هل المسلم المقتول ظلمًا وغدرًا يكون شهيدًا؟ وهل من هُدم عليه بيته فمات كذلك؟

السؤال

أعرف أن المسلم الذي يموت دفاعًا عن نفسه فهو شهيد، ولو مات غريقًا، أو مات ببطنه: فهو شهيد أيضًا، لكن ما هو حال مَن مات على غِرَّة، ولم يكن قد منح الوقت ليأخذ قرار الدفاع عن النفس، كمن قُتل من الخلف، فهل يعدُّ هذا شهيدًا أيضًا؟ وما حال من سقطت المتفجرات على بيوتهم مثل الناس في غزة دون توقع منهم، ولم يعطوا الفرصة للدفاع عن أنفسهم، فهل هم أيضًا في عداد الشهداء؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الذي يظهر لنا أن قتل ظلمًا من قبَل كافر، أو من قبَل لصوص أو قطّاع طرق: أن له أجر الشهيد في الآخرة، وأما في الدنيا: فإنه يغسَّل، ويصلَّى عليه، ولا يُعامل معاملة قتيل المعركة.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 174 ):

ذهب الفقهاء إلى أن للظلم أثرًا في الحكم على المقتول بأنه شهيد، ويُقصد به غير شهيد المعركة مع الكفار، ومِن صوَر القتل ظلمًا: قتيل اللصوص، والبغاة، وقطَّاع الطرق، أو مَن قُتل مدافعًا عن نفسه، أو ماله، أو دمه، أو دِينه، أو أهله، أو المسلمين، أو أهل الذمة، أو مَن قتل دون مظلمة، أو مات في السجن وقد حبس ظلمًا.

واختلفوا في اعتباره شهيد الدنيا والآخرة ، أو شهيد الآخرة فقط؟.

فذهب جمهور الفقهاء إلى أن مَن قُتل ظلمًا: يُعتبر شهيد الآخرة فقط، له حكم شهيد المعركة مع الكفار في الآخرة من الثواب، وليس له حكمه في الدنيا، فيُغسَّل، ويصلَّى عليه.

وذهب الحنابلة في المذهب: إلى أن مَن قُتل ظلمًا: فهو شهيد، يلحق بشهيد المعركة في أنه لا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه؛ لقول سعيد بن زيد رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( مَن قتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد )، ولأنهم مقتولون بغير حق، فأشبهوا مَن قتلهم الكفار. انتهى.

ولا يشترط لتحصيل ثواب الشهداء أن يواجه ذلك المظلوم أولئك المعتدين، فإن قتلوه على حين غِرَّة: كان مستحقّاً لثواب الشهداء إن شاء الله، ومما يدل على ذلك: قتْل عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، رضي الله عنهما، فقد قتِلا ظلمًا، وغدرًا، ووصفهما النبي صلى الله عليه وسلم بالشهداء.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى ” أُحُدٍ ” وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، قَالَ ( اثْبُتْ أُحُدُ فَمَا عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ ). رواه البخاري ( 3483 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

على كل حال: هو رضي الله عنه – أي: عثمان بن عفان – كان معروفاً بكثرة القراءة، والتهجد، فدخل عيه أولئك المعتدون الظالمون، فقتلوه، فقُتل شهيدًا، وبذلك تحقق قول الرسول عليه الصلاة والسلام حينما صعد على جبل ” أُحُد “، وهو جبل معروف كبير في ” المدينة ” هو، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وارتجَّ بهم الجبل، وهذا من آيات الله، ليس هو ارتجاج نقمة، وخسف، لكنه ارتجاج فرَح، فلما ارتج بهم الجبل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( اثبت أُحُد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ) فالنبي هو عليه الصلاة والسلام، والصدِّيق: أبو بك، والشهيدان: عمر، وعثمان، وكلاهما رضي الله عنهما قُتل شهيدًا، أما عمر: فقُتل وهو متقدم لصلاة الفجر بالمسلمين، قُتل في المحراب، وأما عثمان: فقُتل وهو يتهجد في بيته في صلاة الليل، فرضي الله عنهما، وألحقنا وصالح المسلمين بهما في دار النعيم المقيم.

” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 129، 130 ).

ثانيًا:

وأما من مات بهدم بيته: فهو شهيد إن شاء الله من وجهين:

الأول: بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا كان هدم البيت بيد الكفرة المجرمين من اليهود، أوالصليبيين، ظلمًا، وعدوانًا؟! ونقصد بالشهيد هنا كما ذكرناه قبلُ وهو أن له أجر الشهداء في الآخرة، دون أن نطلق عليه لقب ” شهيد “؛ خروجًا من الخلاف في جواز إطلاق ذلك اللقب من عدم جوازه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ). رواه البخاري ( 2674 ) ومسلم ( 1914 ).

وذكرنا في جواب سابق فتوى لعلماء اللجنة الدائمة في رجاء أن يكون من يموت بحادث سيارة أنّ له أجر الشهيد، فما ها هنا أولى.

والثاني: أنه قُتل على يد كافرٍ حربي، وهو اليهود قاتلهم الله.

* قال الأستاذ عبد الرحمن بن غرمان بن عبد الله – حفظه الله -:

ذهب الجمهور، من الحنفية، والحنابلة، والصحيح من مذهب المالكية، وقول عند الشافعية: إلى أن مقتول الحربي بغير معركة: شهيد على الإطلاق، بأي صورة كان ذلك القتل، سواء كان غافلًا، أو نائمًا، ناصبه القتال، أو لم يناصبه.

في الصورة الأولى: وهي قتل الحربي للمسلم: يظهر لي – والله تعالى أعلم – رجحان قول الجمهور؛ لأن اشتراط القتل في المعترك: ليس عليه دليل بيِّن.

” أحكام الشهيد في الفقه الإسلامي ” ( 103 – 106 ) باختصار.

ثالثًا:

ومن المهم التفريق بين شهداء المعركة، وغيرهم ممن ذكرنا، سواء في الأجور يوم القيامة، أو في الأحكام الدنيوية.

*قال النووي – رحمه الله -:

واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:

أحدها: المقتول في حرب الكفار، بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة، وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه.

والثاني: شهيد في الثواب، دون أحكام الدنيا، وهو المبطون، والمطعون، وصاحب الهدم، ومَن قتل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الاحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا، فهذا يغسَّل، ويصلَّى عليه، وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.

والثالث: مَن غلَّ في الغنيمة، وشبهه، ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، إذا قُتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة. ” شرح مسلم ” ( 2 / 164 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة