ورثة الغاصبين هل عليهم إرجاع أموال الغصب إلى ورثة أصحاب الحقوق؟

السؤال

نحن في بلد في ” فلسطين ” المحتلة عام 1967، قبل نحو 150 عامًا- أيام الحكم العثماني – كان بلدنا يقسَّم إلى 3 حارات ، وفي كل حارة حَمولة, حمولة في الشرق، وحمولة في الغرب، وأخرى في الجنوب، وكانت الحمولة الجنوبية قليلة العدد، واستضعفها أهل الحمولة الغربية بحيث إنهم كانوا يَلقوْن منهم أذىً كثيرًا، وكان في المنطقة أناس أغراب من الرحَّل, فذهب إليهم أهل الحمولة الجنوبية، واستعدوهم على أهل الحمولة الغربية، فلبوهم إلى طلبهم، ودارت بين الأغراب الغزاة وأهل الحمولة الغربية معركة طاحنة، نجم عنها هلاك أنفس كثيرة وانتهت المعركة بهزيمة الحمولة الغربية أمام الأغراب الغزاة، واستولى الغزاة الأغراب على أملاك الحمولة الغربية, أراضيهم، وبيوتهم، وكل مالهم، وتملّكوها، وتوارثها الأبناء عن الآباء، وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، وعند احتلال الإنكليز لأرض فلسطين: تم تسجيل الأرض لملاَّكها الجدد ” أبناء الغزاة “، وصارت إلى ورثتهم من بعدهم، حتى يومنا هذا، وتم خروج أهل الحمولة الغربية من بلدهم، وأقاموا في العراء، على بعد نحو 4 أميال غربي بلدهم، حيث أقاموا لهم بلدًا جديدًا، بقي حتى عام 1948، وعندما احتل اليهود فلسطين: نزح أحفاد الحمولة الغربية عن بلدهم الجديد إلى المنطقة التي أُخرجوا منها في العهد العثماني – حيث دارت المعركة مع الأغراب – وأقاموا في البلد الذي أُخرج منه آباؤهم قبل عشرات السنوات.

السؤال: ما هو وصف يد أحفاد أبناء الغزاة الأغراب على أرض الحمولة الغربية في هذا البلد؟ وماذا عليهم أن يفعلوا في سبيل براء ذمتهم إذا كان يلحقهم إثم بسبب ذلك؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما حصل من فتن أدت إلى سفك دماء، واستيلاء على أملاك، هو من الإفساد في الأرض، وأول من يبوء بإثم ذلك كله هو من تسبب في تلك العداوات، وذلك الظلم والقتال، ثم يبوء المشاركون بالآثام التي ترتبت على أفعالهم السيئة، والمعاصي المنكرة، وخاصة إزهاق الأنفس البريئة، وهو من كبائر الذنوب.

ثانيًا:

وما حصل من ” الأغراب ” من الاستيلاء على ممتلكات ” الحمولة الجنوبية ” هو من الغصب المحرَّم، والغصب هو: الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق، وهو محرَّم بالكتاب، والسنَّة، وإجماع المسلمين.

ثالثًا:

* ومن الأحكام المترتبة على غصب تلك الأراضي والممتلكات:

  1. التوبة الصادقة فيما حصل من الغاصب من تعديه على غيره، واستيلائه على ممتلكاته، وهذا لمن هو على قيد الحياة منهم، ولمن علم بغصب أهله لمال غيرهم، ورضاهم بانتقالها إليهم، وتسجيل الأرض بأسمائهم لا يجعل باطل أهلهم حقًّا.
  2. رد عين المال المغصوب لصاحبه، فإن كان المغصوب باقيًا: رده بحاله, وإن كان تالفًا: رد بدله.

ولذلك: فإن يد الغاصب هي يد ضمان، ومعناه: أن الغاصب يضمن المغصوب إذا تلف.

وعليه: فينظر في ممتلكات ” الحمولة الجنوبية ” عند ورثة ” الأغراب “، فما كان منها باقيًا على ما هو عليه – كأرضٍ، أو عقار -: فيرد لورثة ” الحمولة الجنوبية “، وما كان متلفًا من الغاصبين: فهو على حالين:

أ. أن يكون أتلف من الغاصبين وتركوا وراءهم أموالًا، فيجب على الورثة إخراج قيمة الغصب من ذلك الميراث، ودفعه لورثة ” الحمولة الجنوبية “.

ب. وما كان متلَفاً من الغاصبين، ولم يورثوا وراءهم أموالًا: فلا يلزم ورثتهم دفع قيمة الغصب لورثة من اغتُصب منهم؛ لأن ذمتهم بريئة، وذمة المغتصبين هي المشغولة.

  1. ما يحصل من ورثة الغاصبين من رد الحقوق إلى أهلها لا يعفي أهلهم من إثم الغصب، لكنه يبرؤهم هم من تملك ما ليس لهم تملكه، فالغاصبون ماتوا دون توبة، ودون إرجاع الحقوق إلى أهلها، بل لو ردَّ الغاصب ما غصبه لورثة المغصوب منه: ما كان هذا مسقطًا عنه إثم الغصب؛ لموت صاحب الحق دون مسامحته، والعفو عنه، فأولى أن يكون الإثم لازماً له إن كان ورثته هم من أدَّى الحق لورثة المغتَصب منهم.

* قال البهوتي – رحمه الله -:

ولو ندم غاصبٌ على فعله، وقد مات المغصوب منه، وردَّ ما غصبه على الورثة: برئ من إثمه، أي: المغصوب؛ لوصوله لمستحقه، ولا يبرأ من إثم الغصب؛ لِمَا أدخل على قلب مالكه من أَلَمِ الغصب، ومضرة المنع من ملكه مدة حياته، فلا يزول إثم ذلك إلا بالتوبة، ولو ردَّه – أي: المغصوبَ – ورثةُ غاصبه بعد موته، وموت مالكه إلى ورثته: فلمغصوبٍ منه مطالبته، أي: الغاصب بما غصبه منه في الآخرة؛ لأن المظالم لو انتقلت: لما استقر لمظلوم حق في الآخرة؛ ولأنها ظلامة عليه قد مات ولم يتحلل منها بردٍّ، ولا تبرئة، فلا تسقط عنه برد غيره لها إلى غير المظلوم   ”  شرح منتهى الإرادات ” ( 2 / 321 ).

  1. ما ترتب على ممتلكات المغصوب منهم من أرباح – كتأجير عقار، أو زراعة أرض -: فليس هذا الناتج من حق الغاصب، ولا من حق ورثته، وقد اختلف العلماء فيما يكون له فيها من حق، وما يكون للمغصوب منه، وأعدل الأقوال: أن يتقاسما الأرباح بينهما نصفين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

إن كان جميع ما بيده أخذه من الناس بغير حق: … ومثل أن يغصب مال قوم بافتراء يفتريه عليهم …: فهذه الأموال مستحقة لأصحابها، ومن اكتسب بهذه الأموال – بتجارة ونحوها – فقيل: الربح لأرباب الأموال، وقيل: له، إذا اشترى في ذمته، وقيل: بل يتصدقان به؛ لأنه ربح خبيث، وقيل: بل يقسم الربح بينه وبين أرباب الأموال كالمضاربة، كما فعل عمر بن الخطاب في المال الذي أقرضه أبو موسى الأشعري لابنيه دون العسكر،  وهذا أعدل الأقوال.

” مجموع الفتاوى ” ( 30 / 328 ، 329 ).

  1. طول مدة الغصب، وتسجيل الممتلكات بأسماء الغاصبين، أو بأسماء ورثتهم: كل ذلك لا يجعل مال الغصب حلالًا لا للغاصبين، ولا لورثتهم، بل يجب إرجاع الحقوق لأهلها، ولو طالت المدة، ولو سجلوا الممتلكات بأسمائهم.

عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا ) .

رواه البخاري ( 2326 ) ومسلم ( 1713 ) .

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -: وأما قوله عليه السلام: ( فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ): فإنه بيان واضح في أن قضاء القاضي بالظاهر الذي تعبد به : لا يحل في الباطن حرامًا قد علمه الذي قضى له به وأن حكمه بالظاهر بينهم لا يُحل لهم ما حرَّم الله عليهم، مثال ذلك: رجل ادَّعى على رجلٍ بدعوى، وأقام عليه بيِّنة زور كاذبة، فقضى القاضي بشهادتهم بظاهر عدالتهم عنده، وألزم المدَّعى عليه ما شهدوا به: فإنه لا يحل ذلك للمدَّعي إذا علم أنه لا شيء له عنده، وأن بينته كاذبة، إما من جهة تعمد الكذب، أو من جهة الغلط.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 22 / 220 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة