هل يجوز الاقتباس من القرآن في الشعر عامة، وفي الأناشيد خاصة؟

السؤال

ما حكم الأناشيد التي يكون فيها قصة دينية ولكنها تكون على شكل أناشيد، وفيها أحيانًا كلمات من القرآن الكريم؟.

هذه الأناشيد الموجودة حاليًّا بالأسواق، ولكم جزيل الشكر.

الجواب

الحمد لله

أولا:

الأناشيد هي كلام ملحَّن، وفيه الغث والسمين، وفيه الطيب والخبيث، وهو وإن كان في الأصل جائزًا لكن قد طرأ عليه ما أفسده، من الانشغال به أكثر الوقت، ومن تأثيره على قلة أو انعدام حفظ القرآن وحفظ المتون، ومن التشبه بالفسَّاق في اللباس، والهيئات، والألحان، ومن التكسر والتغنج في الألفاظ، وغير ذلك من المفسدات.

وعليه: فما كان من الأناشيد جادًّا، يحتوي على كلمات لها هدف سامٍ، وما كان يسمع منه بقدر معيَّن من غير إفراط، وكان يخلو من المعازف، كالدفوف والطبول: فنرجو أن يكون جائزًا.

وللوقوف على الضوابط الشرعية للنشيد المباح، وللوقوف على المفاسد التي وُجدت في أناشيد زماننا هذا: نرجو الاطلاع على أجوبتنا الأخرى.

ثانيًا:

وأما بخصوص اقتباس كلمات من القرآن الكريم لوضعها في تلك الأناشيد: فهو داخل في حكم الاقتباس من القرآن في الشِّعر، وقد اختلف العلماء في أصل الاقتباس من القرآن، فالجمهور على الجواز، ومنهم من منع منه مطلقًا، وذهبت طائفة من العلماء إلى المنع من الاقتباس في الشعر، دون النثر.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 17 ):

يرى جمهور الفقهاء جواز الاقتباس في الجملة، إذا كان لمقاصد لا تخرج عن المقاصد الشرعية، تحسيناً للكلام، أما إن كان كلامًا فاسدًا: فلا يجوز الاقتباس فيه من القرآن، وذلك ككلام المبتدعة، وأهل المجون والفحش.  انتهى

* وفيها – أيضًا – ( 6 / 18 ):

وقد اشتهر عند المالكية تحريمه – أي: الاقتباس -، وتشديد النكير على فاعله، لكن منهم من فرَّق بين الشِّعر فكره الاقتباس فيه، وبين النثر فأجازه، وممن استعمله في النثر من المالكية: القاضي عياض، وابن دقيق العيد، وقد استعمله فقهاء الحنفية في كتبهم الفقهية.  انتهى.

وهذا هو الأليق بمذهب المالكية، وهو عدم المنع من الاقتباس من القرآن في النثر، وإنما المنع عند بعضهم – الكراهة أو التحريم – هو في الشِّعر، لا في النثر، وقد نقل السيوطي رحمه الله الإجماع على جواز الاقتباس في النثر، فقال:

ولا أعلم بين المسلمين خلافًا في جوازه في النثر، في غير المجون، والخلاعة، وهزل الفساق، وشربة الخمر، واللاطة، ونحو ذلك.

وقد نصَّ على جوازه: أئمة مذهبنا بأسرهم، واستعملوه في الخطب، والرسائل، والمقامات، وسائر أنواع الإنشاء، ونقلوا استعماله عن أبي بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، وأوردوا فيه عدة أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعمله.

” تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ” ( 1 / 312 ).

ولذا فالراجح عندنا: جاوز الاقتباس من القرآن، إذا كان لغرض صحيح، دون ما يُقصد به المزاح والسخرية، ويستعمل في البدعة والمجمون، ويشمل هذا الاقتباس ما كان في النثر، أو الشعر.

وعليه: فالاقتباس من القرآن للنشيد جائز، بشرط أن يكون نشيدًا مباحًا، جادًّا.

وللدكتور عبد المحسن العسكر – حفظه الله – دراسة موسعة في الاقتباس، وقد أسماها ” الاقتباس، أنواعه، وأحكامه، دراسة شرعية، بلاغية “، وبعد أن عرض الخلاف في الاقتباس من القرآن في الشعر قال – ( ص 66 ) -:

والحق الذي يجب المصير إليه: ما ذهب إليه الأكثرون، من جواز الاقتباس في النظم؛ لعدم الدليل المانع من ذلك، ثم إن القول بمنع الاقتباس في الشعر: موجب للتفريق بين النثر، والشعر، وهما سواء، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: ” الشِّعر كلام، حسَنُه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام “. انتهى.

وقد بيَّن – حفظه الله – بعض الوجوه مما لا يجوز الاقتباس من القرآن فيها، لا شعرًا، ولا نثرًا، ومنها:

  1. ما أضافه الله إلى نفسه مما تكلم به سبحانه وتعالى، مثل ( إني أنا ربك فاخلع نعليك ).
  2. ما أقسم الله به من مخلوقاته، كما في قول بعضهم:

” والتين والزيتون … وطور سينين … وهذا البلد المحزون ” .

  1. ما خوطب به الرب جل وعلا، كما وقع في كتابٍ لعبد الرحمن المرشدي إلى القضاة، جاء فيه: ” يا أعدل قاضٍ به عماد الدين, آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين “.
  2. ما يتبادر إلى السامع أنه من القرآن، مع تغيير بعض الكلمات، كقول أحدهم:

” والنجم إذا هوى … ما ضل يراعك وما غوى … علَّمه شديد القوى , ذو مرة فاستوى “.

  1. ومنه ما يعد محاكاة للقرآن واستعمالا له في غير معناه، كقول النبيه يمدح القاضي الفاضل:

” لا تسمِّه وعداً بغير نوال … إنه كان وعده مفعولًا “.

انتهى باختصار، من ” الاقتباس، أنواعه، وأحكامه ” للعسكر ( 74 – 76 ).

وقد ذكرنا في جواب سابق جواز الاقتباس من الحديث النبوي.

* والخلاصة:

لا فرق – على الصحيح – بين الشِّعر والنثر، ولا بين الاقتباس من القرآن والسنَّة، والمهم في كل ذلك: الالتزام بكون الكلام ليس تأييدًا لبدعة، ولا دعوة لمجون، وأن يكون النشيد خاليًا مما يفسده – مما سبق ذِكره، والإحالة عليه في أول الجواب -.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة