حكم التسبيح باستعمال برنامج ” المسبحة الإلكترونية “!

السؤال

انتشرت في المنتديات المسبحة الإلكترونية للتسبيح، وطريقتها سهلة، وهي تساعد على ذكر الله، وبصراحة فقد أعجبتني، وصرت هذه الأيام كلما فتحت الجهاز فتحت البرنامج، وقعدت أسبح، وأهلل، وأكون ملزمة نفسي، ولا أغلق الصفحة إلا حين أنتهي، وبدون ما أنظر: أنشغل، وأنسى، أنا أعرف أن التسبيح باليد أفضل، لكن أنا أكون مشغولة على ” النت “، هذه عندي أفضل، وردت أسال عن حكمها؛ لأني سمعت أنهم يقولون إنها من الصوفية, وأنا ما قصدت أقلدهم، أنا أذكر الله وفقط.

أتمنى أعرف الحكم، الله يعافيك، علمًا أني استفدت منها كثيرًا، وشكرًا.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

– اختلف العلماء في حكم ” السبحة “، فقال بعضهم إنها بدعة، وقال آخرون: إنها ليست كذلك، لكنهم لم يختلفوا فيها في مسائل، منها:

  1. أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم هو التسبيح باليد، فهو السنَّة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وعدُّ التسبيح بالأصابع: سنَّة، كما قال النبي للنساء ( سبِّحنَ واعقدن بالأصابع؛ فإنهن مسؤولات، مستنطَقات ). ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 506 ).

  1. أن التسبيح باليد هو الأفضل، والأولى.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله – أي: بأصابعه -؛ لأنهن (مستنطقات ) كما أرشد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

” فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 13 / 173 ).

  1. أن اتخاذها من باب التعبد بذاتها: لا يجوز.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

المسبحة إذا اتخذها الإنسان يعتقد أن في استعمالها فضيلة، وأنها من وسائل ذِكر الله عز وجل: فهذا بدعة، أما إذا استعملها الإنسان من باب المباحات، أو ليعد بها الأشياء التي يحتاج إلى عدها: فهذا من الأمور المباحة، أما اتخاذها دينًا، وقربة: فهذا يعتبر من البدع المحدثة.

انظر كتاب ” البدع والمحدثات وما لا أصل له ” ( ص 434 ).

  1. أن إظهار التسبيح بها رياءً: محرم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما اتخاذه – أي: التسبيح بالمسبحة – من غير حاجة، أو إظهاره للناس، مثل تعليقه في العنق، أو جعله كالسوار في اليد، أو نحو ذلك: فهذا إما رياء للناس، أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة، الأول: محرم، والثاني: أقل أحواله الكراهة؛ فإن مراءاة الناس في العبادات المختصة، كالصلاة، والصيام، والذِّكر، وقراءة القرآن: من أعظم الذنوب. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 506 ).

  1. أن التسبيح بها بالأصابع مع غفلة القلب واللسان عن الذِّكر: تسبيح باطل، لا أجر لصاحبه، وأما مع غفلة القلب وحده: فتسبيح ناقص عن الكمال.

* قال المناوي – رحمه الله -:

أما ما ألفهُ الغَفَلَة البَطَلَة، من إمساك سُبحة، يغلب على حباتها الزينة، وغلو الثمن، ويمسكها من غير حضور في ذلك، ولا فِكر، ويتحدث، ويسمع الأخبار، ويحكيها وهو يحرك حباتها بيده، مع اشتغال قلبه، ولسانه بالأمور الدنيوية: فهو مذموم، مكروه، من أقبح القبائح. ” فيض القدير ” ( 4 / 468 ).

هذه مما نرجو أن تكون مواضع اتفاق بين علمائنا المختلفين في حكم التسبيح بها، وقد سبق أن نقلنا في جواب آخر عن شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ العثيمين رحمهما الله أنها ليست بدعة، وأنها خلاف الأولى، ونقلنا عن الشيخ الألباني قوله ببدعيتها.

ثانيًا:

وقد اطلعنا على البرنامج المشار إليه في السؤال فرأينا أن القول بالمنع من استعماله في الذِّكر هو الأولى، والأقرب للصواب؛ لأسباب:

  1. أن العلماء الذين أجازوا استعمال ” السبحة ” إنما أجازوها لضبط العدد، وليس ثمة ذِكر في الشرع محدَّد بعدد أكثر من مئة مرة، فأي حاجة لبرنامج يحصي أعداد أذكار لم يأتِ فيها نص من الشرع على عدد محدَّد، كمثل ما في البرنامج من الاستغفار، وقول ” لا حول ولا قوة إلا بالله ” و ” سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ” و ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين “.

وفي البرنامج اثنا عشر ذِكرًا كلها لم يأت فيها نص في الشرع على الذكر بها بعدد محدد، إلا اثنين ، وهما: ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير “، و ” سبحان الله وبحمده “؛ وعليه: فالتزام عدد معيَّن لذكر الله به دون ورود ذلك في الشرع: بدعة.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الأصل في الأذكار والعبادات: التوقيف، وألا يُعبد الله إلا بما شرع، وكذلك إطلاقها، أو توقيتها، وبيان كيفياتها، وتحديد عددها، فيما شرعه الله من الأذكار، والأدعية، وسائر العبادات مطلقًا عن التقييد بوقت، أو عدد، أو مكان، أو كيفية: لا يجوز لنا أن نلتزم فيه بكيفية، أو وقت، أو عدد، بل نعبده به مطلقاً كما ورد، وما ثبت بالأدلة القولية، أو العملية تقييده بوقت، أو عدد، أو تحديد مكان له، أو كيفية: عبدنا الله به، على ما ثبت من الشرع له …

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 21 / 53 )، و ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 178 ).

  1. وما جاء عن العلماء الذين أجازوا استعمال السبحة لضبط العدد إنما هو للعاجز عن الضبط بيده، لا لكل أحدٍ.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين  رحمه الله -:

السبحة ليست بدعة دينية؛ وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة، وليس مقصودة. ” فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 13 / 173 ).

ولعلَّ الذين يعجزون عن ضبط هذا العدد بأيديهم أقل من القليل، وهذا الأقل لا نظنه يعجز عن العد بيده ويتقن استعمال الحاسوب، والدخول على مواقع الإنترنت.

* قال الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله -:

ليس في الشرع المطهر أكثر من ” المائة ” في عدد الذِّكر المقيد بحال, أو زمان, أو مكان, وما سوى المقيد : فهو من الذِّكر المطلق, والله سبحانه وتعالى يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيراً ) الأحزاب/ 41، إلى غيرها من الآيات, كما في: آل عمران/ 41, والأنفال/ 45, والأحزاب/ 35.

فتوظيف الإِنسان على نفسه ذِكرًا مقيَدًا بعددٍ لم يأمر الله به، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم هو: زيادة على المشروع, ونفس المؤمن لا تشبع من الخير, وكثرة الدعاء، والذِّكر, وهذا الأمر المطلق من فضل الله على عباده، في حدود ما شرعه الله من الأدعية، والأذكار المطلقة بلا عدد معين, كلٌّ حسب طاقته، ووُسعِه, وفَرَاغه, وهذا من تيسير الله على عباده, ورحمته بهم، وانظر لَمَّا ألزم الطرقية أنفسهم بأعداد لا دليل على تحديدها: وَلَّدَ لَهُمْ هذا الإِحداث بِدَعاً، من اتخاذ السُّبَح, وإلزام أنفسهم بها, واتخاذها شعارًا، وتعليقها في الأعناق, واعتقادات متنوعة فيها رغبًا, ورهبًا, والغلو في اتخاذها, حتى ناءت بحملها الأبدان, فَعُلِّقَتْ بالسقوف, والجدران, وَوُقِّفَت الوقوف على العَادِّين بها, وانْقَسَمَ المتعبدون في اتخاذها: نوعًا، وكيفيةً, وزمانًا، ومكانًا, وعددًا, ثم تطورت إلى آلة حديدية مصنعة, إلى آخر ما هنالك مما يأباه الله، ورسوله، والمؤمنون.

فعلى كل عبد ناصح لنفسه: أن يتجرد من الإِحداث في الدِّين, وأن يقصر نفسه على التأسي بخاتم الأنبياء والمرسلين, وصحابته رضي الله عنهم، فَدَع السُّبْحَة يا عبد الله, وتَأَسَّ بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم في عدد الذكر المقيَّد, ووسيلة العد بالأنامل, وداوم على ذكر الله كثيرًا كثيرًا، دون التقيد بعدد لم يدل عليه الشرع, واحرص على جوامع الذكر, وجوامع الدعاء.

” السبحة، تاريخها، وحكمها ” ( ص 102، 103 ).

  1. والبرنامج أسوأ من ” السبحة ” لمن ربط ذِكره لله تعالى باستعمال ذلك البرنامج؛ لعدم تيسر البرنامج كل حين، لكل أحد، ومن المعلوم أن ما يقضيه المسلم بعيدًا عن جهازه – غالبًا – أكثر مما يقضيه أمامه، فكيف له أن يذكر ربه وهو بعيد عن جهازه المذكِّر له؟! وهكذا يقال فيمن لا يملك أجهزة حاسوب، وهم أعداد كبيرة جدًّا من المسلمين.
  2. والبرنامج يحتسب على كل ضغط على ” الكيبورد ” عدداً جديدًا، فكيف لهذا الذاكر! أن يحتسب هذا العدد على ربه تعالى وهو مشغول في كتابة مقال، أو ممارسة لعبة بالضغط على مفاتيح ” الكيبورد “؟!.

* قال ابن الحاج العبدري – رحمه الله -:

وبعضهم يمسكها – أي: السبحة – في يده ظاهرة للناس، ينقلها واحدة واحدة، كأنه يعدُّ ما يذكر عليها، وهو يتكلم مع الناس في القيل والقال، وما جرى لفلان، وما جرى على فلان، ومعلوم أنه ليس له إلا لسان واحد، فعدُّه على السبحة على هذا: باطل؛ إذ إنه ليس له لسان آخر حتى يكون بهذا اللسان يذكر، واللسان الآخر يتكلم به فيما يختار، فلم يبق إلا أن يكون اتخاذها على هذه الصفة من الشهرة، والرياء، والبدعة. ” المدخل ” ( 3 / 205 ).

  1. وفي البرنامج أيقونة عنوانها ” أسماء الله الحسنى “، وبتأملنا في مادتها: وجدناها تحتوي على أسماء ليست لله تعالى، وكأن من اخترع البرنامج قد اغتر برواية الترمذي الضعيفة، والتي فيها سياق الأسماء التي زادها أحد الرواة من كيسه.
  2. فتحُ الباب لاختراع وسائل يُذكر فيها الله تعالى مع ورود النص الشرعي بطريقة النبي صلى الله عليه وسلم: فتح باب لشرٍّ كبير، وقد جرَّ التساهل في هذا الباب لربط المسلم نفسه بهذه الاختراعات، غافلًا عن الوسيلة التي خلقها الله معه، لا تفارقه البتة، وهي يده.

* قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

استقرت السنة على عقد الذكر العَدَدِيِّ بالأنامل ثم حصل التحول إلى وسيلة أخرى لِعَدِّ الأذكار في مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: عَدُّ الذكر بالحصى، أو النوى

المرحلة الثانية: عَدُّ الذكر به منظوماً في خيط: ” السُّبْحَة “.

المرحلة الثالثة: عَدُّ الذكر بآلة حديثة مُصَنَّعة .

فإِلى بيان التحول في مراحله الثلاث.

” السبحة، تاريخها، وحكمها ” ( ص 12 – 14 ).

وينبغي أن يضاف إلى تلك المراحل: المرحلة الرابعة، وهي عد الذِّكر باستعمال برنامج على الحاسوب! والله أعلم ماذا يكون بعد ذلك!.

ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافيًا للتحذير من استعمال البرنامج في عد ما جاءت الشريعة بتحديد عدد معين له، وأولى بالتحذير ما جاء الذِّكر فيه مطلقًا من غير تحديد عدد معين، وليعلم أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يعد التسبيح بيده، وأن العلماء كافة متفقون على الأولى، والأفضل، وهو التسبيح باليد، ولا يمكن أن يخالف في ذلك أحد وقد عُلم أن هذا هو هديه صلى الله عليه وسلم العملي.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة