أسباب سقوط ” الأندلس “

السؤال

هل من الممكن تسليط الضوء على الأسباب التي أدت إلى هزيمة المسلمين، واندحارهم، من الأندلس، والبرتغال، حتى يتسنَّى لنا تصحيح الأخطاء، ومحاولة معالجة ما يمكن معالجته؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

امتد حكم الإسلام على ” إسبانيا ” ثمانية قرون، وقد شيَّد المسلمون في تلك البلاد حضارة شهد لها التاريخ، ثم بدأ شمس الإسلام بالأفول عن تلك البلاد؛ لأسباب كثيرة، اجتمعت، فأدَّت إلى سقوطها بأيدي النصارى الحاقدين، الذين أقاموا ” محاكم التفتيش “، والتي كان يُنكَّل فيها بالمسلمين تنكيلًا ما سمع التاريخ بمثله، واستمروا على ذلك على قضوا على الوجود الإسلامي في تلك البلاد، ومحوا آثاره الدالة عليه، وكان ذلك في سنة 897 هـ ، 1492 م

ثانيًا:

وفي القرآن والسنَّة إشارات صريحة لما فيه عز المسلمين، وذلُّهم، فمتى تخلَّى المسلمون عن أسباب العزَّة: فإنهم يرضون لأنفسهم الذلَّ، وهو ما حصل في نهاية الدولة الإسلامية في بلاد الأندلس.

* ويمكن إجمال الأسباب الكثيرة للذل الذي يعاقب به من ترك أسباب العزة بسببين:

الأول: الانغماس في شهوات الدنيا، وملذاتها.

والثاني: ترك الجهاد في سبيل الله، بكافة أنواعه.

وهذان السببان هما أهم أسباب سقوط ” الأندلس ” في أيدي النصارى الحاقدين.

ومما يدل على ذينك السببين في الكتاب والسنَّة:

1. قوله تعالى: ( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) البقرة/ 195.

* وقد جاء تفسير هذه الآية عن أبي أيوب الأنصاري بما يُفهم الاستدلال بها:

عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّومِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ! يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا ( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاحِهَا، وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّة ).

رواه الترمذي ( 2972 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

2. عن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ).

رواه أبو داود ( 3462 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

ومِن أعظم ما حصل به الذل من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم: تركُ ما كان عليه مِن جهاد أعداء الله، فمن سلك سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم: عزَّ، ومَن ترك الجهاد مع قدرته عليه: ذل، وقد سبق حديث: ( إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه من رقابكم حتى تراجعوا دينكم )، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم سكة الحرث فقال: ( ما دخلت دار قوم إلا دخلها الذل )، فمَن ترك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد مع قدرته، واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة: حصل له من الذل ، فكيف إذا اشتغل عن الجهاد بجمع الدنيا من وجوهها المحرمة؟!.

” الحِكَم الجديرة بالإذاعة ” ( ص 249 ) ضمن ” مجموع رسائل ابن رجب ” المجلد الأول.

3. وقوله تعالى: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 216.

* قال القرطبي – رحمه الله – وهو ممن شهد سقوط الأندلس -:

والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة، وهو خير لكم، في أنكم تَغلِبون، وتَظفرون، وتَغنمون، وتُؤجرون، ومن مات: مات شهيدًا، وعسى أن تحبوا الدَّعة، وترك القتال، وهو شر لكم، في أنكم تُغلَبون، وتُذَلُّون، ويَذهب أمركم.

قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته.

” تفسير القرطبي ” ( 3 / 39 ).

وقد جمع الشيخ ناصر العمر حفظه الله مجموعة من الأسباب التي أدت إلى سقوط دولة الأندلس، وها نحن نسوقها الآن، وهي:

  1. ضعف العقيدة والانحراف عن المنهج.
  2. موالاة اليهود والنصارى، والثقة بهم، والتحالف معهم.
  3. الانغماس في الشهوات، والركون إلى الدَّعة، والترف، وعدم إعداد الأمة للجهاد.
  4. إلغاء الخلافة، وبداية عهد الطوائف.
  5. الاختلاف والتفرق بين المسلمين.
  6. تخلِّي بعض العلماء عن القيام بواجبهم.
  7. عدم سماع ملوك الطوائف لنصح العلماء وتحذيرهم.
  8. مؤامرات النصارى ومخططاتهم.
  9. وحدة كلمة النصارى.
  10. غدر النصارى ونقضهم للعهود.
  11. استماتة النصارى في سحق المسلمين.
  12. التخاذل عن نصرة من يحتاج إلى النصرة.
  13. الفرار عن مواطن المواجهة، والهجرة من الأندلس.
  14. الرضا بالخضوع، والذل تحت حكم النصارى.
  15. سوء السياسة، وإرهاق الأمة بالجبايات.
  16. الاضطراب السياسي، وكثرة الفتن، والمؤامرات.
  17. تقديم المصالح الشخصية، وغلبة الأنانية، وحُبُّ الذات.

* ويمكن الاطلاع على الكتاب هنا:

http://www.saaid.net/book/open.php?cat=84&book=1021

* كما يمكن الاستزادة من توضيح الأسباب بالنظر في كتب متعددة مؤلفة في الموضوع، ومنها:

  1. كتاب ” التكاثر المادي وأثره في سقوط الاندلس ” للدكتور عبد الحليم عويس.
  2. كتاب ” لماذا غربت شمس الإسلام عن الأندلس؟ ” للدكتور أبو النور أحمد الزعبي.

ثالثًا:

وأما ” البرتغال “: فقد كانت جزءً من ” الأندلس “، وكانت تعرف بـ ” بغربي الأندلس “، وقد كان أول ظهور لدولتهم في سنة 133 هـ، 750 م، وذلك في الجهة الشمالية من ” البرتغال “، وكان ذلك بسبب هجرة المسلمين من تلك الجهة بسبب حدوث مجاعة، واتخذوا من مدينة ” بورتو ” عاصمة لهم، وبدؤوا بالتوسع شيئًا فشيئًا من الأراضي الإسلامية كلما وجدوا ضعفًا فيها، وقد توسعوا كثيرًا بسبب ضعف المسلمين في ” الأندلس “، ونقلوا عاصمتهم إلى ” لشبونة “، وبذا يكونون مستولين على ” غرب الأندلس “، فاضطر المسلمون تحت حكم ” البرتغال ” إلى الهجرة إلى بلاد الإسلام، ولم يبق إلا من كان مستضعفًا، حتى صدر سنة 947 هـ، 1540 م قرار الدولة الصليبية البرتغالية بطرد من تبقى من المسلمين.

 

والله أعلم.

1 تعليق

  1. كتب الله لكم الاجر والثواب وتقبل منكم
    اسال الله العظيم رب العرش العظيم ان يعيد الامه الاسلاميه الى رشدها

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة