أنواع الصمت، وكيف تعالج نفسها من تعاني من الصمت حتى تفرَّق الناس عنها؟
السؤال
سؤالي هو: أنا أفتقد الصديقة في الحياة، والسبب: الصمت، فأحس أن الناس يبتعدون عني بسبب صمتي في بعض الأحيان، بل، وأغلبها، فما حكم التعارف في الإنترنت مع نفس جنسي – أنثى -، ومن بلاد أخرى؟ وهل يمكنكم إعطائي نصائح للخروج من صمتي المتواصل؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الصمت نوعان: نوع محمود مطلوب، وآخر مذموم مرفوض.
* وهذا بيان الفرق بينهما:
أما الأول: فهو ما جاءت النصوص الصحيحة الصريحة بالتوصية به، والوعد بالجنة لمن التزم به، وهو الذي يحتاج لجهاد نفس حتى يحصله، ومداره على أمرين:
أ. الصمت عن قول الزور، والفحش من القول.
ب. الصمت عن فضول الكلام، وعن المباح الذي قد يجر إلى ما لا تُحمد عقباه.
وهذه طائفة من النصوص النبوية، وأقوال العلماء في هذا النوع:
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ). رواه البخاري ( 5672 ) ومسلم ( 47 ).
- عَنْ سَهْلِ بنِ سعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ ). رواهُ البخاري ( 6474 ).
- وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَمَتَ نَجَا ).
رواه الترمذي ( 2501 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
* وأما أقوال العلماء فكثيرة، ومنها:
- * قال الحسن البصري – رحمه الله -:
أربع لا مثل لهن: الصمت، وهو أول العبادة، والتواضع، وذِكر الله، وقلة المشي. ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 21 / 37 ).
- * وقال عطاء بن أبي رباح – رحمه الله -:
كانوا يكرهون فضول الكلام. ” التمهيد ” ( 21 / 39 ).
- وقيل لبكر بن عبد الله المزني رحمه الله: إنك تطيل الصمت، فقال: إن لساني سبُع، إن تركتُه أكلني، وأنشد الخشني شعرًا:
لسان الفتى سبُعٌ عليه مراقب *** فإن لم يدع مرغوبه فهو آكله
” أدب المجالسة ” ( ص 78 ) لابن عبد البر.
ثانيًا:
وأما النوع الثاني من الصمت: فهو النوع المذموم، ومداره على أمرين:
- الصمت عن الجهر بالحق، والدعوة إلى الله.
- الصمت عن إنكار المنكر.
وقد جمع الحافظ ابن حجر رحمه الله هذه الأنواع جميعها في سياق واحد، فقال:
فالصمت المرغب فيه: ترك الكلام الباطل، وكذا المباح إن جرَّ إلى شيء من ذلك، والصمت المنهي عنه: ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه.
” فتح الباري ” ( 7 / 151 ).
ثالثًا:
والذي يظهر لنا أن ما تعانين منه أيتها الأخت يجمع النوعين السابقين، فأنتِ تصمتين عن بيان الحق، كما تصمتين عن إنكار المنكر، ويمكن عدُّ هذا النوع قسمًا ثالثًا من أنواع الصمت، وهو مرض، ينبغي أن تعالجي نفسك منه، وهو ما تطلبين منَّا النصح والتوجيه فيه، ومما نذكره لك في هذا الباب:
- أن تعلمي أن صمتكِ ليس من شرع الله، بل هو محرَّم ، فلعلَّ معرفة حكم صمتك أن يكون رادعًا لك من الالتزام بالصمت في أحوالك جميعها.
* قال ابن قدامة – رحمه الله -:
وليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه، قال قيس بن مسلم: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على امرأة من ” أحمس ” يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم فقال : ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها: ” تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من أعمال الجاهلية، فتكلمت ” رواه البخاري، وروى أبو داود بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا صمات يوم إلى الليل …. فإن نذر ذلك في اعتكافه، أو غيره: لم يلزمه الوفاء به، وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، ولا نعلم فيه مخالفًا. ” المغني ” ( 3 / 148 ).
- أن تبدئي بتعويد نفسك على الخروج من صمتك بالتدريج، وذلك بالانبساط في التكلم أولًا مع أقرب الناس منك، كأمك، وأختك، ثم تنتقلين إلى من هو أبعد، مثل صديقاتك، وهكذا، حتى تنتقلين إلى ما هو أوسع من ذلك، وذلك بالحديث في مجتمع الأخوات في المناسبات الشرعية، أو المباحة.
- كما ننصحك في كسر صمتك، وعلاج نفسك من ذلك المرض: بالتكلم مع الآخرين – ابتداء – من وراء حجاب، ونقصد به التكلم مع الأخوات في برامج المحادثة، مثل ” البال توك “، مع الالتزام بالضوابط الشرعية، من مثل الحديث في الغرف الخاصة بالأخوات، ولعلَّ ذلك أن يجرأكِ على الحديث بعد ذلك مواجهة.
رابعًا:
وأما بخصوص ما سألت عنه الأخت من حكم التعارف على بنات جنسها في ” الإنترنت”: فهو لا يخرج عن المباح الذي يكون في حياتها الطبيعية، مع الأخذ بعين الاعتبار أمور مهمة:
- الانتباه لمن يزعم أنه أنثى، وليس كذلك واقع أمره، وعليه: فتنتبه الأخت للتعارف العشوائي، وليكن تعارفها انتقائيًّا، فتعرفها على أخت موثوقة هو البداية، لتعرفها بعد ذلك على أخوات موثوقات، وهكذا تعرفها كل أخت على صديقة لها، ولتحذر من الوثوق المطلق بالناس؛ فإنه قد جرَّ آلامًا على كثيرين.
- أن تجعلي وقتًا مخصوصًا للأخوات اللاتي تعرفتِ عليهن، وعدم هدر الوقت في الحديث معهن، وليكن الكلام في المفيد النافع، لا في اللغو الضار.
- الحذر من إرسال صورك الشخصية لأحد، كائنًا من كان.
ولعلَّ في هذه المعرفة لأولئك الأخوات الفضليات ما يعينك على كسر الصمت في حياتك، وعلى بناء علاقات متينة مع الناس، وخاصة مع أقربائك، وصديقاتك، ونوصيك بحسن الاختيار للصحبة، وعدم إطلاق العنان للنفس في توسيع العلاقات، والاقتصار على من ينفعك في دينك، ودنياك.
والله أعلم.


