ” منى “: أن ينزل عند آخر خيمة من خيام الحجاج؛ ليبقى الحجيج كلهم في مكان واحد، متصلًا بعضه ببعض؛ كما نقول فيما لو امتلأ المسجد بالمصلين، فإنه يصلي مع الجماعة حيث تتصل الصفوف، ولو كان خارج المسجد. ” فقه العبادات ” ( ص 392 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

لا حرج على مَن نزل في ” العزيزية “، و ” مزدلفة “، أو غيرهما من الأراضي الخارجة عن ” منى ” إذا لم يجد منزلاً في ” منى ” أيام الحج، ومَن غربت عليه الشمس منكم في اليوم الثاني عشر ممن كان في ” العزيزية “، أو شبهها: فليس عليه البقاء في منزله إلى اليوم الثالث عشر، كما أنه ليس عليكم الرمي في الثالث عشر. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 272 ).

* ونرى أن القول الثاني هو الأرجح، وأنه من لم يجد مكاناً للمبيت فيه في ” منى “: فليس عليه جناح أن يسكن حيث يتيسر له، ولا فدية عليه، ومن استطاع الذهاب إلى ” منى ” للمكث فيها أكثر الليل دون أن يعرِّض نفسه للخطر، والمهانة: فلم يفعل: أنه آثم؛ لتركه واجبًا، وعليه التوبة، وفدية عند جمهور العلماء، وهي التخيير بين ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين، كلاهما في مكة، أو صيام ثلاثة أيام حيث شاء.

* وفي شرح الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله لكتاب الحج من ” بلوغ المرام ” ( 13 ):

سائل:

قول بعض المشايخ: إذا لم يجد مكاناً بـ ” منى ” يجلس حيث انتهت الخيام قياسًا على اتصال الصفوف في المسجد، هل هو وجيه؟.

الشيخ:

ليس له أصل، إن وجد مكانًا وإلا في أي مكان، ( فاتقوا الله ما استطعتم )، حتى لو في ” العزيزية “، أو ” مزدلفة “، يجلس، ولا فدية عليه.

سائل آخر:

المكان الذي يجلس فيه، هل يكون على الأرصفة، أو في السيارة؟.

الشيخ:

لا يجلس في مكان خطر، إن تيسر مكان مناسب، وإلا يخرج.

انتهى.

رابعًا:

ويجب على الحاج أن يبذل جهده في البحث عن مكان يبيت فيه في مشعر ” منى “، ولا يحل له التساهل في البحث، فإن لم يجد مكانًا فيها: كان من المعذورين.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ومِن الأشياء التي يُخل بها بعض الحجاج في الإقامة بـ ” منى “، بل التي يخطئ فيها: أن بعضهم لا يهتم بوجود مكان في ” منى “، فتجده إذا دخل في الخطوط، ووجد ما حول الخطوط ممتلئًا قال: إنه ليس في ” منى ” مكان، ثم ذهب، ونزل في خارج ” منى “، والواجب عليه: أن يبحث بحثًا تامًّا فيما حول الخطوط، وما كان داخلها، لعله يجد مكانًا يبقى فيه، أو يمكث فيه أيام ” منى “؛ لأن البقاء في ” منى ” واجب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لتأخذوا عني مناسككم ) – رواه مسلم -، وقد أقام صلى الله عليه وسلم في منى، ورخَّص للعباس بن عبد المطلب من أجل سقايته أن يبيت في مكة ليسقي الحجاج – متفق عليه -.

” فقه العبادات ” ( ص 391، 392 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة