أسرة ملتزمة تريد إدخال ” رسيفر ” ليس فيه إلا القنوات الإسلامية
السؤال
ما حكم في إدخال ” ريسيفر ” 30 قناة إسلامية للمنزل لاستفادة الأهل منه؟ حاليًّا لا يوجد تلفاز في البيت، والأهل يجدون صعوبة في الاستماع للأشرطة السمعية، وتنزيلها من الإنترنت؛ لانشغالها مع الطفلة، وأمور البيت، ونرى أن استخدام الوسائل المرئية أسرع، خاصة أن المشايخ أصبحوا يظهرون على التلفاز، الذي يجعلنا أن نتردد في هذا الأمر هو وجود بعض الفتاوى القديمة للعلماء، كابن باز، والشيخ الفوزان، في أن الأفضل عدم إدخال الجهاز، فما رأيكم خاصة بعد الثورة المرئية الإسلامية التي لم تكن في وقتهم، رحمهم الله؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نسأل الله أن يجزيكم خيرًا على حرصكم على تعلم العلم الشرعي، ونسأله تعالى أن يوفقكم لتحصيله، وطلب العلم واجب شرعي، لا يسع المسلم تركه، ولا التهاون فيه، وهو موعود بالمنزلة الرفيعة، والأجر الجزيل على سلوكه سبيل طلبه.
قال تعالى: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) المجادلة/ من الآية11.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ ). رواه الترمذي ( 2646 ) وحسَّنه.
ثانيًا:
وبخصوص إدخال القنوات الإسلامية للبيت: فإننا نرى أن ما يوجد منها في عالم الفضاء مما هو موثوق: يشجع على الحث على مشاهدتها، والاستفادة منها، ونذكر في هذا الخصوص:
” قناة الشيخ العثيمين “، ” قناة المجد العلمية “، ” قناة الحكمة “، ” قناة صفا “، وغيرها مما يظهر فيها دعاة أهل السنَّة، وتخلو – في الوقت ذاته – من المخالفات الشرعية، فلا تظهر فيها النساء، ولا يُسمع منها صوت معازف، ولا ضرب بالدف.
والذي نعلمه عن ” الريسيفر ” المشار إليه في السؤال أنه ينتقي القنوات بتلك المواصفات المذكورة آنفًا، حتى إنه ليستبعد بعض القنوات التي يظنها كثيرون صالحة لأن تكون ضمن باقة قنواته، وما كان استبعادها منه إلا بسبب تساهل القائمين على القنوات في الالتزام بالأحكام الشرعية، وإن كان لنا ملاحظة على اختياراته: فهي على قناة، أو قناتين فقط.
ولا شك أن طلب العلم عن طريق تلك القنوات، والالتزام بسلسلة برامجها العلمية فيه نفع كبير لمن حرص عليها، وبذل لها جهدًا.
وفي اعتقادنا أن طلب العلم، والاستفادة منها أكثر بكثير من الأشرطة، وفي كلٍّ خيرٌ، لمن أحسن الاستفادة منهما.
ثالثا:
وأما بخصوص ترددك من حيث الحكم الشرعي: فإننا نشكر لك غيرتك، وحرصك على الاستقامة على هدي الإسلام، كما نشكر لك تقديرك لعلمائنا الكبار، وفي الوقت نفسه نطمئنك أن ما ننصحك به: لا يخالف شرع الله تعالى، ولا فتاوى أولئك العلماء الأجلاء، وبيان ذلك من وجوه:
- اعلم أن خطر ” الإنترنت ” ومفاسده أعظم من خطر ومفاسد القنوات الفضائية، وإذا كانت القنوات التي يمكن التقاطها بحدود الخمسمئة: فإن مواقع الفساد، والكفر، والبدعة: بمئات الملايين! ولذلك ننبه إخواننا إلى هذا الخطر العظيم الذي يتهاون فيه كثيرون، في الوقت الذي يتشددون في إحضار قنوات إسلامية موثوقة مشفرة، ويرون أن في هذا فتح باب لفساد عظيم ، ولو تأملوا لعلموا أن الفساد في ” الإنترنت ” أعظم وأكثر ، ومع ذلك تجد أكثرهم يتساهل فيه، ولا يخفى أنه حتى القنوات الفضائية التي امتنع من إحضارها لأهله: فإنها تُرى في ” الإنترنت ” هي وكثير من القنوات التي قد يصعب – أو يستحيل – التقاطها من بيته.
- أن المشايخ الأجلاء الكبار قد ظهر بعضهم في التلفاز المحلي، وشجعوا من عنده القدرة على الظهور فيه، والقنوات الفضائية الإسلامية لا تقارن بالمحطات المحلية، فهي أولى بأن يوافق عليها أولئك المشايخ الكبار لو تيسر لهم إدراكها.
* قال الشيخ محمد صالح المنجد – حفظه الله -:
” وفتوى مشايخنا، كالشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ صالح الفوزان ، والشيخ عبد الله بن جبرين: على إباحة خروج الدعاة في التلفاز المحلي، بل وحث بعضهم على ذلك، كما استفتيتهم، ووقفت على جوابهم بنفسي، من خلال سؤالهم، واستفتائهم “.
من ” لقاء شبكة الفجر مع فضيلته “.
http://www.saaid.net/leqa/12.htm
- وتشديد بعض العلماء الكبار – كالشيخ العثيمين رحمه الله – على المنع من إدخال القنوات الفضائية لبيوت المسلمين: إنما كان ذلك وقت عدم وجود قناة إسلامية واحدة في عالم الفضائيات! وكان معهم كل الحق في التشديد على المنع؛ لما في تلك القنوات الخبيثة من أثر سيء على المشاهدين لها، وخاصة أنها كانت في أول انطلاق رؤية الفضائيات في بيوت الناس.
وأما مع تغير الحال، ومع كثرة القنوات الإسلامية في عالم الفضاء، والتي تصدح بالحق، وتجهر باعتقاد أهل السنَّة والجماعة: فإنه من الطبيعي أن تتغير الفتوى تبعاً لتغير الحال، وقد تمنَّى الشيخ العثيمين رحمه الله وجود قناة فضائية إسلامية في عالم الفضائيات، تعلِّم الناس دينهم، وتحذرهم من الشرك، والمعاصي، وقد حقق الله أمنية الشيخ في باقة طيبة عطرة من القنوات الإسلامية، وليس بقناة واحدة.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
الذي أرى: أن يوجد قناة إسلامية يتكلم بها علماء راسخون في العلم, أهل عقيدة سليمة, ويبينون الحق، دون مهاترات، أو منازعات، أو سبٍّ للآخرين: فهذه إذا وُجدت: نفع الله بها, وأرجو الله عز وجل أن يحقق هذا؛ لأن بقاء الناس لا يشاهدون إلا ما ينشر في هذه الفضائيات المدمرة: ضرر عظيم, لكن إذا وجدت قناة إسلامية يتكلم فيها علماء راسخون في العلم، أقوياء في بيان الحق: فلكل سلعة مشترٍ, أهل الباطل يذهبون للباطل, وأهل الخير يذهبون إلى الخير.
وإذا كانت القناة الإسلامية هذه مشيقة في العرض، في طرح المسائل، وفي الإجابة عن الإشكالات: سوف ينصرف إليها أناس كثيرون، حتى ممن لا يريدون هذا, فأسأل الله أن يحقق هذا عن قريب، حتى يشتغل الناس به عن مشاهدة القنوات الفضائية الفاسدة المفسدة. ” لقاء الباب المفتوح ” ( 211 / 1 ).
رابعًا:
وإذا تيسر لك إحضار تلك القنوات لبيتك: فإننا نوصيك بما يلي:
- ترتيب أوقاتكم – وخاصة الزوجة – لتتناسب مع البرامج العلمية النافعة فيها، فتمتنعون عن الخروج من المنزل، أو استقبال أحد، في وقت برنامج علمي يستحق المتابعة، وهكذا تصنعون لأنفسكم برنامجًا متكاملًا في اليوم والليلة ليتم الاستفادة من كل اليوم فيما ينفعكم عند ربكم تعالى، والحصول على برامج القنوات، ومعرفة النافع منها: سهل متيسر، ويمكن الاستعانة بمن سبقكم في المتابعة، أو بالدخول على مواقع القنوات في ” الإنترنت “.
- عدم نظر الزوجة إلى وجوه الرجال الأجانب في القنوات، والاكتفاء بالفائدة الصادرة بالصوت، وهذه هي الغاية التي تريدها النساء ، وكما حرَّم الله تعالى نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات: فإنه حرَّم نظر النساء إلى الرجال الأجانب.
قال تعالى: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) النور/ 30، 31.
- عدم الانشغال بالبرامج غير العلمية، والتي لا تنتفع الزوجة بها، كالتحليلات السياسية، وفقرات الدعايات التجارية، وفقرات الشباب الخاصة بهم – ولنا على بعضها ملاحظات شرعية -، وترك مشاهدة قنوات النشيد، والانشغال بما هو نافع ومفيد، ويفضل التنويع فيها، كأـن تستمع لبرنامج في الطب، وآخر في التربية، حتى لا تمل النفس من السماع في اتجاه واحد.
ونسأل الله أن ييسر أمركم، ويوفقكم لما فيه رضاه.
- ونوصيك أخيرًا بعدم إحضار ” رسيفر ” عامًّا، بل ما قلناه من الجواز هو خاص بالرسيفر الذي يحتوي على ” قنوات إسلامية ” فقط، وهو المشار إليه في السؤال.
والله أعلم.


