تخفي إسلامها عن أهلها في الصين فهل تزورهم مع نزع الحجاب ولبس البنطال؟
السؤال
زوجتي صينية، وقد اعتنقت الإسلام منذ ثلاث سنوات – والحمد لله -، عندما نذهب لزيارة أسرتها – أربع مرات في السنة تقريبًا- لا تلبس الحجاب في بيت أسرتها، وإنما ترتدي قبعة لتغطية شعرها إذا أرادت أن تخرج، كما أنها تلبس البنطال، والغرض من هذا كله: أنها لا تريد لأسرتها أن تعرف أنها مسلمة، فتسوء علاقتها بهم.
أريد أن أعرف الحكم الشرعي هنا، وهل اعتبر ديوثاً في هذه الحالة؟ وهل أنا مشترك في الإثم؟ وما العمل؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نحمد الله تعالى أن منَّ على زوجتك بالهداية، واختيارها لتكون من المسلمين، وتلك نعمة غالية، ينبغي الحفاظ عليها، وتنميتها، واحرص على أن تقف بجانبها في تعليمها أحكام الشرع، وتقوية إيمانها بفعل الطاعات، والابتعاد عن المعاصي، ونسأل الله أن يوفقكما لكل خير.
ثانيًا:
ولسنا نرى لها العذر في كشفها عن رأسها، ولا لبسها البنطال في بلدها – الصين -، وإن حالها يختلف عمن تكون مسلمة تخفي إسلامها وهي بين أهلها، تخشى على نفسها، فتلك التي تكون معذورةً فيما لا تستطيع عليه من أحكام الشرع، حتى تجد لنفسها سبيلًا في الخروج من بيت أهلها، أو في الهجرة من بلدها بالكلية إلى بلدٍ مسلم، تستطيع فيه إظهار شعائر دينها.
وفي مثل الحال الأولى نزل قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) النساء/ 97.
وفي مثل الحال الثانية نزل قوله تعالى: ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ) النساء/ 98.
وبما أن زوجتك خارجة عن أهلها، بل عن بلدها بالكلية: فليست معذورة بترك ما شرع الله تعالى من أحكام بعذر زيارة أهلها.
* قال الآلوسي – رحمه الله -:
والمراد: أنهم اعتذروا عن تقصيرهم في إظهار الإسلام، وإدخالهم الخلل فيه، بالاستضعاف، والعجز عن القيام بواجب الدِّين بين أهل مكة، فلذا قعدوا، وناموا، أو تعللوا عن الخروج معهم؛ والانتظام في ذلك الجمع المكسر بأنهم كانوا مقهورين تحت أيديهم، وأنهم فعلوا ذلك كارهين، وعلى التقديرين لم تقبل الملائكة ذلك منهم.
( فَأُوْلَئِكَ ) الذي شرحتُ حالهم الفظيعة، ( مَأْوَاهُمُ ) أي: مسكنهم في الآخرة، (جَهَنَّمَ ) لتركهم الفريضة المحتومة ، فقد كانت الهجرة واجبة في صدر الإسلام .
” تفسير الآلوسي ” ( 4 / 196 ) باختصار.
* وقال – رحمه الله -:
كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يُظهر دينه لتعرض المخالفين : وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يجوز له أصلًا أن يبقى هناك ويخفي دينه، ويتشبث بعذر الاستضعاف؛ فإن أرض الله تعالى واسعة، نعم، إن كان ممن لهم عذر شرعي في ترك الهجرة، كالصبيان، والنساء، والعميان، والمحبوسين، والذين يخوفهم المخالفون بالقتل، أو قتل الأولاد، أو الآباء، أو الأمهات، تخويفًا يظن معه إيقاع ما خوفوا به غالبًا، سواء كان هذا القتل بضرب العنق، أو بحبس القوت، أو بنحو ذلك: فإنه يجوز له المكث مع المخالف، والموافقة بقدر الضرورة، ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج، والفرار بدينه . ” تفسير الآلوسي ” (2 / 479).
ولعله من أعظم فوائد ما قلناه لكم إن استجابت زوجتك له: أن تحرص على دعوة أهلها للإسلام، وأن تبدأ بالبحث عن الطرق المناسبة لذلك، من المراسلة، والمحادثة، وإرسال المواد السمعية، والمرئية عن الإسلام، ولعل الله تعالى أن يهديهم للدخول في الإسلام، فيكون ذلك في ميزان أعمالكم ، وماذا يستفيد أهلها من إخفاء إسلامها وهي بعيدة عنهم كل ذل البُعد؟! وهنا لا تكون لزوجة قد ارتكبت تلك المحذورات، ولا نالك شيء من الحرج والإثم، وتكون قد أقامت الحجة على أهلها، وبرئت من مسئولية ذلك أمام الله؛ فإنه لا يسعها أن تبقى متنعمة بنعمة الإسلام، وتحرم أهلها منها.
* وأما بخصوص لقائها بأهلها: فيمكن أن يتم ذلك بإحدى هذه الصور:
- أن يلتزم أهلها بأمانها، وعدم التضييق عليها في حال زارتهم وهي مسلمة، وعليك الاستيثاق من ذلك بالطرق المناسبة بما يكون يقينًا.
- أن يتم اللقاء بينها وبين خاصة أهلها في بلد ثالث؛ لتأمن على نفسها منهم، ولتكون دعوتها لهم للإسلام مواجهة، وهو أبلغ من المراسلة، والمحادثة.
- أو يتم دعوة خاصة أهلها لبلدكم.
وبخصوص النفقات: فإنها بدلًا من زيارتكم لهم في بلدهم أربع مرات في السنة: تكون دعوتهم لبلدكم مرة، أو مرتين، ولعل في ذلك توفيرًا عليكم في النفقات، فإذا عُلم ما في ذلك من فوائد جمَّة، وما فيه من التخلص من ارتكاب آثام: كان ذلك دافعًا قويًّا للعمل بما نصحناكم به، سواء بدفع تكاليف رحلتهم لبلد ثالث، أو لمجيئهم لبلدكم.
والله أعلم.


