تعليقات على كتاب ” يوم الغضب ” وكتاب ” دانيال ” وذِكر شروط ترقب علامات الساعة

السؤال

ما حكم بعض الدراسات الحديثة والتي تبحث في أمور الساعة، والغيب، من تحديد نهاية دولة ما، أو ظهور شخص ما، وتحديدها بفترة زمنية معينة بناءً على ما ورد في كتب الحديث، أو بعض كتب أهل الكتاب؟؛ فقد أطلعت على بحث للشيخ الكبير ” سفر الحوالي ” حفظه الله في دراسة على رؤية دانيال عليه السلام في موضوع ” رجسة الخراب “، وتوقع الشيخ بزوال دولة اليهود في عام 1433 هـ، بناءً على دراسته، وإن لم يجزم بذلك، حقيقة: استمتعت بقراءة البحث، ولكن سؤالي: هل هناك ضابط شرعي في التعامل مع ما ورد في كتب أهل الكتاب، وهل بإمكاننا تحديد علامات الساعة متى تقع من خلال دراسات بحثية في الكتب، أو من خلال دراسة الواقع؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا يختلف المسلمون أنه حصل تحريف في كتب أهل الكتاب مما نسبوه للرب تعالى، ولأنبيائهم عليهم السلام، ولذا كان الموقف الشرعي مما ورد في تلك الكتب موقفاً منضبطًا بأصول علمية، وقواعد متينة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد، لا للاعتقاد؛ فإنها على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا، مما يشهد له بالصدق: فذاك صحيح.

والثاني: ما علمنا كَذِبه بما عندنا مما يخالفه.

والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل: فلا نؤمن به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته؛ لما تقدم. ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 366 ).

والذي تقدَّم هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) رواه البخاري ( 3274 ).

والموقف من ” النبوءات ” في كتب أهل الكتاب هو ذات الموقف من أخبارهم وأحاديثم، وهكذا هو الأمر عند الشيخ سفر الحوالي حفظه الله، فقد قال:

وموقفنا من نبوءات أهل الكتاب هو نفس الموقف من عامة أحاديثهم، وأخبارهم، فهي ثلاثة أنواع :

أولًا: ما هو باطل قطعًا:

وهو ما اختلقوه من عند أنفسهم، أو حرَّفوه عن مواضعه، كدعوى أن نبي آخر الزمان سيكون من نسل داود عليه السلام، وأن المسيح الموعود يهودي، وطمسهم للبشارة بالإسلام ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ، وعمومًا هو: كل ما ورد الوحي المحفوظ – الكتاب، والسنَّة الصحيحة – بخلافه.

ثانيًا: ما هو حق قطعًا، وهو نوعان:

أ. ما صدَّقه الوحي المحفوظ نصًّا، ومن ذلك: إخبارهم بختم النبوة، وإخبارهم بنزول المسيح عليه السلام، وخروج المسيح الدجال، وإخبارهم بالملاحم الكبرى في آخر الزمان بين أهل الكفر وأهل الإيمان، ومن هذا النوع ما قد يكون الخلاف معهم في تفصيله، أو تفسيره.

ب. ما صدقه الواقع، كما في صحيح البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: كُنت باليمن، فلقيت رجلين من أهل اليمن: ذا كلاع، وذا عمرو، فجعلت أحدثهم عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال ذو عمرو: لئن كان الذي تذكره من أمر صاحبك: فقد مرَّ على أجله منذ ثلاث – قال ذلك عمرو لأنه كان على إطلاع بكتب اليهود باليمن – قال جرير: وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رُفِع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم، فقالوا: قُبِضَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستُخلف أبو بكر، والناس صالحون.

فقالا: أخبر صاحبك أنا قد جئنا ولعلنا سنعود إن شاء الله، ورجعا إلى اليمن، فحدثت أبا بكر بحديثهم ، فقال: أفلا جئت بهم، فلما كان بعدُ قال لي ذو عمرو: يا جرير! إن بك عليَّ كرامة، وإني مخبرك خبرًا، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمَّرتم في آخر، فإذا كان بالسيف كانوا ملوكًا، يغضبون غضبَ الملوك، ويرضون رضا الملوك.

رواه الإمام البخاري ( 4101 )، وانظر ” فتح الباري ” ( 8 / 76 ).

ثالثًا: ما لا نصدقه، ولا نكذبه:

وهو ما عدا هذين النوعين، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم ) رواه الإمام البخاري ( 4215 ).

ومن ذلك: إخبارهم عن ” الآشوري “، و ” رجسة الخراب “، وأمثالها، وكوننا لا نصدقه ولا نكذبه يعني: خروجه عن دائرة الاعتقاد، والوحي، إلى دائرة الرأي، والرواية التاريخية التي تقبل الخطأ والصواب، والتعديل والإضافة، أي: أن النهي لا يعني عدم البحث فيه مطلقًا، ولكنه بحث مشروط، وضمن دائرة الظن والاحتمال.

” يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب؟ ” الشيخ سفر الحوالي ( ص 11، 12 ).

ثانيًا:

والشيخ حفظه الله لم يخالف ما قرره، فهو – كما قال الأخ السائل – لم يجزم بتاريخ يحدده لزوال اليهود من أرض فلسطين المغتصَبة، وهذا نص كلامه في آخر كتابه، قال:

بقي السؤال الأخير والصعب: متى يحل يوم الغضب؟ ومتى يُدمر الله ” رجسة الخراب “؟ ومتى تفك قيود القدس وتعود لها حقوقها؟.

إن الإجابة قد سبقت ضمنًا، فحين حدد دانيال المدة بين الكرب والفرج، وبين عهد الضيقة وعهد الطوبى: كانت كما سبق ( 45 ) سنة.

وقد رأينا أن تحديده قيام ” دولة الرجس ” في القدس كان سنة ( 1967 م ) وهو ما قد وقع، وعليه: فتكون النهاية، أو بداية النهاية سنة ( 1967 + 45 ) = 2012 م، أي: سنة ( 1387 + 45 ) = 1433هـ.

وهو ما نرجو وقوعه ولا نجزم – إلا إذا صدقه الواقع – لكن لو دخل معنا الأصوليون في رهان كما دخلت قريش مع أبي بكر الصدِّيق بشأن الروم : فسوف يخسرون قطعاً ، وبلا أدنى ريب ، وبدون أن نلتزم بتحديد سنة معينة !! .

” يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب ؟ ” ( ص 130 ) .

ومن ردَّ على الشيخ بأن قيام ” دولة إسرائيل ” كان سنة 1948 م: فلم يصِب؛ لأن الشيخ حفظه الله نصَّ على اغتصاب اليهود لمدينة ” القدس “! وليس لأصل الاحتلال لفلسطين، وقيام دولة يهود، ومثل هذا لا يخفى على آحاد الناس، فكيف سيخفى على الشيخ؟!.

ثالثًا:

وما قلناه سابقًا هو توضيح لموقف الشيخ سفر الحوالي حفظه الله، وقد كثر اللغط على كتابه كثيرًا، ولسنا في صدد الدفاع عنه، ولا الرد عليه، ونلتزم جانب الحياد بخصوص الكتاب، ولا نلج فيما لا تحقيق لنا فيه.

وأما بخصوص كتاب ” دانيال “: ففيه من الخلط والخبط ما يصعب معه التوقف في أمره، والقول بأننا لا نصدقه ، ولا نكذبه، فنرى أن لا نأخذ منه شيئًا البتة، ولنا في ذلك سلف.

* قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -:

قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: و ” دانيال ” نبي من أنبياء إسرائيل، كلامه عبراني، وهو على شريعة ” موسى بن عمران “، وكان قبل عيسى بن مريم بزمان ، ومن أسند مثل هذا – أي: خبر السفياني الوارد في كتاب ” دانيال ” – إلى نبي عن غير ثقة، أو توقيف من نبينا صلى الله عليه وسلم: فقد سقطت عدالته، إلا أن يبيِّن وضعه ، لتصح أمانته، وقد ذُكر في هذا الكتاب من الملاحم، وما كان من الحوادث، وسيكون، وجمع فيه التنافي والتناقض بين الضب والنون! وأغرب فيما أغرب في روايته عن ضرب من الهوس والجنون! و فيه من الموضوعات ما يكذِّب آخرُها أوَّلَها، ويتعذر على المتأول لها تأويلها، وما يتعلق به جماعة الزنادقة من تكذيب الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم أن في سنة ثلاثمائة يظهر الدجال من ” يهودية أصبهان “، وقد طعنا في أوائل سبعمائة في هذا الزمان! وذلك شيء ما وقع، ولا كان، ومن الموضوع فيه المصنوع، والتهافت الموضوع: الحديث الطويل الذي استفتح به كتابه، فهلا اتقى الله وخاف عقابه، وإن من أفضح فضيحة في الدِّين نقل مثل هذه الاسرائيليات عن المتهودين! فإنه لا طريق فيما ذكر عن ” دانيال ” إلا عنهم، ولا رواية تؤخذ في ذلك إلا منهم، وقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة عن أبي هريرة قال: ” كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا )، وقد ذكر – أي: البخاري – في كتاب الاعتصام أن ابن عباس قال: ” كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزله الله على رسوله أحدث شيء تقرؤونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أهل الكتاب، بدلوا كلام الله، وغيَّروه، وقد كتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هذا من عند الله ؛ ليشتروا به ثمناً قليلًا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم “.

 * قال ابن دحية رضي الله عنه:

وكيف يُؤمن مَن خان الله وكذب عليه، وكفر، واستكبر، وفجر، وأما حديث الدابة: فقد نطق بخروجها القرآن، ووجب التصديق بها، والإيمان، قال الله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ).

” التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ” ( ص 511، 512 ).

رابعًا:

وأما بخصوص سؤال الأخ السائل ” وهل بإمكاننا تحديد علامات الساعة متى تقع من خلال دراسات بحثية في الكتب، أو من خلال دراسة الواقع ؟ “: فالجواب: أن التحديد مستحيل؛ فهو في عالم الغيب، فأنَّى لمسلم يتقي الله تعالى أن يحدِّد تاريخًا مستقبليًّا ويزعم أنه سيقع فيه كذا وكذا؟! هذه غاية الجرأة، أما توقع قرب حصول علامة من علامات الساعة باعتبارات شرعية، أو واقعية: فهذا لا حرج فيه، فلا يشك أحد أننا في زماننا هذا أقرب إلى الساعة من الزمان السالف، وكلما مرَّ على الأمة أزمنة كانت إلى الساعة أقرب منها مما سلفها من الأمم قبلها، فلا بأس بالترقب من غير قطع، ولا بأس من التوقع من غير جزم.

وبكل حال ففي هذه المسألة ضوابط تُحكم لجام الخائضين فيها، وتمنعهم من التعدي على الغيب.

* قال الشيخ محمد إسماعيل المقدّم – حفظه الله – تحت فصل ” لا يُستنكر توقع حصول شيء من أشراط الساعة بشروط ” -:

إن ترقب حصول أشراط الساعة التي تقع بإرادة الله عز وجل الكونية القدرية: ليس بدعة، ولا خطأ , خاصة إذا تعاقبت الإرهاصات, والمقدمات، التي جاءت بها الأخبار, ودليل ذلك: أن الصحابة رضي الله عنهم لما سمعوا رسول الله صلى الله عيه وسلم يحدثهم عن الدجال فخفّض فيه ورفّع, حتى ظنوا أنه في طائفة النخل ….

ولا يزال العلماء في كل عصر ومصر يتكلمون بذلك، ويتوقعون قربَ حصول بعص الأشراط، قال القرطبي رحمه الله تعالى: ” كل ما وقع في حديث معاوية هذا: فقد شاهدناه بتلك البلاد، وعاينَّا معظَمه إلا خروج المهدي “.

* ثم قال:

ولا شك أننا أقرب إلى هذه العلامة – وهي خروج المهدي – من أي وقت مضى .

* أما شروط هذا الضابط: 

فأولها: أن تبقى هذه الأشراط في دائرة التوقع المظنون، دون أن تتكلف إيجادها بإجراءات من عند أنفسنا؛ لأنها أمور كونية، قدرية، واقعة لا محالة, ولم نخاطَب باستخراجها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.

وثانيها: أن يراعى الترتيب الزمني لتسلسل الأشراط, طبقًا لما دلّت عليه نصوص الوحي الشريف, وعدم القطع بزمانٍ، أو ترتيب ما لا  دليل على زمنه وترتيبه إلا الظن والتخمين.

وثالثها: أن لا يؤثر هذا الترقّب سلبا على أداء واجب الوقت  وتكاليف الشرع.

والدليل على ذلك: أن صحابة رسول الله – صلى اله عليه وآله وسلم، ورضي الله عنهم أجمعين – قد صدَّقوا بهذه الأشراط، وكانوا أول المؤمنين بها، ولم يُهدروا التكاليف الشرعية، كالدعوة، وطلب العلم، والجهاد، انتظارًا لوقوعها، بل كان تصديقهم بها أكبر حافز لهم على التنافس في القُرُبات، والاجتهاد في الطاعات؛ امتثالًا منهم لأمر نبيهم صلى الله عليه وسلم (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا )، وذكر من أشراط الساعة ( طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَالدَّابَّةَ، وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ ). ” فقه أشراط الساعة ” ( ص 254 – 258 ) باختصار.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة