تعمل بعيدًا عن أهلها وتعاني من الوحدة والعزلة

السؤال

أصبت بعاهة خَلقية منذ الولادة، وأمضيت سنوات عديدة من العلاج خلال طفولتي، لم أتعالج تمامًا، وتأخرت في دراستي، ورغم ذلك: استطعت الحصول على أعلى الشهادات – ولله الحمد -، والحصول على عمل حكومي، بعيدًا عن عائلتي، الحمد لله، رغم الآلام أستطيع المشي، والاعتماد على نفسي، عائلتي تركتني أعيش وحدي، ولم تشأ الانتقال للعيش معي، لم يتقدم لي أحد للزواج، السؤال: كيف أصبر على وحدتي وعزلتي؟ أنا أحتاج لهذا العمل كي أعيل نفسي، فوالدي كبير السن، وإخوتي كلهم منشغلون مع عائلاتهم ، أحيانًا أحس بأنني لا أستحق السعادة، وأستغفر الله، وأحاول الصبر، أضع الحجاب – ولله الحمد -، وأحاول التصبر، وأحمد الله، وأحلم بالجنة، كيف أستطيع التغلب على هواجسي، وضعف نفسي؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يُعظم لك الأجر على ما ابتلاكِ به، ولا شك أن لله تعالى الحكمة البالغة في ذلك، فالوصية لك: الاستمرار على احتساب مصيبتك عند ربك تعالى، والصبر على ذلك، وعدم التضجر والتسخط، وهذا هو حال المؤمن الذي تعجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الشاكر في السرَّاء، الصابر في الضراء، وخير خلق الله تعالى هم الرسل الكرام، ولننظر كيف كانت حياتهم مليئة بالابتلاءات، فهذا أيوب عليهم السلام صبر على ما ابتلاه الله به من بلاء في بدنه ثمان عشرة سنة، حتى صار مضرب الأمثال في الصبر، وهذا يعقوب عليه السلام ابتلاه ربه تعالى بغياب ابنيْه، وكلاهما صبر حتى فرَّج الله عنهم، ورفع قدرهم، وأجزل لهم المثوبة.

ثانيًا:

وأما بخصوص عملك – أختنا السائلة -: فإنه وإن كان الأصل هو أن المرأة تقر في بيتها، لكن لا يحرم عملها إن كان منضبطًا بضوابط الشرع، وخاصة مع الحاجة الماسة له من قبَلها، كأن تفقد المعيل الذي يُنفق عليها، وقد يتحتم في بعض الأحيان كأن تسد بعملها ثغرة مهمة تحفظ به أعراض النساء.

ومن أعظم الضوابط المهمة في عمل المرأة حتى يكون جائزًا: أن لا يكون معها في عملها رجال أجانب عنها، وقد ذكرنا أدلة تحريم الاختلاط والعمل المختلط في أجوبة سابقة.

ومن المهم كذلك أن يكون العمل في نفسه ليس في مجال محرَّم، فلا تعمل في بنك ربوي، ولا في مؤسسة تأمين، ولا في مصنع ينتج مواد محرَّم على المسلم استعمالها.

ثالثًا:

ومن المهم – أختنا السائلة -أن تقضي على وحدتك، وعزلتك عن الناس؛ لما في الوحدة والعزلة من مساوئ، ومضار، فالوحدة والعزلة طريق الفتنة، وفعل المعصية، والشك، والهم، والغم، والقلق، والاكتئاب، وغير ذلك مما يعلمه من يعاني جراء ما يعيشه من كان وحيدًا بعيدًا عن الناس.

ولذا كان من الواجب عليك المبادرة للقضاء على وحدتك وعزلتك عن الناس، ونقصد بالناس من يجوز أن يكونوا شركاء معك في السكن، وفي ذلك نوصيك بفعل أحد الأمور الآتية:

  1. أن تبحثي عن عمل مباح بقرب أهلك وأسرتك، فبذا تقضين على العزلة، وتشعرين بالأمان بينهم، وتقومين على رعاية والدك الكبير في السن، فإن عجزت عن ذلك ببدنك: فلا أقل من وجودك معه، والاستئناس بالقرب منه، واستئناسه بقربه منك.
  2. فإن كان الأمر الأول يصعب تحقيقه: فابحثي عن أخت فاضلة، أو اثنتين؛ لتسكنوا سوية في بيت واحد؛ فإن من شأن هذا أن يقضي على عزلتك ووحدتك، وأن يعينك على الطاعة والعبادة، فالمجموعة يذكر بعضهم بعضًا، ويشجع بعضهم بعضًا، وما يجرؤ الإنسان على فعله إن كان وحيدًا: لا يستطيع فعله مع وجود غيره معه.
  3. فإن لم يتيسر شيء مما سبق: فيمكنك البحث – في مكان عملك – عن أسرة لا يوجد فيها رجال أجانب، وأن تعرضي عليهم السكنى معهم، مقابل مشاركتهم بمصاريف البيت، ولا تخلو المجتمعات – عادة – من وجود أُسَر لمطلقة أو أرملة معهن بناتهن، ولا وجود لرجال في بيوتهن.
  4. فإن لم يتيسر شيء مما سبق: فالذي نوصيك به: عمل برنامج يومي منوع منضبط، يجمع بين قراءة القرآن، وقراءة ما يتيسر من كتب العلم، والاستماع لبرامج نافعة هادفة من المذياع أو من القنوات الإسلامية الموثوقة، وبذا تقضين على وقت الفراغ الذي يجلب الأمراض، ويقضي على العمر الذي يمضي منك من غير نفع، ولا فائدة.

واللهَ نسأل أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يملأ قلبك يقينًا، وحياتك سعادة، ووقتك طاعة ونفعًا.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة