ما حكم قراءة الإمام في الصلوات الجهرية من أول القرآن إلى آخره بالترتيب؟

السؤال

ما حكم قراءة القرآن مرتبا في الصلوات الجهرية لختم القرآن، بحيث يبدأ بقراءة أول البقرة، ثم يكمل من الموضع الذي وقف عنده في الصلاة التي بعدها، وهكذا، ويختم القرآن في الصلوات الجهرية كل ستة أشهر، فهل هذا العمل جائز؟ وإن كان جائزًا: فما هو الأفضل في حق الإمام فعل ذلك أم الاقتصار على ما ورد في السنَّة؟. وفقكم الله لكل خير، وسدد خطاكم.

الجواب

الحمد لله

قراءة القرآن في الفريضة على ترتيب المصحف من ” البقرة ” إلى ” الناس “: جائز مع الكراهة، والأفضل الاقتصار على ما ورد في السنَّة، من عدم فعل ذلك – إلا في التراويح – وقراءة سورة في الركعتين بعد الفاتحة، أو قراءة سورة في كل ركعة، ولو قرأ الإمام من أوائل السورة، أو أواسطها، أو أواخرها: جاز.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

اختلف قوله في قراءة القرآن الكريم في الفرائض على التأليف على سبيل الدرس، فروى عنه ابنه عبد الله: أنه قال: سألت أبي عن الرجل يقرأ القرآن كله في الصلاة الفريضة: قال: لا أعلم أحداً فعل هذا، وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يقرأ بعض القرآن سورًا على التأليف.

وروى عنه حرب في الرجل يقرأ على التأليف في الصلاة، اليوم سورة الرعد، وغدًا التي تليها، ونحو ذلك: قال: ليس في هذا شيء، إلا أنه يروى عن عثمان أنه فعل ذلك في ” المفصَّل ” وحدها.

وروى عنه مهنا أنه رخص أن يقرأ في الفرائض حيث ينتهي.

سالم بن قتيبة عن سهل بن أبي حذيفة عن ثابت عن أنس قال: ” كانوا يقرؤون في الفريضة من أول القرآن إلى آخره “، وروى المروزي أن أحمد سئل عن حديث أنس هذا فقال: هذا حديث منكر. ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 605 ).

ومن فهم عن الإمام أحمد رحمه الله من قوله ” ليس في هذا شيء “: الجواز وعدم الكراهة: فلا نراه مصيبًا؛ لأن الإمام أحمد رحمه الله يريد به: ليس فيه شيء ثابت في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قوله بعدها ” إلا أنه يروى عن عثمان “، فواضح أنه أراد عدم ثبوت هذا الفعل في السنة، ثم استدرك بالنقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه من فعل ذلك في ” المفصَّل ” – من سورة ” ق ” إلى ” الناس ” -، والتصريح بمعنى العبارة جاء موضَّحًا في نقل ابنه عبد الله عنه، حيث قال: ” لا أعلم أحدًا فعل هذا “، وقد فهم بعض الحنابلة من الجملة الأولى من نقل ” حرب ” عنه عدم الكراهة، فنصوا عليها في كتبهم، ومنهم صاحب ” كشاف القناع ” الشيخ منصور البهوتي رحمه الله، حيث قال:

و ( لا ) تكره ( قراءة ) القرآن ( كله في الفرائض على ترتيبه ) قال حرب: قلت لأحمد: الرجل يقرأ على التأليف في الصلاة: اليوم سورة وغدا التي تليها: قال: ليس في هذا شيء، إلا أنه روى عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصَّل وحده.

” كشاف القناع ” ( 1 / 375 ).

والقول بالكراهة هو ما يفتي به علماؤنا المحققون من المعاصرين:

1.* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أفيدك بالنسبة لسؤالك عن قراءة القرآن متتابعاً في صلوات المغرب، والعشاء، والفجر حتى تختمه: أن الأولى ترك ذلك؛ لأنه لم يُحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن خلفائه الراشدين رضي الله عنهم، وكل الخير في اتباع سيرته عليه الصلاة والسلام، وسيرة خلفائه رضي الله عنهم، وإذا تيسر لك أن تختم القرآن في التهجد: فذلك خير لك في الدنيا، والآخرة، وفي إمكانك إن شاء الله أن تختمه مرات كثيرة قبل رمضان.  ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 146 ).

  1. * سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

كثيرٌ من أئمة المساجد يقرؤون قراءة متسلسلة من البقرة، وحتى سورة الناس في غير رمضان، وقيل: إن هذا بدعة، ويحتج بعضهم بالمراجعة، وضبط الحفظ، وإسماع الجماعة آيات مباركات من القرآن الكريم قلَّ أن يسمعوها، فما رأي فضيلتكم في هذا؟.

فأجاب:

ذَكر العلماء رحمهم الله أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ في صلاة الفجر من طوال المفصَّل، وفي صلاة المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، والمفصَّل: أوله سورة ” ق “، وآخره آخر القرآن، وطِواله: من ” ق ” إلى ” عمَّ “، وقصاره: من ” الضحى ” إلى آخر القرآن، وأوساطه: من ” عمَّ ” إلى ” الضحى “، هكذا قال أهل العلم، والذي ينبغي للإنسان أن يفعل هكذا؛ لأن من الحكمة في ذلك أن هذا المفصَّل إذا ورد على أسماع الناس حفظوه، وسهل عليهم حفظه، ولم أعلم أن أحدًا من أهل العلم قال إنه ينبغي أن يقرأ من أول القرآن إلى آخره متسلسلًا ليُسمع الناس جميع القرآن، ولا يمكن أيضًا أن يُسمع الناسَ جميعَ القرآن؛ لأنه سيبقى مدة إلى أن ينتهي إلى آخر القرآن، وسيتغير الناس، يذهبون، ويجيئون، ولا يسمعون كل القرآن، وإذا لم يكن هذا من السنَّة، والعلماء ذكروا أن السنَّة القراءة في المفصل: فالأولى للإنسان أن يتَّبع ما كان عليه العلماء.

والفائدة التي أشرنا إليها من أن العامَّة إذا تكررت عليهم سور المفصل حفظوها: لا تُدرك بما إذا قرأ الإنسان من أول القرآن إلى آخره، فالأولى: العدول عن هذا، وأن يقرأ كما يقرأ الناس. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 360، وجه أ ).

– فالراجح – كما قدَّمنا – الجواز مع الكراهة، إلا في التهجد في رمضان.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة