تفصيل وافٍ لحديث نَفَسيْ جهنم، والرد على من كذبه من الزنادقة

السؤال

دائما ما كنت أستغرب الحديث بأن الطقس إذا كان حارّا فإن هذا نفَس من أنفاس جهنم، فهل هذا الحديث ضعيف؛ لأنه وفقاً للحقائق التي سمعتها أننا نحصل على فصول السنة من خلال الشمس، وميل الأرض؟.

الجواب

الحمد لله

أولا:

الحديث المشار إليه في سؤال الأخ السائل هو في أعلى درجات الصحة، وقد اتفق على إخراجه الإمامان البخاري ومسلم، رحمهما الله.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ ).

رواه البخاري ( 3087 ) ومسلم ( 617 ).

وفي الباب حديث آخر، وقد اتفقا – أيضًا – على إخراجه:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ).

رواه البخاري ( 512 ) ومسلم ( 615 ).

ثانيًا:

وهل كان كلام النار، وشكوتها، كان بلسان المقال أم بلسان الحال؟ أكثر العلماء على الأول، وله نظائر كثيرة في الشرع المطهَّر، وهو الصواب، بلا ريب.

* قال الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قوله في هذا الحديث: ( اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضًا ) الحديث: فإن قومًا حملوه على الحقيقة، وأنها أنطقها الذي أنطق كل شيء، واحتجوا بقول الله عز وجل: ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ) النور/ من الآية 24، الآية، وبقوله: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) الإسراء/ من الآية 44، وبقوله: ( يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ) سبأ/ من الآية 10، أي: سبِّحي معه، وقال: ( يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإشْرَاقِ ) ص/ من الآية 18، وبقوله: ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) ق/ 30، وما كان من مثل هذا، وهو في القرآن كثير، حملوا ذلك كله على الحقيقة، لا على المجاز، وكذلك قالوا في قوله عز وجل: ( إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) الفرقان/ 12، و ( تكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ) الملك/ من الآية 8، وما كان مثل هذا كله.

وقال آخرون في قوله عز وجل: ( سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) و ( تكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ): هذا تعظيم لشأنها، ومثل ذلك قوله عز وجل: ( جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) الكهف/ من الآية 77، فأضاف إليه الإرادة مجازًا، وجعلوا ذلك من باب المجاز، والتمثيل في كل ما تقدم ذكره، على معنى أن هذه الأشياء لو كانت مما تنطق، أو تعقل: لكان هذا نطقها وفعلها.

فمَن حمل قول النار وشكواها على هذا: احتج بما وصفنا، ومن حمل ذلك على الحقيقة: قال: جائز أن يُنطقها الله، كما تنطق الأيدي، والجلود، والأرجل يوم القيامة، وهو الظاهر من قول الله عز وجل: ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) ق/ 30، ومن قوله: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) الإسراء/ من الآية 44 الآية، و ( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ) النمل/ من الآية 18، وقال: قوله عز وجل: ( تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ) الملك/ من الآية 8: أي: تتقطع عليهم غيظًا، كما تقول: فلان يتقد عليك غيظًا، وقال عز وجل: ( إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) الفرقان/ 12، فأضاف إليها الرؤية، والتغيظ، إضافة حقيقية، وكذلك كل ما في القرآن من مثل ذلك، واحتجوا بقول الله عز وجل: ( يَقُصُّ الْحَقَّ ) الأنعام/ من الآية 57.

ومن هذا الباب عندهم قوله: ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) الدخان/ من الآية 29، و ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ  وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً ) مريم/ 90، و ( قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) فصلت/ من الآية11، ( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) البقرة/ من الآية 74، قالوا: وجائز أن تكون للجلود إرادة لا تشبه إرادتنا، كما للجمادات تسبيح وليس كتسبيحنا، وللجبال، والشجر سجود وليس كسجودنا.

والاحتجاج لكلا القولين يطول، وليس هذا موضع ذِكره، وحمْل كلام الله تعالى، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم على الحقيقة: أولى بذوي الدِّين، والحق؛ لأنه يقص الحق، وقوله الحق تبارك وتعالى علوًّا كبيرا.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 5 / 11 – 16 ).

ثالثًا:

واختلف العلماء هل النفَسان اللذان لجهنم على الحقيقة، أم على المجاز، وأكثر العلماء على أن ذلك على الحقيقة أيضًا، والعلماء الذين حملوا كلام النار على حقيقته، وأنه كان بلسان المقال قالوا: بأن معنى كلامها على الحقيقة أيضًا.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته، قال: وإذا أخبر الصادق بأمر جائز: لم يُحتج إلى تأويله، فحمله على حقيقته: أولى، وقال النووي نحو ذلك، ثم قال: حمله على حقيقته هو الصواب، وقال نحو ذلك التوربشتى.

ورجح البيضاوي حمله على المجاز، فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضها بعضًا: مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفسها: مجاز عن خروج ما يبرز منها، وقال الزين بن المنير: المختار حمله على الحقيقة؛ لصلاحية القدرة لذلك، ولأن استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت، لكن الشكوى، وتفسيرها، والتعليل له، والإذن، والقبول، والتنفس، وقصره على اثنين فقط: بعيد من المجاز خارج عما أُلِف من استعماله. ” فتح الباري ” ( 2 / 19 ).

* وقال الزرقاني – رحمه الله -:

( أن النار اشتكت إلى ربها ) حقيقة، بلسان المقال، كما رجحه من فحول الرجال: ابن عبد البر، وعياض، والقرطبي، والنووي، وابن المنير، والتوربشتي، ولا مانع منه سوى ما يخطر للواهم من الخيال.

” شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ” ( 1 / 59 ).

وقد رأينا بعض أهل الزندقة والإلحاد يسخرون من هذا الحديث، ويعتقدون أنه مخالف للواقع الذي يعلمونه من أن اختلاف الفصول إنما يرجع للعلاقة بين الشمس والأرض، وراحوا يسخرون من الدين، ويطعنون في رواة الأحاديث، ومثل هؤلاء أقل من أن نتتبع سخافاتهم لنرد عليها، فهم رضوا لأنفسهم بالإلحاد، وشككوا قراءهم بوجود الله أصلا، فمن الطبيعي أن يكون هذا موقفهم مما هو دون التوحيد، مما جاء في الشرع.

وأما الرد القاصم لظهور أولئك الزنادقة، ومن طعن في سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم: فهو أسهل مما يتصورون؛ ذلك أن قولهم المأفون أن هذا الحديث يجعل تقلب الأرض في فصولها هو بسبب نَفَس جهنم: باطل من أصله؛ لوجهين:

الأول: أين في الحديث التعرض لفصل الربيع، والخريف؟!.

والثاني: أنه ليس في الحديث – أصلًا – إخبار الناس أن الصيف والشتاء هما من جراء نفَسي جهنم، بل فيهما التأكيد على وجود الفصلين ابتداء، وأن ” شدة الحر ” و ” شدة البرد ” هما من أثر نفَسَي جهنم، لا أنهما يكوِّنان ” الصيف ” و ” الشتاء “، بل في الحديث أن فصلي ” الصيف ” و ” الشتاء ” سابقاتن على شكوى جهنم، وهذا واضح بأدنى تأمل في الحديث.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قوله: ( فأذن لها بنفسين: نفسٍ في الشتاء، ونفس في الصيف ): فيدل على أن نفَسها في الشتاء: غير الشتاء، ونفَسها في الصيف: غير الصيف.

” التمهيد ” ( 5 / 8 ).

والإشكال عند من استشكل الحديث لا في تكوين الفصول بسبب نفسي جهنم، بل في شدة البرد والحر، وأن المعروف في ذلك أن السبب هو ” بُعد ” الشمس و” قربها ” عن رؤوس الناس، ونستطيع فهم الحديث النبوي الشريف وفق المعاني الآتية:

  1. تفسير الحسن البصري:

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأحسن ما قيل في هذا المعنى: ما فسره الحسن البصري، قال: ” اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا فخفِّف عنِّي، قال: فخفف عنها، وجعل لها كل عام نَفََسين، فما كان من بردٍ يُهلك شيئًا: فهو من زمهريرها، وما كان من سَموم يُهلك شيئًا: فهو من حرِّها “.

فقوله ” من زمهرير يُهلك شيئًا، وحرٍّ يهلك شيئًا “: يفسِّر ما أشكل من ذلك لكل ذي فَهم. ” الاستذكار ” ( 1 / 102 ).

  1. تفسير القاضي عياض:

* قال الزرقاني – رحمه الله -:

قال القاضي عياض: قيل: معناه: إنها إذا تنفست في الصيف: قوَّى لهبُ تنفسها حرَّ الشمس، وإذا تنفست في الشتاء: دفَع حرُّها شدة البرد إلى الأرض “.

” شرح الزرقاني ” ( 1 / 60 ).

وما قاله القاضي رحمه الله – أو نقله دون تعقب -: يجعل كلا النفَسين لجهنم: لهيبًا، وحرارة، فنفَس الصيف ونفَس الشتاء كلاهما صادر من ” نار جهنم ” أي: من حرارتها، ونيرانها، وسيأتي معنى آخر أليق منه.

  1. تفسير الحافظ ابن حجر:

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

والمراد بالزمهرير: شدة البرد، واستشكل وجوده في النار، ولا إشكال؛ لأن المراد بالنار: محلها، وفيها طبقة زمهريرية. ” فتح الباري ” ( 2 / 19 ).

  1. تفسير الشيخ العثيمين:

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث: دليل على أن الجمادات لها إحساس لقوله: ( اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضًا )، من شدة الحر، وشدة البرد, فأذن الله لها أن تتنفس في الشتاء، وتتنفس في الصيف, تتنفس في الصيف ليخف عليها الحرَّ, وفي الشتاء ليخفَّ عليها البرد, وعلى هذا فأشد ما نجد من الحرِّ: يكون من فيح جهنم, وأشد ما يكون من الزمهرير: من زمهرير جهنم.

فإن قال قائل: هذا مشكل حسَب الواقع؛ لأن من المعروف أن سبب البرودة في الشتاء هو: بُعد الشمس عن مُسامتة الرؤوس, وأنها تتجه إلى الأرض على جانب، بخلاف الحر، فيقال: هذا سبب حسِّي، لكن هناك سبب  وراء ذلك, وهو السبب الشرعي الذي لا يُدرك إلا بالوحي, ولا مناقضة أن يكون الحرُّ الشديد الذي سببه أن الشمس تكون على الرؤوس أيضا يُؤذن للنار أن تتنفس فيزدادُ حرُّ الشمس, وكذلك بالنسبة للبرد: الشمس تميل إلى الجنوب, ويكون الجوُّ باردًا بسبب بُعدها عن مُسامتة الرؤوس, ولا مانع من أنّ الله تعالى يأذن للنار بأن يَخرج منها شيءٌ من الزمهرير ليبرِّد الجو، فيجتمع في هذا: السبب الشرعي المُدرَك بالوحي, والسبب الحسِّي، المُدرَك بالحسِّ.

ونظير هذا: الكسوف، والخسوف, الكسوف معروف سببه, والخسوف معروف سببه.

سبب خسوف القمر: حيلولة الأرض بينه، وبين الشمس, ولهذا لا يكون إلا في المقابلة, يعني: لا يمكن يقع خسوف القمر إلا إذا قابل جُرمُه جرمَ الشمس, وذلك في ليالي الإبدار، حيث يكون هو في المشرق، وهي في المغرب  أو هو في المغرب، وهي في المشرق.

أما الكسوف فسببه: حيلولة القمر بين الشمس، والأرض, ولهذا لا يكون إلا في الوقت الذي يمكن أن يتقارب جُرما النيّرين, وذلك في التاسع والعشرين  أو الثلاثين، أو الثامن والعشرين, هذا أمر معروف , مُدرك بالحساب, لكن السبب الشرعي الذي أدركناه بالوحي هو: أن الله ( يخوّف بهما العباد ), ولا مانع من أن يجتمع السببان الحسي والشرعي, لكن من ضاق ذرعًا بالشرع: قال: هذا مخالف للواقع ولا نصدق به, ومن غالى في الشرع : قال: لا عبرة بهذه الأسباب الطبيعية، ولهذا قالوا: يمكن أن يكسف القمر في ليلة العاشر من الشهر! …. لكن حسَب سنَّة الله عز وجل في هذا الكون: أنه لا يمكن أن يَنخسف القمر في الليلة العاشر أبدًا.

” شرح صحيح مسلم ” ( شرح كتاب الصلاة ومواقيتها، شريط رقم 10، وجه أ ).

ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافيًا لتوضيح معنى الحديث، وأنه لا يمكن للشرع أن يخالف شيئًا محسوسًا في واقع دنيا الناس، وإنما أوتي الناس من جهلهم، إما بالشرع، وإما بواقع حال دنياهم، ولا يمكن أن يتعارض وحي مع وحي، ولا وحي مع واقع، البتة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة