لماذا حصل الاختلاف في مسائل الفقه بين الأئمة؟ وهل يجب تقليد أحد المذاهب؟
السؤال
مع بالغ احترامي للأئمَّة الفضلاء، إلا أنني أستغرب لماذا قضية ” التمذهب ” الموجودة في هذه الأيام، ألم تكن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، فلماذا الاختلاف إذًا؟ هذا حنفي، وهذا شافعي … الخ، ألم يكن يتبع هؤلاء الأئمة سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم فمِن أين نشأ الخلاف؟ وهل يجب على المسلم أن يتبع مذهبًا محدَّدًا، أم أنه يكفيه أن يتبع الكتاب، والسنَّة، وكفى؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
بُعث النبي صلى اله عليه وسلم برسالة الإسلام الخالدة، وقد أُمر المسلمون باتباع ما جاء في كتاب ربهم تعالى، وبما جاء في سنته صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة رضي الله عنهم يرتوون من هذين المصدرين، ولم يكونوا بحاجة لعلوم الآلة حتى يفهموا عنه الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم رضي الله عنهم قاموا بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم بمهمة تعليم الناس دينهم، وقد تفرقوا في الأمصار، ولا شك أنهم لم يكونوا سواء في حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لذا من كان منهم أحفظ كانت فتياه مطابقة للسنَّة، ومن لم يكن حافظاً فإنه يجتهد لمعرفة الصواب، وهكذا كان اختلافهم في الحفظ سببًا في اختلاف الفتيا، ثم إن النص الواحد قد يكون محفوظًا لكلا الصحابيين، لكنَّ كل واحدٍ منهما يفهم منه غير ما فهم الآخر، ويكون النص محتملًا لهذا، وذاك، وكل واحد منهما يجتهد في فهم النص وفق مراد الشرع، والمصيب منهما واحد، وهكذا كان فهم النص من أسباب اختلافهم.
ثم انتشر العلم في الآفاق، وصار في هذا الدين أئمة علم وهدى، ومنهم الأئمة الأربعة، فأضيفت أسباب أخرى لاختلافهم غير ما سبق، وهو اختلافهم في صحة الحديث وضعفه، واختلافهم في بعض قواعد فهم النصوص، وهو ما اصطلح على تسميته ” أصول الفقه “.
* قال علماء اللجنة الدائمة:
أما أسباب اختلاف العلماء فكثيرة، منها: أن كل واحد منهم لا يحيط بالعلم كله فقد يخفى عليه ما علم غيره، وقد يفهم من النصوص ما لا يفهمه غيره عندما يختفي عليه الدليل الواضح. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 178 ).
ثانيًا:
وبما سبق يتبين لك – أخي السائل – الحقائق الآتية:
- أنه ليس في شرع الله ” حنفي “، و ” مالكي “، وغير ذلك من التصنيفات، والتسميات.
- أن الأصل في المسلم أن يتبع ما جاء في القرآن، وما ثبت في السنَّة النبوية.
- أن الاختلاف بين العلماء له أسبابه الكثيرة، وقد جُمعت هذه الأسباب في كتاب ” رفْع الملام عن الأئمة الأعلام ” لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكتاب ” أسباب اختلاف العلماء وموقفنا من ذلك ” للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
- أن أئمة الدين ليسوا أربعة فقط، بل هم كُثر، لكن الله تعالى جعل الشهرة للأئمة الأربعة – وهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد -.
- أولئك الأئمة الأربعة مذهبهم هو اتباع النصوص، وتعظيمها، فمن رضيهم له أئمة: فليرض مذهبهم، وما كان لأحدٍ منهم مذهل البتة، بل كانوا متبعين لنصوص الوحي، ومعظمين لها، ولا عجب إن عرفنا بعد ذلك أنه قد يكون للواحد منهم أكثر من قول في المسألة، وأن من أبرز أسباب ذلك هو وقوفه على دليل لم يكن يعرفه من قبل، أو تبين له بالمناظرة والتدقيق صواب قولٍ لم يكن يتبناه من قبل، أو كان يخطئه.
- لم يدعُ واحد من أئمة الدين الناس لتبني أقواله وتقديمها على أقوال غيره، وقد نزههم الله تعالى عن هذا، بل قد ثبت عنهم جميعًا التحذير من هذا الفعل، والوصية بالأخذ من الكتاب والسنَّة.
- الناس ليسوا سواء في الاطلاع على نصوص الوحي، ولا سواء في إمكانية فهم النصوص، لذا رأينا طائفة كبيرة من ” العوام ” قد سلكت مسلك ” التقليد “، وبما أن الشهرة كانت لأولئك الأئمة الأربعة، وكان لهم تلاميذ نشروا أقوالهم: صرت ترى ذلك المقلد ” حنفيًّا “، أو ” شافعيًّا “، وغالبا ما يكون مذهب أولئك العوام مذهب شيخهم في مدينتهم، أو قريتهم، وهذا العامي لا حرج عليه في فعله؛ لأنه مأمور بسؤال أهل العلم، لكن ليس له أن يُنكر على غيره تبني قولاً آخر، وليس له أن يفتي، ولا أن يتعصب لقول شيخه، بل متى ظهر له الحق فيجب عليه العمل به، ولا يسعه غير ذلك.
– هكذا هي أصل المسألة، وهذا هو الحكم الشرعي فيها.
والله أعلم.


