حكم تهنئة غير المسلمين في مناسبات غير دينية

السؤال

قرأت الفتاوى المتعلقة بعدم جواز مشاركة غير المسلمين في احتفالاتهم، ولكنني أريد أن أعرف ما حكم الاحتفال معهم في مناسبة مدرسية أو جامعية؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية مما لا يجب أن يُختلف في حرمته، على الأقل الأحوال، وقد سبق لنا في فتاوى متعددة بيان ذلك، والتحذير منه.

ثانيًا:

وأما مناسباتهم الشخصية الخاصة، كزواج، أو نجاح في مدرسة، أو تعيين في وظيفة، أو شفاء من مرض، أو إنجاب ولد، أو قدم من سفر، ونحوه: فهذا مما اختلف فيه العلماء إلى أقوال ثلاثة – وهي أقوال ثلاثة عن الإمام أحمد -: فمنهم من رأى الجواز، ومنهم من منع، ومنهم من أجاز بشرط وجود مصلحة شرعية، كتأليف قلوبهم للإسلام، أو دعوتهم إلى الدين، وهذا أرجح الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

* قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

وتحرم العيادة، والتهنئة، والتعزية لهم, كالتصدير، والقيام, وكمبتدع يجب هجره، وعنه- أي: عن الإمام أحمد -: يجوز، وعنه: لمصلحة راجحة, كرجاء إسلام, اختاره شيخنا – أي: ابن تيمية –  ومعناه اختيار الآجري, وأنه قول العلماء: يُعاد، ويعرض عليه الإسلام، نقل أبو داود: إن كان يريد يدعوه إلى للإسلام: فنعم.

” الفروع و تصحيح الفروع ” ( 10 / 334 ).

* على أننا ننبه إلى شروط أخرى يجب توفرها حتى يقال بالجواز، ومنها:

  1. خلو بيئة التهنئة والزيارة من المنكرات، كالاختلاط، والمعازف، والأطعمة والأشربة المحرمة، فاحتفالات المسلمين غالبًا – وللأسف – لا تخلو من منكرات، فالحكم نفسه لاحتفالات غير المسلمين إن احتوت على منكرات.
  2. أن تخلو عبارات التهنئة من مخالفات شرعية، كابتدائه بالسلام، أو الدعاء له بالعز والبقاء.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فصل في تهنئتهم بزوجة، أو ولد، أو قدوم غائب، أو عافية، أو سلامة من مكروه، ونحو ذلك، وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرة، ومنعها أخرى ، والكلام فيها كالكلام في التعزية، والعيادة، ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم ” متَّعك الله بدينك “، أو ” نيَّحك فيه ” – أي: قوَّاك فيه -، أو يقول له: ” أعزك الله “، أو ” أكرمك “، إلا أن يقول ” أكرمك الله بالإسلام، وأعزك به “، ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة.  ” أحكام أهل الذمة ”  ( 1 / 441 ).

  1. أن لا يهنَّأ ذلك الكافر – ولا المسلم كذلك – إن كان رجوعه من سفر معصية، أو حرب على المسلمين، أو لتولي وظيفة محرمة، كعمل في بنك، أو قضاء بين الناس بخلاف الشرع.

* قال ابن القيم -رحمه الله -:

فمن هنَّأ عبداً بمعصية، أو بدعة، أو كفر: فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء، والتدريس، والإفتاء؛ تجنباً لمقت الله، وسقوطهم من عينه، وإن بُلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعا لشرٍّ يتوقعه منهم، فمشى إليهم، ولم يقل إلا خيرًا، ودعا لهم بالتوفيق، والتسديد: فلا بأس بذلك. ” أحكام أهل الذمة ” ( 1 / 441، 442 ).

*قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وهو ممن يميل للمنع بالكلية -:

لا يجوز الذهاب إلى أحد من الكفار عند قدومه للتهنئة بوصوله، والسلام عليه؛ لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ( لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام). ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 47 ).

  1. تجنب تهنئة رؤوس الكفر كالقساوسة، والأحبار، وزعماء الكفر؛ لقطع الطمع في إسلامهم، ولما في تهنئتهم ومشاركتهم من عزٍّ لهم، وذل للمسلم، إلا أن يُطمع بأحد بعينه: فيجوز، كما في عيادة النبي صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبي طالب.

*قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وسئل عن تهنئة ” قس ” بوصوله -:

وأما ذهاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لليهودي الذي كان مريضًا: فإن هذا اليهودي كان غلامًا يخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلمَّا مرض عاده النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليعرض عليه الإسلام، فعرَضه عليه، فأسلم، فأين هذا الذي يعوده ليعرض عليه الإسلام من شخص زار قسّاً ليهنئه بسلامة الوصول، ويرفع من معنويته؟! لا يمكن أن يقيس هذا على ذاك إلا جاهل، أو صاحب هوى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 47 ).

فالقول بالمنع من مشاركة الكفار في مناسباتهم الشخصية هو الأحوط، والجواز بشروط هو الأرجح دليلًا، وتعليلًا.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة