دخلت في الإسلام من شدة حبها لزوجها ثم تراجعت إلى النصرانية فهل تكون مرتدة؟
السؤال
أهلًا، آسفة على الإزعاج، لكني قلقة، زوجي مسلم، وبعد أن تزوجنا: تحولتُ للإسلام؛ لأني أحبه بجنون! وعلى استعداد أن أفديه، ولكني لم أكن أعلم معنى التحول من دين لآخر، وكيف أمارس شعائر دين مختلف، وبعد عدة سنوات: حاولت أن أتكيف مع دينه، لكن لم أكن أشعر بارتياح، فتحولت لديني السابق، وهو المسيحية، أنا أعلم أنني ارتكبت خطأً كبيرًا، وما كان ينبغي أن أغيِّر ديني بسبب الحب، ولكنني كنت أحب زوجي بشدة ، والآن لي ولد عمره عامان، وزوجي يريد أن يطلقني؛ لأنني تلاعبت بالأديان، والدين ليس لعبة، كما أن الإسلام لا يقبل المتحولين عنه؟ فأرجو المساعدة هل هذا صحيح؟.
ثانيًا: هل ينبغي أن أطلَّق بسبب ذلك؟ هو يقول: إنه مازال يحبني، وإذا أقر الدين على بقائه معي: فلن يفارقني، لكن هناك بعض الأئمة الذين تحدث معهم وقال: إنه ينبغي أن يطلقني، وأنا أحبه، وهو يحبني، ولدينا ابن – وأنا أعتقد أن أهم شيء في الإسلام هو الأسرة – وأنا لم أقتل، أو أؤذي أحدًا، لكني فعلت خطأً ما كان ينبغي أن أفعله. أرجو المساعدة، فأنا أحبُّه، وشكرًا على مساعدتك.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للإسلام، وأن يهديك لما في صلاح آخرتك، والفرصة التي تيسرت لك للدخول في الإسلام لم تتيسر لكثيرات غيرك، وكان يمكنك اقتناصها لتكوني على الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى دخول الجنة، وهذا الدين الذي ندين به هو دين الأنبياء والرسل جميعًا، ومنهم عيسى بن مريم عليه السلام وأمه مريم، فقد كانا موحَّدَيْن لربِّ العالمين، وكانا ملتزمين بما شرعه الله من أحكام، وليس أشرف للمرء من أن يكون عبدًا لرب العالَمين، يلتزم شرعه، ويرجو رحمته وثوابه يوم القيامة.
ثانيًا:
واعلمي أن دخولك الإسلام أول مرة، أو ثانيها: لا يُقبل منك إلا أن تكوني صادقة، مخلصة، غير شاكة، ولا مرتابة، بل دخول فيه بقناعة، واعتقاد، راسخيْن أنه الدين الحق، وإلا لم يُقبل منك.
* واعلمي أن دخولك الإسلام أول مرة من أجل حبك لزوجك: لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون حبُّه سبباً لدخول الإسلام، مع الاقتناع التام بهذا الدين، وأنه حق لا ريب فيه.
الثانية: أن يكون حبُّه سبباً لدخول الإسلام، من غير اقتناع به، ولا إخلاص، ولا صدق، وإنما فقط لإرضائه، والتقرب منه.
وإذا كان الأمر على الحالة الأولى: فدخولك في الإسلام صحيح، وما حصل منك بعد ذلك: فهو ردَّة، وكفر، ويوجب فسخ النكاح بينه وبينك، من غير حاجة لطلاق، وإنما الطلاق لأجل الوثائق والأوراق؛ لعدم اعتراف غالب المحاكم في العالم بالفرق بسبب اختلاف الدين.
وإذا أراد زوجك إرجاعك لعصمته: فلا يستطيع؛ لأنك مرتدة، ولم تعودي كتابية، والطريقة الوحيدة لرجوعك إليه: هي بدخولك الإسلام، بصدق، وافتناع بكونه الدين الحق الذي رضيه الله لخلقه أجمعين.
وإن كان الأمر على الحالة الثانية: فاعلمي أنك لم تكوني مسلمة في الأصل؛ لأن دخولك في الإسلام لم تتحقق شروطه، وعليه: فلا يكون ما حصل منك بعد ذلك ردَّة؛ لأنه لم يسبق ذلك إسلام أصلًا.
وعليه – أيضًا -: يكون عقد الزوجية بينكما قائم على ما كان عليه، ولم يتغير؛ لأنه يجوز للمسلم التزوج بكتابية – يهودية، ونصرانية -.
وبخصوص تحديد أي الحالين السابقين هو حالك: نرجو من زوجك أن يكون حكمًا على هذا الأمر، وأن يستعين بأهل العلم حوله، مع عرض ما كتبناه هنا عليهم؛ لأن من حكم عليك بالردة لعله لم يتبه لما ذكرناه من احتمال أن يُحكم ببطلان دخولك في الإسلام أصلًا، وبعده يكون الحكم: هل تبقين زوجة له على اعتبار بطلان دخولك في الإسلام أصلًا، وأنك لا زلت كتابية، يجوز له إبقاءك زوجة له، أو يكون فسخ للنكاح؛ باعتبار وقوعك في الردة، وهنا: لا يستطيع التزوج بك حتى لو رجعتِ للنصرانية؛ لأن برجوعك عن الإسلام تكونين مرتدة، والمرتد ليس حكمه حكم الكافر الأصلي، بل يختلفان.
ثالثًا:
وسواء كان الأمر على الحالة الأولى، أو الثانية: فإننا ندعوك بقوة وشفقة إلى الدخول في دين الله تعالى الإسلام، وندعوك للتأمل بشيء غاية في الأهمية، وهو أنك إن رضيت لنفسك أن لا تكوني مسلمة: فلن يكون بينك وبين زوجك لقاء في الآخرة، ولا مع ابنك كذلك؛ لأن اختلاف الدِّين سيفرق بينكم، وبينما يكونا في جنة الله تعالى: تكوني أنت في نار جهنم، وهذه الخسارة، وذلك الشقاء يدعوانك لإعادة النظر في الحال التي أنت عليها، فاجتماعك مع أسرتك في الدنيا سيكون محدودًا بسنين معدودة، وأما النعيم الأخروي فهو أبدي، لا ينقطع.
وما أجملها من أوقات، وما أحلاها من سعادة، يوم تكون الأسرة المسلمة مجتمعة في جنة الله تعالى في الآخرة، تتقلب في النعيم، وتسعد بثواب الله الجزيل، فأعيدي النظر في حالك، ولا ترضي لنفسك شقاء الدنيا والآخرة، واجعلي حبَّك لزوجك، وابنك أسبابًا للتأمل في الإسلام، وأحكامه، وتشريعاته، وإننا لنظن فيك خيرًا أنك لن تختاري لنفسك إلا ما هو صواب، وهو إعلان إسلامك، مخلصة من قلبك، صادقة، غير شاكَّة، ولا مرتابة.
ونرجو من زوجك أن يعينك على هذا الخير، وأن يأخذ بيدك إلى ما فيه سعادتك، وإننا لنشكر له موقفه مما حصل منك، وتوقفه في إرجاعك، حتى يتضح له الحكم الشرعي، ونوصيه بنفسه، وبابنه، وبك، خيرًا، ونحن ننتظر منكم أخبارًا سارَّة، ونحن على استعداد للإجابة على تساؤلاتكم الشرعية، والاجتماعية.
والله أعلم.


