العلاقة بين آية ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) مع حديث (لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا)
السؤال
أتعتقد أن هذا الحديث له علاقة بما نمر به هذه الأيام من تنامي نفوذ الشيعة؟ وإذا كان الجواب بلا: فما تفسير الحديث: حدثنا ابن بزيع البغدادي أبو سعيد قال ثنا إسحاق بن منصور عن مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: ” لمَّا نـزلت ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) كان سلمان إلى جنب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين إن تولينا استُبدلوا بنا؟, قال: فضرب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على منكب سلمان, فقال: ( مِن هذا وَقَومِه, والذي نفسي بيده لَوْ أنَّ الدّينَ تَعَلَّقَ بالثُّرَيَّا لَنالَتْهُ رِجالٌ من أهْل فارِس ).
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الحديث رواه الترمذي ( 3261 )، وفي إسناده مقال، لكن له طرق كثيرة يكون بها حسنًا، أو صحيحًا، وصححه ابن حبان ( 16 / 62 )، والألباني في ” صحيح الترمذي “، والأرناؤط في تحقيق ” صحيح ابن حبان “.
والقطعة الأخيرة من الحديث رواها البخاري ( 4615 ) ومسلم ( 2546 ) ولفظها: ( لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ – أَوْ قَالَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ – حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ ).
وأما اللفظ الآخر وهو: ( لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ ): فقد رواه أحمد في ” مسنده ” ( 13 / 331 ) وضعفه محققوه، وضعفه الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 2054 )، وفيها قوله: ” وجملة القول: أن الحديث ضعيف بهذا اللفظ: ” العلم “، وإنما الصحيح فيه: ” الإيمان “، و ” الدين “. انتهى.
والظاهر أن الأرجح رواية ( رجال ) وليس ( رجل ).
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
قوله ( لَنالَه رجال – أو رجل – من هؤلاء ) هذا الشك من سليمان بن بلال، بدليل الرواية التي أوردها بعده من غير شك، مقتصرًا على قوله ( رجال من هؤلاء )، وهي عند مسلم، والنسائي كذلك، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية ابن وهب عن سليمان بلفظ ( لَنالَه رجال من هؤلاء ) أيضًا بغير شك. ” فتح الباري ” ( 8 / 642).
ثانيًا:
وأما بخصوص الآية التي في الحديث، وعلاقتها به، وهي قوله تعالى: ( هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) محمد/ 38: فإننا نبين الحقائق الآتية:
- الحديث في ذاته ضعيف، ومن قَبَِله من العلماء فإنما فعل ذلك لتعدد طرقه، والطرق تختلف في أفرادها بعضها عن بعض.
- ولو فرضنا قبول الحديث بكليته: ففي الآية تأويلات ذكرها العلماء يحسن الوقوف عليها، ومنها:
أ. سياق الآية في الإنفاق، والقوم الذين سيأتون ليس مثل من يذهب الله بهم في الإنفاق، دون غيره.
* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:
يقول: ثم لا يبخلوا بما أُمروا به من النفقة في سبيل الله، ولا يضيعون شيئًا من حدود دينهم، ولكنهم يقومون بذلك كله على ما يُؤمرون به.
” تفسير الطبري ” ( 22 / 192 ).
ب. أن هذا من باب التخويف، وإلا فليس يوجد مثل الصحابة رضي الله عنهم.
* قال القرطبي – رحمه الله -:
وهو كقوله تعالى: ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) وهو إخبار عن القدرة، وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ” تفسير القرطبي ” ( 18 / 194 ).
ج. لم يتفق العلماء والمفسرون على القوم الذين سيحلون مكان المتولين هم الفرس؛ وذلك إما لضعف الحديث عندهم، أو لعدم وصوله لهم، أو يرون أن ذِكر ” الفرس ” لا ينفي غيرهم.
* قال الماوردي – رحمه الله -:
( يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم أهل اليمن، وهم الأنصار، قاله شريح بن عبيد.
الثاني: أنهم الفرس – وذكر حديث أبي هريرة -.
الثالث: أنهم مَن شاء مِن سائر الناس، قاله مجاهد.
” النكت والعيون ” ( 5 / 307، 308 ).
د. أنه لو فرض – جدلًا – أن الآية في الردة، وأن المقصود بهم العرب، وأن القوم الذين سيحلون مكانهم هم ” الفرس “: فإنها تحوي علماً غيبيًّا فيها بشارة للمسلمين من أهل الفرس أنه لا يحدث فيهم ردة عن الدِّين، وفيه إشارة لاحتمال وقوعها من غيرهم، وهو ما حصل بالفعل.
* قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:
وأقول: هو يدل على أن ” فارس ” إذا آمنوا: لا يرتدون، وهو من دلائل نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن العرب ارتد منهم بعض القبائل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدّ البربر بعد فتح بلادهم وإيمانهم ثنتي عشرة مرة، فيما حكاه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، ولم يرتد أهل فارس بعد إيمانهم.
” التحرير والتنوير ” ( 26 / 139 ).
ثالثًا:
وكما رأينا في الحديث والآية فإنه لا تعلق لهما بانتشار الرافضة في الأرض؛ لأن الكلام عن الفرس المسلمين، والرافضة الفرس ليسوا منهم، فإما أن يقال: لم يحصل تولي عموما لا عن الطاعة، ولا عن النفقة، فلم يحصل استبدال، أو يقال حصل التولي من بعض العرب فجاء الله تعالى بالبديل من مسلمي الفرس، فخدموا دين الله تعالى، وساهموا في نشره، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في ذلك.
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
قال القرطبي: وقع ما قاله صلى الله عليه وسلم عِيانًا، فإنه وُجد منهم – أي: من الفرس – من اشتُهر ذِكرُه من حفَّاظ الآثار، والعناية بها، ما لم يشاركهم فيه كثيرٌ من أحدٍ غيرهم. ” فتح الباري ” ( 8 / 643 ).
وإن أهل السنَّة للرافضة لبالمرصاد، وقد فضح الله خططهم، ودك عليهم قواعدهم، بما يسَّره من ليوث أهل السنَّة الذين سخَّرهم الله تعالى لخدمة دينه، ونصرة كتابه، ونبيه صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام.
والله أعلم.


