الرد على من قسَّم البدعة إلى أقسام التكليف الخمسة، وفوائد في معنى ” البدعة “

السؤال

أرجو النظر في الآتي، وهو على شكل جدل بين من يقولون إن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، ومن يقولون إنه ليس بدعة، فمن يقولون إنه بدعة يستدلون على ذلك بأنه  لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن على عهد الصحابة، أو أحد من التابعين، والطرف الآخر يرد ويقول: من قال لكم إن كل ما نفعله يجب أن يكون قد وُجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو على عهد الصحابة، أو التابعين، فعلى سبيل المثال نحن لدينا اليوم ما يسمَّى بـ ” علم الرجال ” و ” الجرح والتعديل “، وغيرها، ولم يُنكر ذلك أحد إذ أن الأصل في الإنكار أن تكون البدعة المحدثة ما خالفت أصلًا، أما الاحتفال بالمولد أين الأصل الذي خولف، والكثير من الخلافات التي تدور حول هذا الموضوع؟ كما أنهم يحتجون بأن ابن كثير رحمه الله أقرّ الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فما الحكم الراجح في هذه المسألة مدعما بالدليل؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

ليُعلم أولًا أن العلماء مختلفون في تحديد تاريخ ولادة النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال، فابن عبد البر رحمه الله يرى أنه صلى الله عليه وسلم وُلد لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وابن حزم رحمه الله يرجح أنه لثمانٍ خلون منه، وقيل: لعشرٍ خلون منه، كما يقوله أبو جعفر الباقر، وقيل: لثنتي عشر منه، كما يقوله ابن إسحاق، وقيل: وُلد في شهر رمضان، كما نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكَّار.

انظر ” السيرة النبوية ” لابن كثير ( ص 199 ، 200 ).

ويكفي هذا الخلاف بين العلماء لنعلم أنه لم يكن المحبُّون للنبي صلى الله عليه وسلم من سلف هذه الأمة يجزمون بيوم ولادته، فضلًا عن احتفالهم فيه، وجماهير المحتفلين بميلاده يحتفلون بيوم الثاني عشر من ربيع الأول على أنه يوم مولده صلى الله عليه وسلم، والذي لا شك فيه: أنه كان يوم وفاته! على الجزم، وأن يوم ميلاده مختلف فيه، كما سبق، فمن احتفل بميلاده فإنما هو متبع للباطنية من ” العبيدية ” – الذين سموا أنفسهم ” الفاطمية ” -، ومخالف لأهل خير القرون، المتبعين لسنته صلى الله عليه وسلم.

* قال الشيخ علي محفوظ – رحمه الله -:

أول من أحدثها بالقاهرة: الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع، فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوي، ومولد الإمام علي رضي الله عنه، ومولد فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ومولد الحسن والحسين رضي الله عنهما، ومولد الخليفة الحاضر، وبقيت الموالد على رسومها، إلى أن أبطلها ” الأفضل أمير الجيوش “، ثم أعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، بعدما كاد الناس ينسونها، وأول من أحدث المولد النبوي بمدينة ” إربل “: الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وقد استمر العمل بالمولد إلى يومنا هذا، وتوسع الناس فيها، وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم، وتوحيه شياطين الإنس والجن. ” الإبداع في مضار الابتداع ” ( ص 251 ).

ثانيًا:

وأما ما جاء في السؤال من قولٍ لبعض من يرى الاحتفال بالمولد النبوي من قوله: ” من قال لكم إن كل ما نفعله يجب أن يكون قد وُجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو على عهد الصحابة، أو التابعين “: فهو يدل على جهل عظيم بالسنَّة، وخلل كبير في فهم ” البدعة “؛ فما ذكره ذلك القائل هو الضابط فيما يُفعل مما يُتقرب فيه إلى الله تعالى من طاعات، وعبادات، سواء وُجد أصلها في الشرع فاخترع لها سبب، أو زمان، أو مكان، أو كم، أو كيف، أو جنس، وهو ما يُسمَّى ” البدعة الإضافية “، أو لم يوجد لها أصل، وهو ما يُسمَّى ” البدعة الأصلية “، ومثال الاحتفال بالمولد النبوي مثال صالح على هذا القسم.

وذلك القائل قد خلط بين ” البدعة الشرعية ” و ” البدعة اللغوية “، فلا يُشترط في أمور الدنيا أن لا نفعله إلا إن فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل هو مما امتن الله علينا به، خلقًا، وإيجادًا، وإباحة لفعله، والتمتع به، بخلاف ما هو متعلق بالدِّين من أفعال، فليس لنا أن نفعله إن لم يكن له مثال سابق، وهذه البدعة هي المنصوص على ذمها، بخلاف تلك الأخرى.

* قال ابن حجر العسقلاني – رحمه الله -:

فالبدعة في عرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيء أُحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودًا، أو مذمومًا، وكذا القول في المحدثة، والأمر المحدث. ” فتح الباري ” ( 13 / 253 ).

* وقال – أيضًا -:

وأما ” البِدَع “: فهو جمع بدعة، وهي كل شيء ليس له مثال تقدّم، فيشمل لغةً ما يُحْمد، ويذمّ, ويختص في عُرفِ أهل الشرع بما يُذمّ، وإن وردت في المحمود: فعلى معناها اللغوي. ” فتح الباري ” ( 13 / 340 ).

وبه يُعلم: أن من قسَّم البدعة إلى واجبة، ومكروهة، ومحرمة، ومندوبة، ومباحة: فإنما قسَّمها على معناها اللغوي، وإلا فكيف يستقيم الوجوب مع البدعة؟! وأول من يُعلم أنه قسَّمها إلى الأحكام التكليفية الخمسة هو العز بن عبد السلام، وقد انتُقد هذا التقسيم؛ لما فيه من مخالفة للسنَّة من جعل البدعة مذمومة كلها، وذاك التقسيم يجعل منها ما هو مأمور بها، أو مندوب لفعلها، ولما في التقسيم من إحداث خلل عند الناس في فهم البدعة، وها هو مثال صالح لهذا، وهو ما نقله الأخ السائل عن ذلك القائل، والذي أدخل البدعة اللغوية في الشرعية.

* وقد ردَّ الشاطبي رحمه الله على القرافي الذي نقل تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة عن العز بن عبد السلام، وتبنى ذلك، فقال:

والجواب: أن هذا التقسيم أمر مخترَع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة: أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب، أو ندب، أو إباحة: لمَا كان ثمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها، أو المخيَّر فيها، فالجمع بين عدِّ تلك الأشياء بدَعًا، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها، أو ندبها، أو إباحتها: جمعٌ بين متنافيين  .

أما المكروه منها، والمحرم: فمسلَّم من جهة كونها بدعًا، لا من جهة أخرى، إذ لو دل دليل على منع أمر، أو كراهته: لم يُثبت ذلك كونه بدعة، لإمكان أن يكون معصية، كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة، إلا الكراهية والتحريم، حسبما يذكر في بابه.

فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع: صحيح، وما قسَّمه فيها غير صحيح، ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف، ومع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع، وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخَه – أي: ابن عبد السلام – من غير تأمل.

– ثم ذكر عذر العز بن عبد السلام رحمه الله في ذلك التقسيم، وأنه سمى ” المصالح المرسلة ” بدَعًا، ثم قال -:

أما القرافي: فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه، ولا على مراد الناس؛ لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم، فصار مخالفًا للإجماع. ” الاعتصام ” ( ص 152 ، 153 ) وننصح بالرجوع للكتاب ، فقد أبلغ في الرد، وأجاد ، رحمه الله.

وما ذكره القائل مما جاء في السؤال: قد عدَّه العز بن عبد السلام رحمه الله من ” البدع الواجبة “! وهو ما يعني أنه جاء الأمر به في النصَّ الشرعي، أو في قواعده، وهو ما لا ينطبق على تعريف البدعة في الشرع، بل ينطبق على تعريفها في اللغة.

* قال العز بن عبد السلام – رحمه الله -:

وللبدع الواجبة أمثلة:

أحدها: الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

المثال الثاني: حفظ غريب الكتاب، والسنَّة من اللغة.

المثال الثالث: تدوين أصول الفقه.

المثال الرابع: الكلام في الجرح، والتعديل، لتمييز الصحيح من السقيم، وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على القدر المتعين، ولا يتأتى حفظ الشريعة إلا بما ذكرناه

” قواعد الأحكام في مصالح الأنام ” ( 2 / 173 ).

وهذه ” المصالح المرسلة ” التي سمَّاها العز بن عبد السلام بدَعًا: ليس شرطًا أن يفعلها السلف حتى يفعلها مَن بعدهم، ومَن سمَّى مثل هذا بدعة: فهو إما على معناها اللغوي، أو أنه لا يدري ما البدعة.

* قال الشاطبي – رحمه الله – تعليقاً على ” البدع الواجبة ” تلك -:

وأما ما قاله عز الدين: فالكلام فيه على ما تقدم، فأمثلة الواجب منها مِن قبيل ما لا يتم الواجب إلا به – كما قال -: فلا يشترط أن يكون معمولًا به في السلف، ولا أن يكون له أصل في الشريعة على الخصوص؛ لأنه من باب ” المصالح المرسلة “، لا البدع

أما هذا الثاني: فقد تقدم، وأما الأول: لو كان ثمَّ من يسير إلى فريضة الحج طيرانًا في الهواء، أو مشيًا على الماء: لم يعد مبتدعاً بمشيه كذلك؛ لأن المقصود إنما هو التوصل إلى مكة لأداء الفرض، وقد حصل على الكمال، فكذلك هذا .

على أن هذه أشياء قد ذمها بعض من تقدم من المصنِّفين في طريقة التصوف، وعدَّها من جملة ما ابتَدع الناس، وذلك غير صحيح، ويكفي في رده إجماع الناس قبله على خلاف ما قال ….

وهذه كلها لا دليل فيها على الذم؛ لأنه لم يُذمَّ النحو من حيث هو بدعة، بل من حيث ما يُكتسب به أمر زائد، كما يذم سائر علماء السوء لا لأجل علومهم، بل لأجل ما يحدث لهم بالعرَض من الكبْر به، والعُجب، وغيرهما، ولا يلزم من ذلك كون العلم بدعة، فتسمية العلوم التي يكتسب بها أمر مذموم بدَعًا: إما على المجاز المحض من حيث لم يحتج إليها أولًا ثم احتيج بعد، أو مِن عدم المعرفة بموضوع البدعة، إذ مِن العلوم الشرعية ما يداخل صاحبها الكبْر، والزهو، وغيرهما، ولا يعود ذلك عليها بذم

” الاعتصام ” ( ص 157، 158 ).

وفي تعليقه على حديث رقم ( 7277 )، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب 2، من ” صحيح البخاري ”  قال الشيخ عبد الرحمن البراك – حفظه الله -:

هذا التقسيم يصح باعتبار البدعة اللغوية، وأما البدعة في الشرع: فكلها ضلالة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة )، ومع هذا العموم لا يجوز أن يقال: من البدع ما هو واجب، أو مستحب، أو مباح، بل البدعة في الدِّين إما محرمة، أو مكروهة، ومن المكروه مما قال عنها إنها بدعة مباحة: تخصيص الصبح، والعصر بالمصافحة بعدهما. انتهى.

ثالثًا:

ومما ينبغي فهمه والوقوف عليه: أنه ينبغي النظر في توفر الأسباب، وعدم الموانع، في فعل الشيء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام، فمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبته من قبَل أصحابه: سببان توفرا زمن الصحابة الكرام لاتخاذ يوم مولده عيداً يحتفلون به فيه، وليس ثمة ما يمنع ذلك من كتاب أو سنَّة، فلما لم يفعلوه: عُلِم أنه لن يكون جائزًا، وهذا مما يستعمل في الرد على مقولة ذلك القائل التي وردت في السؤال.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكذلك ما يُحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيماً له – والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع – من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا – مع اختلاف الناس في مولده -: فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا: لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منَّا؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منَّا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه: في متابعته، وطاعته، واتباع أمره، وإحياء سنَّته، باطنًا، وظاهرًا، ونشر ما بُعث به، والجهاد على ذلك، بالقلب، واليد، واللسان؛ فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين، والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.

” اقتضاء الصراط ” ( ص 294، 295 ).

ولا نعلم أن ابن كثير رحمه الله قد أجاز الاحتفال بالمولد النبوي، ونحن ننزه عن هذا، وما نقلناه أخيرًا هو قول شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، ولو قال بالجواز: فيرد عليه بما ردَّ به الأئمة على من أجازه.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة