هل إذا لم يخلق الله أي مخلوق مع قدرته على الخلق: هل هذا يعدُّ نقصا؟
السؤال
أرجو توضيح هذه المسألة لي؛ لكثرة ما قرأت فيها لأهل السنَّة، أنا أؤمن – بفضل الله – أن الله لم يكن معطلًا عن الفعل في أي وقت، ولكن الذي اختلط عليَّ عند قراءتي في ” العقيدة الطحاوية ” للشيخ صالح آل الشيخ أنه قال: إنه لا بدَّ من وجود مخلوقات تعبد الله.
ما أريده هو: هل إذا لم يخلق الله أي مخلوق مع قدرته على الخلق: هل هذا يعدُّ نقصا، أي: أنه يجب وجود أي مخلوق ليثبت الكمال لله، أي أثر الصفة لا بد أن يوجد لنثبت الكمال لله؟.
وأيضًا: للشيخ ابن عثيمين قرأت هذا في ” العقيدة السفارينية ” أنه يلزم وجود المفعول ما دام صفة الفعل أزلية.
الخلاصة: إذا افترضنا أن الله لم يخلق أي شيء، لا عالمنا، ولا أي مخلوقات أخرى، مع قدرته على الخلق، هل هذا يعدُّ نقصًا؟.
مع رجائي توضيح: هل هناك دليل على وجود مخلوقات قبل عالمنا أم لا؟.
الجواب
الحمد لله
إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 2):
المسألة الأولى:
أنّ الناس اختلفوا في اتصاف الله? بصفاته هل هو مُتَّصِفٌ بها بعد ظهور آثارها، وأسماء الرب? سُمِّيَ بها بعد ظهور آثارها أم قبل ذلك على مذاهب:
المذهب الأول:
هو مذهب المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم مِنْ أنَّه? لم يَصِرْ له صفات ولا أسماء إلا بعد أن ظهرت آثارُها، فلما خَلَقَ صارت له صفة الخلق، وصار من أسمائه الخالق.
وذلك على أصل عندهم، وهو أَنَّ أسماء الله? مخلوقة، فلما خَلَقَ سَمَّاهُ الناس الخالق، وخَلَقَ له اسم الخالق.
فعندهم أَنَّ الزمان لما ابتدأ فيه الخلق أو الرَّزق أو الإنشاء صار بعده له اسم الخالق، وقبل ذلك لم يكن له هذا الاسم ولم تكن له هذه الصفات.
فقبل أن يكون ثَمَّ سَامِعْ لكلامه فليس هو سبحانه مُتَكَلَّمًَا، فلما خَلَقَ سامِعًا لكلامه، خَلَقَ كلاما – عند المعتزلة والجهمية – فأسمعهم إياه، فصار له اسم المتكلم أو صفة الكلام، لمَّا خلق مَنْ يسمع كلامه.
كذلك صفة الرحمة على تأويلهم الذي يؤولونه أو أنواع النِّعَم، والمنعم والمحيي والمميت كل هذه لا تطلق على الله عندهم إلا بعد أن وُجد الفعل منه على الأصل الذي ذكرته لكم عنهم أنَّ الأسماء عندهم والصفات مخلوقة.
إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 3).
المذهب الثاني:
هو مذهب الأشاعرة والماتريدية ومذهب طوائف من أهل الكلام في أنّ الرب? كان مُتَّصِفَا بالصفات وله الأسماء، ولكن لم تَظْهَرْ آثار صفاته ولا آثار أسمائه بل كان زمنًا طويلا طَويلا مُعَطَّلًا عن الأفعال?.
له صفة الخلق وليس ثَمَّ ما يخلقه، له صفة الفعل ولم يفعل شيئًا، له صفة الإرادة وأراد أشياء كونية مؤجلة غير مُنجزة وهكذا.
فمن أسمائه عند هؤلاء الخالق، ولكنه لم يخلق، ومن أسمائه عندهم أو من صفاته الكلام ولم يتكلم، ومن صفاته الرحمة بمعنى إرادة الإنعام وليس ثَمَّ مُنْعَمٌ عليه، ومن أسمائه المحيي وليس ثَمَّ من أحيا، ومن أسمائه الباري وليس ثَمَّ بَرْأْ، وهكذا حتى أَنْشَأَ الله ? وخَلَقَ ? هذا الخلق المنظور الذي تراه من الأرض والسموات وما قصَّ الله علينا في كتابه، ثُمَّ بعد ذلك ظهرت آثار أسمائه وصفاته.
فعندهم أنَّ الأسماء والصفات متعلقة بهذا العالَمْ المنظور أو المعلوم دون غيره من العوالم التي سبقته.
وقالوا هذا فِرارًا من قول الفلاسفة الذين زعموا أنَّ هذا العالم قديم، أو أَنَّ المخلوقات قديمة متناهية أو دائمة من جهة الأولية؛ من جهة القدم، مع الرب?.
المذهب الثالث:
هو مذهب أهل الحديث والأثر وأهل السنة؛ أعني عامة أهل السنة وهو أنّ الرب ? أَوَّلٌ بصفاته، وصفاته ( قديمة، يعني هو أوَّلٌ ( بصفاته.
وأنه سبحانه كان من جهة الأولية بصفاتهِ -كما عبر الماتن هنا بقوله (كانَ بصفاته).
وأنّ صفات الرب? لابد أن تظهر آثارها؛ لأنه سبحانه فَعَّالٌ لما يريد.
والرب? له صفات الكمال المطلق، ومن أنواع الكمال المطلق أنْ يكون ما أراد (
فما أراده كونًا لابد أن يكون.
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ومن مذهب أهل السنة والحديث والأثر أنّه سبحانه يجوز أن يكون خَلَقَ أنواعاً من المخلوقات وأنواعًا من العوالم غير هذا العالم الذي نراه.
إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 4).
فجنس مخلوقات الله? أعمّ من أن تكون هذه المخلوقات الموجودة الآن، فلا بد أن يكون ثَمَّ مخلوقات أوجدها الله? وأفناها ظَهَرَت فيها آثار أسمائه وصفاته?.
فإنَّ أسماء الرب? وإنّ صفات الرب? لابد أن يكون لها أثرُها؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد.
فما أراده سبحانه فَعَلَهُ، وَوَصَفَ نفسه بهذه الصفة على صيغة المبالغة الدالة على الكمال بقوله ?فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ?1، فما أراده سبحانه كان.
وهذا متسلسل -كما سيأتي بيانه- في الزمن الأول، يعني في الأولية وفي الآخرية فهو سبحانه (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا).
وهذا منهم -يعني من أهل الحديث والأثر والسنة- هذا القول منهم لأجل إثبات الكمال للرب?.
وقول المعتزلة والجهمية فيه تعطيل للرب عن أسمائه وصفاته.
يعني أنَّ الله? كان بلا صفات وبلا أسماء، وأنَّه لمَّا فَعَلَ وُجِدَت صفات الرب?، وهذا نسبة النقص لله? لأنّ الصفات هي عنوان الكمال، والله ( كمالاته بصفاته.
أمّا قول الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم، فهذا أيضاً فيه وصف الرب? بالنقص؛ لَأَنَّ أولئك يزعمون أنه متصف ولا أثر للصفة.
ومعلوم أَنَّ هذا العالم المنظور الذي تعلقت به عندهم الأسماء والصفات، هذا العالم إنما وُجِدَ قريبًا.
فوجوده قريب وإن كانت مدته أو عمره طويل لكنه بالنسبة إلى الزمن بعامة -الزمن المطلق- لا شك أنه قريب لهذا قال? (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)2?.
فالتقدير كان قبل أن يخلق هذه الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهي مدة محدودة، والله? لا يَحُدُُّه زمان، فهو أول? ليس قبله شيء.
وفي هذا إقرار لأنه من جهة الأولية يتناهى الزمان في إدراك المخلوق، وننتقل من الزمان المنسوب إلى الزمان المطلق، وهذا تتقاصر عقولنا عنه وعن إدراكه.
إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – (4 / 5).
وأما هذا العالم المنظور فإنه مُحْدَثٌ وحدوثه قريب.
ولهذا نقول إن قول الأشاعرة والماتريدية بأنه كان متصفًا بصفات وله الأسماء، ولكن لم تظهر آثارها ولم يفعل شيئًا إلا بعد أن أَوْجَدَ هذا العالم، نقول معناه أَنَّ ثَمَّ زمانًا مطلقًا طويلًا طويلًا جدًا ولم يكن الرب? فاعلا، ولم يكن لصفاته أثر ولا لأسمائه أثر في المربوبات.
ولا بد أنَّ الله? له? من يعبده? من خلقه، ولا بد أن يكون له? مخلوقات؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد، وهذه صفة مبالغة مطلقة في الزمن كله؛ لأنَّ (ما) اسم موصول وأسماء الموصول تعم ما كان في حيّز صلتها.
بَقي أنْ يقال إن قولهم (أراد ولكن إرادته كانت مُعَلَّقَة غير مُنْجَزَة) ونقول هذا تحكم؛ لأن هذا مما لا دليل عليه إلا الفرار من قول الفلاسفة ومن نحا نحوهم بِقِدَمِ هذا العالَم المنظور.
وهذا الإلزام لا يلزم أهل الحديث والسنة والأثر لأننا نقول إنَّ العوالِمْ التي سبقت هذا العالم كثيرة متعددة لا نعلمها، الله? يعلمها.
وهذا ما قِيلَ إنَّهُ يُسَمى بقِدَمِ جنس المخلوقات، أو ما يسمى بالقِدم النوعي للمخلوقات، وهذه من المسائل الكبار التي نكتفي في تقريرها بما أوردنا لكَ في هذا المقام المختَصَرْ.
المهم أن يتقرر في ذهنكَ أنَّ مذهب أهل الحديث والأثر في هذه المسألة لأجل كمال الربّ?، وأنَّ غَيْرَ قولهم فيه تنقّص للرب? بكونه مُعَطَّلًا عن صفاته أو بكونه? مُعَطَّلَا أن يفعل وأن تظهر آثار أسمائه وصفاته قبل خَلْق هذا العالم المعلوم أو المنظور.
إجابة أخرى:
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
عقيدة أهل السنَّة والجماعة: أن الله تعالى له صفات الكمال سبحانه، أو الصفات العليا، أو المثل الأعلى، وكل هذه الألفاظ لأهل السنة، مردُّها أن الله له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
ثانيًا:
ومن كمال الله المثبت له: أن يكون متصفًا بصفاته أزلًا، وأبدًا, ولتوضيح ذلك نقول:
” صفة الكلام “، الله تعالى متصف بها, ولم يأت عليه وقت لم يتصف بها، على عكس المخلوق الذي لم يكن قادرًا على الكلام – مثلًا – منذ ولادته، حتى تعلَّم بعد ذلك، فاستطاع الكلام.
وهذا ينسحب على سائر صفات الله تعالى كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ” وكما كان بصفاته أزليًّا: كذلك لا يزال عليها أبديًّا، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق, ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري “. ” شرح الطحاوية ” ( ص 131 ).
* وقال الإمام أحمد رحمه الله : بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق. انظر ” درء التعارض ” لابن تيمية ( 1 / 275 ).
* قال أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه المعروف بـ ” الحُجة على تارك المحجة ” ( 1 / 301 ):
وكذلك قول من قال: ” إن الخالق لا يسمَّى خالقًا، والرازق لا يسمَّى رازقًا، حتى يَخلُق، ويَرزق، ويَحصل منه الخلق، والرزق “!!, وقالوا: ” إنما قلنا هذا لأن العقل، والمشاهدة ينكران أن يتسمَّى أحدٌ بأنه فاعل، أو يتحلى بالفعل، إذا خلا عن الفعل في الحال, وإذا صح هذا: صحَّ أن الله لا يتصف بالخالق، والرازق، ما لم يخلق، ويرزق “!! فيقيسون الخالق بالمخلوق، ويشبهونه به …. انتهى.
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ومعلومٌ عند مَن يعلم الكتاب، والسنَّة، وأقوال سلف الأمة، وأئمتها: أنه ليس في الكتاب، ولا السنَّة شيءٌ يدل على أن الرب لم يكن الفعل ممكناً له في الأزل، أو لم يكن الفعل، والكلام ممكنًا له في الأزل، أو أنه لم يزل معطلاًّ عن الفعل، أو عن الفعل والكلام لم يزل معطلًا، ثم إنه صار قادرًا، فاعلًا، متكلمًا بعد أن لم يكن كذلك.
” الصفدية ” ( 2 / 163 ).
ثالثًا:
وقد قال أهل السنة: ” إن مِن صفات الكمال لله: دوام الفاعلية، كما قال الدارمي: ” الحي هو الفعَّال “. ” شرح الطحاوية ” ( ص 124 ).
ودوام الفاعلية يدل على دوام الفعل لله سبحانه وتعالى، ويلزم من دوام الفعل دوام المفعول.
* قال ابن أبي العز الحنفي: وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته فإن كل حيٍّ فعَّال، والفرق بين الحي والميت: الفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: ” الحيُّ: الفعال “، وقال عثمان بن سعيد: ” كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن كماله، من الكلام، والإرادة، والفعل.
ثم قال:
فإنه إذا لم يزل حيّاً قادرًا مريدًا متكلمًا – وذلك من لوازم ذاته -: فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل, ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه؛ فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدمًا لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن. ” شرح الطحاوية ” ( ص 124 ).
رابعًا:
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
لم يقل أحد من سلف الأمة ولا أئمتها إن هذه السموات والأرض خلقتا وحدثتا من غير أن يتقدمها مخلوق, وهذا وإن كان يظنه طائفة من أهل الكلام، أو يستدلون عليه: فهذا قول باطل؛ فإن الله قد أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء …. ” بيان تلبيس الجهمية ” ( 1 / 459 ).
* وقال ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله -:
وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ هَذَا الْعَالَمِ مَا هُوَ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) هود/ 7، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ – ( 3019 ) – وَغَيْرُهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ أَهْلُ الْيَمَنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ [ أَوَّلِ ] هَذَا الْأَمْر، فَقَالَ: ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ )، وَفِي رِوَايَةٍ: ( وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ )، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ )، وَفِي لَفْظٍ: ( ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ).
فَقَوْلُهُ: ( كَتَبَ فِي الذِّكْرِ ): يَعْنِي اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ،، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) الأنبياء/ 105، يُسَمَّى مَا يُكْتَبُ فِي الذِّكْرِ ذِكْرًا، كَمَا يُسَمَّى مَا يُكْتَبُ فِي الْكِتَابِ كِتَابًا.
وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ إِخْبَارُهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَانَ مَوْجُودًا وَحْدَهُ وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ دَائِمًا، ثُمَّ ابْتَدَأَ إِحْدَاثَ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ، فَجِنْسُهَا وَأَعْيَانُهَا مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ، وَأَنَّ جِنْسَ الزَّمَانِ حَادِثٌ لَا فِي زَمَانٍ، وَأَنَّ اللَّهَ صَارَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنَ الْأَزَلِ إِلَى حِينِ ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ ولا كَانَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْمُرَادُ إِخْبَارُهُ عَنْ مَبْدَأ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ(2653) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: «قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». فَأَخْبَرَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّ تَقْدِيرَ هَذَا الْعَالَمِ الْمَخْلُوقِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأَنَّ عَرْشَ الرَّبِّ – تَعَالَى – كَانَ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَاءِ.
دَلِيلُ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: إنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْيَمَنِ”جِئْنَاكَ لِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ”، [ هُوَ ] إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ مَشْهُودٍ مَوْجُودٍ، وَالْأَمْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ، أَيِ الَّذِي كَوَّنَهُ اللَّهُ بِأَمْرِهِ. وَقَدْ أَجَابَهُمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ بَدْءِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَوْجُودِ، لَا عَنْ جِنْسِ الْمَخْلُوقَاتِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْبَرَهُمْ عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَالَ كَوْنِ عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ عَنْ خَلْقِ الْعَرْشِ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ»، وَقَدْ رُوِيَ (مَعَهُ)، وَرُوِيَ (غَيْرَهُ)، وَالْمَجْلِسُ كَانَ وَاحِدًا، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَالَ أَحَدَ الْأَلْفَاظِ وَالْآخَرَانِ رُوِيَا بِالْمَعْنَى، وَلَفْظُ الْقَبْلِ ثبتَ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ. فَفِي صحيح مُسْلِمٍ (2713)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ»، الْحَدِيثَ. وَاللَّفْظَانِ الْآخَرَانِ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِنَّمَا يَرْوِيهِ بِلَفْظِ الْقَبْلِ، كَالْحُمَيْدِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَابْنِ الْأَثِيرِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا اللَّفْظِ تَعَرُّضٌ لِابْتِدَاءِ الْحَوَادِثِ، وَلَا لِأَوَّلِ مَخْلُوقٍ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَالُ: «”كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ”أَوْ”مَعَهُ”أَوْ”غَيْرَهُ”،”وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». فَأَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالْوَاوِ، «وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» رُوِيَ بِالْوَاوِ وَبِثُمَّ، فَظَهَرَ أَنَّ مَقْصُودَهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهُمْ بِبَدْءِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَهِيَ الْمَخْلُوقَاتُ الَّتِي خُلِقَتْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، لَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى خَلْقِهِمَا، وَذَكَرَ مَا قَبْلَهُمَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَوُجُودِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِابْتِدَاءِ خَلْقِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ قَدْ وَرَدَ بِهَذَا وَهَذَا، فَلَا يُجْزَمُ بِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِذَا رَجَحَ أَحَدُهُمَا فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الرَّسُولَ أَرَادَ الْمَعْنَى الْآخَرَ فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ، فَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَرِدْ «كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ» مُجَرَّدًا، وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى السِّيَاقِ الْمَذْكُور، ولَا يُظَنُّ أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِتَعْطِيلِ الرَّبِّ – تَعَالَى – دَائِمًا عَنِ الْفِعْلِ حَتَّى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
وَأَيْضًا: فَقَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «”كَانَ اللَّهُ وَلم يكن شَيْءٌ قَبْلَهُ”، أَوْ”مَعَهُ”، أَوْ”غَيْرَهُ”،”وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ وَحْدَهُ لَا مَخْلُوقَ مَعَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» يَرُدُّ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ وَهِيَ: «كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» إِمَّا حَالِيَّةٌ، أَوْ مَعْطُوفَةٌ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَوْجُودٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ. شرح الطحاوية (56).
خامسا:
ما دام أن استناد هذه الحوادث إلى الأول الذي ليس قبله شيء فلا محذور في ذلك.
* كما قال الشنقيطي رحمه الله في كتابه “رحلة الحج إلى بيت الله الحرام” ص51:
أما بالنظر إلى وجود حوادث لا أول لها بإيجاد الله، فذلك لا محال فيه ولا يلزمه محذور لأنها موجودة بقدرة وإرادة من لا أول له جل وعلا. وهو في كل لحظة من وجوده يحدث ما يشاء كيف يشاء؛ فالحكم عليه بأن إحداثه للحوادث له مبدأ؛ يوهم أنه كان قبل ذلك المبدأ عاجزًا عن الإيجاد سبحانه وتعالى عن ذلك. وإيضاح المقام أنك لو فرضت تحليل زمن وجود الله في الماضي إلى الأزل إلى أفراد زمانية أقل من لحظات العين أن تفرض أن ابتداء إيجاد الحوادث مقترن بلحظة من تلك اللحظات؛ فإنك إن قلت هو مقترن باللحظة الأولى قلنا: ليس هناك أولى البتة، وإن فرضت اقترانه بلحظة أخرى؛ فإن الله موجود قبل تلك اللحظة بجميع صفات الكمال والجلال بما لا يتناهى من اللحظات, وهو في كل لحظة يحدث ما شاء كيف شاء؛ فالحكم عليه بأن لفعله مبدأ، لم يكن فعل قبله شيئاً يتوهم أن له مانعًا من الفعل قبل ابتداء الفعل، فالحاصل أن وجوده جل وعلا لا أول له, وهو في كل لحظة من وجوده يفعل ما يشاء كيف يشاء؛ فجميع ما سوى الله كله مخلوق حادث بعد عدم، إلا أن الله لم يسبق عليه زمن هو فيه ممنوع الفعل سبحانه وتعالى عن ذلك. فظهر أن وجود حوادث لا أول لها إن كانت بإيجاد من لا أول له لا محال فيه, وكل فرد منها كائنًا ما كان فهو حادث مسبوق بعدم لكن محدثه لا أول له, وهو في كل وقت يحدث ما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى.
فالملخص: من لازم اتصاف الله بالكمال دوام اتصافه بصفاته أزلا وأبدا ودوام الفاعلية له سبحانه والتي يلزم منها دوام الفعل, وما دام استناد حوادث لا أول لها إلى الأول الذي ليس قبله شيء فلا محذور في ذلك, ولم يقل أحد من أهل السنة أنه لم يتقدم السماوات والأرض خلق.
والله أعلم.


