رئيس المركز الإسلامي عندهم تزوج نصرانية فهل فَعَل ما يستحق به العزل عن منصبه؟

السؤال

رئيس ” المركز الإسلامي ” في منطقتنا متزوج من امرأة مسيحية، فهل يجوز له أن يبقى في منصبه كمرشد ديني يقتدي به الناس؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

زواج المسلم من امرأة كتابية – يهودية أو نصرانية – مباح في شرع الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وقول جماهير أهل العلم هو الصواب، وهو مؤيد بنص من كتاب الله تعالى، قال عز وجل: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) المائدة/ 5.

والكتابية المباح التزوج بها: هي المحصنة العفيفة، والتي تُؤمن بدينها، ولو كان محرَّفًا، دون من تخلَّت عن دينها إلى لا دين، أو إلى إلحاد، أو إلى دينٍ وثني.

ثانيًا:

ولا يكاد يخفى على المسلمين حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين فيه دواعي اختيار المرأة المتزوج بها، فمن الناس من يَنكحها من أجل جمالها، ومنهم من يفعل ذلك من أجل مالها، وآخرون من أجل حسبها ونسبها، وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية الأمر على اختيار ذات الدين، والمقصود بها المتدينة، المطيعة، المستقيمة على أمر الله تعالى.

ولا شك أن الكتابيات غير داخلات في هذا الأمر، ومن هنا لم نجد حرص المسلمين من السلف على التزوج بالكتابيات كثيرًا، بل لم يفعله إلا القليل جدًّا حتى لا يكاد يُذكر؛ لما يعلمونه من خطر ذلك على أولادهم، ولما فيه من اختلاف الدين الذي يؤدي إلى اختلاف الطباع، والسلوك، ومن هنا – أيضًا -: رأينا أكثر العلماء يقولون بكراهة التزوج بالكتابية ،- والكراهة – كما هو معلوم – لا تنافي الإباحة، فهو فعل خلاف الأولى.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ويُكره نكاح الحرائر الكتابيات مع وجود الحرائر المسلمات، قاله القاضي، وأكثر العلماء  ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 461 ).

ولعلَّ الكراهة أن تشتد حين يتزوج تلك الكتابية من يشار إليه بالبنان من أهل العلم، والجاه، والسلطان؛ خشية من تتابع المقلِّدين، والتابعين، على الفعل نفسه، فتبور المسلمات، ويقوى سوق الكتابيات، ولا يخفى ما تعانيه المسلمات من ” عنوسة ” شديدة في هذه الأيام، في كافة البلدان الإسلامية.

وللعلماء والأئمة الذي يمنعون من التزوج بالكتابيات – مع قولهم بأصل الإباحة – وجهة نظر قوية، وأسباب تدفعهم لهذا القول، ومن ذلك:

  1. خوفهم من التزوج بمن ليس عفيفة، فيخالف من يفعل ذلك شرط الإباحة.

عن شقيق بن سلمة قال: تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عم : خلِّ سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. رواه ابن جرير الطبري في ” تفسيره ” ( 4 / 366 )، وصححه الحافظ ابن كثير في ” تفسيره ” ( 1 / 583 ).

  1. خوفهم من أن يتتابع المقلِّدون على التزوج بالكتابيات، وتُترك المسلِمات بلا زواج.

عن عامر بن عبدالله بن نسطاس: أن طلحة بن عبيد الله نكح بنت عظيم اليهود، قال: فعزم عليه ” عمر ” إلا ما طلقها.

رواه عبدالرزاق في ” المصنف ” ( 6 / 79 ).

* قال ابن جرير الطبري- رحمه الله – تعليقًا على قول عمر لحذيفة وطلحة -:

وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة رحمة الله عليهم نكاحَ اليهودية والنصرانية: حذرًا مِن أن يقتدي بهما الناس في ذلك، فيزهدوا في المسلِمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما.

” تفسير الطبري ” ( 4 / 366 ).

  1. ترتب مفاسد كثيرة على مثل ذلك الزواج.

وعليه:

فنقول: إن ما فعله رئيس المركز الإسلامي عندكم هو مكروه، وفي حقه هو: مكروه كراهة شديدة؛ لما له منصب رفيع بين المسلمين، ولما يترتب على ذلك الزواج من مفاسد كثيرة، ولكن ذلك لا يُسقط عدالته، ولا يوجب هجره، بل لا يجيز لكم فعل ذلك، على أننا لا ندري حقيقة سبب ذلك، فقد تكون تلك المرأة لها ظروف خاصة، ويكون التزوج بها سببًا لإسلامها، وبكل حال فهو لم يرتكب خارماً من خوارم المروءة، ولا فعل محرَّمًا، فارفقوا به، وكونوا يدًا واحدة، وخاصة في دياركم تلك، وأنتم أحوج ما تكونون للاجتماع، والائتلاف.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة