هل الأشاعرة من أهل السنَّة والجماعة؟ وما سر ترابطهم هم والصوفية أصحاب البدع؟.

السؤال

هل الأشاعرة من أهل السنَّة والجماعة؟ وما سر ترابطهم هم والصوفية أصحاب البدع؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

مصطلح ” أهل السنَّة والجماعة ” يعدُّ تزكية للمنتسب إليه، ويكفي المسلم شرفًا بعد إسلامه أن يكون على اعتقاد خير القرون، ومنهجهم، يلتزم الكتاب والسنَّة في الاستدلال على اعتقاده، وينضم للجماعة التي اجتمعت على ذلك، من الصحابة إلى من يبقى على ذلك إلى آخر الزمان.

ثانيًا:

وأهل السنة والجماعة هم طائفة واحدة، سارت على طريق الصحابة الكرام في الاعتقاد، والمنهج، لم يتخذوا غير الكتاب والسنَّة أدلة على ما يعتقدون، فاستحقوا بذلك لقب ” أهل السنَّة “، ولم يأتوا بما يفرِّق المسلمين من الأقوال والآراء، فاستحقوا لقب ” الجماعة “، فكانوا أحق بذلك اللقب من غيرهم ممن اتخذ العقل أو الذوق أو المنامات أدلة له في اعتقاده، ومنهجه.

* قال الإمام أبو نصر السجزي – رحمه الله -:

فأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح رحمهم الله عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه رضي الله عنهم فيما لم يثبت فيه نصٌّ في الكتاب، ولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم رضي الله عنهم أئمَّة، وقد أُمرنا باقتداء آثارهم، واتباع سنتهم، وهذا أظهر من أن يُحتاج فيه إلى إقامة برهان، والأخذ بالسنَّة، واعتقادها، مما لا مرية في وجوبه.

” رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ” ( ص 9 ) ترقيم الشاملة.

ومما لا شك فيه أن ” الأشعرية ” من الفرق التي تنكبت طريق الهداية، فخالفت مجمل اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، حتى إنك لو جمعت مدارس الأشعرية ومذاهبهم: لما رأيتهم يشتركون مع أهل السنَّة إلا في ” عدالة الصحابة ” مع بعض الاختلاف في التفاصيل.

* قال الشيخ سفر الحوالي – حفظه الله -:

من خلال استعراضي لأكثر أمهات كتب الأشاعرة: وجدت أن موضوع ” الصحابة ” هو الموضوع الوحيد الذي يتفقون فيه مع أهل السنة والجماعة، وقريب منه موضوع ” الإمامة “، ولا يعني هذا الاتفاق التام، بل هم مخالفون في تفصيلات كثيرة، لكنها ليست داخلة في بحثنا هنا؛ لأن غرضنا – كما في سائر الفقرات – إنما هو المنهج والأصول. ” منهج الأشاعرة في العقيدة ” ( ص 32 ).

* وكتاب الشيخ هذا قد زكاه طائفة من أهل العلم، منهم الشيخ العثيمين رحمه الله، حيث قال:

لكن الأشاعرة، مِن خير ما رأيت فيما كتب عنهم رسالة صغيرة للشيخ سفر الحوالي، تكلم فيها بكلام جيد، وبين فيها مخالفتهم لـ ” أهل السنة والجماعة ” في الأسماء والصفات، وفي الإيمان، وفي الوعيد، وفي أشياء كثيرة، مَن أحب أن يطلع عليها: فإنه يستفيد. ” لقاء الباب المفتوح ” (10 / السؤال رقم 14 ).

ثالثًا:

وما قاله الشيخ سفر حفظه الله، وأيده عليه الشيخ العثيمين رحمه: يؤكِّد أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنَّة والجماعة؛ لمخالفتهم للكتاب والسنَّة وإجماع السلف في مسائل كثيرة في الاعتقاد، ومن ذلك:

  1. المخالفة في القرآن:

أهل السنة يعتقدون أن القرآن كلام الله تعالى حقيقة، تكلم الله عز وجل فيه بحرف، وصوت، سمعه جبريل، فبلَّغه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

والأشاعرة يعتقدون أن هذا القرآن ليس هو كلام الله تعالى، بل هو ” عبارة عن كلام الله “، وقال بعضه : ” حكاية عن كلام الله تعالى “، أما كلام الله تعالى عندهم فهو الكلام النفسي، لذا فعندهم: لم يسمع جبريل عليه السلام القرآن من الله تعالى، وليس هو حروف، ولا أصوات.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

مَن قال ليس القرآن في المصحف، وإنما في المصحف مداد، وورق، أو حكاية، وعبارة: فهو مبتدع ضال، بل القرآن الذي أنزله الله على محمَّد صلى الله عليه وسلم هو ما بين الدفتين، والكلام في المصحف – على الوجه الذي يعرفه الناس – له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء، وكذلك مَن زاد على السنَّة فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة: فهو مبتدع ضال، كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف، ولا بصوت: فإنه أيضا مبتدع، منكرٌ للسنَّة.  ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 403 ).

  1. علو الله تعالى واستواؤه على عرشه:

وأهل السنَّة والجماعة يعتقدون بعلو الله تعالى على خلقه، وباستوائه على عرشه، استواء يليق بجلاله تعالى.

أما الأشاعرة: فيعتقدون إنكار العلو، وأن الله تعالى ليس في جهة العلو! ويقولون: ليس بداخل، ولا خارج، ولا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال!، وعند التأمل: يتبين أنه ليس لله عندهم وجود حقيقي؛ لأن هذا الوصف الذي يعتقدونه لا يصدق إلا على المعدوم

  1. الصفات الذاتية، والفعلية.

واعتقاد أهل السنَّة والجماعة أنهم يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وينفون عنه ما نفاه الله تعالى عن نفسه، ونفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يفرقون في هذا بين العزة والرحمة والعلم، وبين الاستواء والغضب، وبين اليد والوجه.

وأما الأشاعرة: فينفون الصفات الفعلية – وهي المتعلقة بالإرادة والمشيئة، كالاستواء، والغضب -، وينفون الصفات الخبرية – كاليد والوجه -، ولم يكتفوا بالنفي حتى أضافوا إليه تحريف معناها بما أطلقوا عليه اسم ” التأويل “، ولا يثبتون من الصفات الذاتية إلا سبع صفات! – وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع ، والبصر، والكلام النفسي – وهم غير موافقين لأهل السنَّة حتى في هذا الإثبات؛ لأنهم أثبتوها لله تعالى بدليل العقل، لا بدليل الكتاب والسنَّة.

* قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

وأما الإجماع: فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرناه عنهم، وكذلك أهل كل عصر بعدهم، ولم يُنقل التأويل إلا عن مبتدع، أو منسوب إلى بدعة.

والإجماع حجة قاطعة؛ فإن الله لا يُجمع أمة محمد عليه السلام على ضلالة، ومن بعدهم من الأئمة قد صرحوا بالنهي عن التفسير، والتأويل، وأمروا بإمرار هذه الأخبار كما جاءت، وقد نقلنا إجماعهم عليه فيجب به السمع؛ لعدم العلم بما سواه، وتحريم القول على الله تعالى بغير علم، بدليل قول الله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33.

ومن وجه آخر هو: أن اللفظة إذا احتملت معاني فحملها على أحدها من غير تعيين: احتُمل أن يُحمل على غير مراد الله تعالى منها، فيصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه، ويسلب عنه صفة وصف الله بها قدسه ورضيها لنفسه، فيجمع بين الخطأ من هذين الوجهين، وبين كونه قال على الله ما لم يعلم، وتكلف ما لا حاجة إليه، ورغبته عن طريق رسول الله، وصحابته، وسلفه الصالح، وركوبه طريق جهنم، وأصحابه، من الزنادقة الضلال. ” ذم التأويل ” ( ص 38 – 40 ).

* قال الإمام أبو نصر السجزي – رحمه الله -:

وينبغي أن يتأمل قول الكُلاَّبية، والأشعرية، في الصفات، ليُعلم أنهم غير مثبتين لها في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها، ويخالفونه. ” رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ” ( ص 35 ) الشاملة.

  1. تقديم العقل على النقل.

وأهل السنة والجماعة – كما سبق – لا يقدمون شيئا على الكتاب والسنَّة، وإنما استعمال العقول لفهم نصوص الوحي.

ومن معتقد الأشاعرة: أنهم يقدمون العقل على النقل إذا ما ظهر لهم تعارض بينهما، ويعتقدون أنهم بذلك ينصرون الدين وخاصة في ردهم على المعتزلة.

* قال الإمام أبو نصر السجزي – رحمه الله -:

ولا خلاف أيضاً في أن الأمة ممنوعون من الإحداث في الدين، ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يسمَّى محدِثاً ، بل يسمَّى سنيًّا، متبعًا، وأن مَن قال في نفسه قولًا، وزعم أنه مقتضى عقله، وأن الحديث المخالف له لا ينبغي أن يُلتفت إليه لكونه من أخبار الآحاد، وهي لا توجب علمًا، وعقله موجب للعلم: يستحق أن يسمَّى محدِثًا، مبتدعًا، مخالفًا، ومَن كان له أدنى تحصيل: أمكنه أن يفرِّق بيننا وبين مخالفينا بتأمل هذا الفصل في أول وهلة، ويعلم أن أهل السنة نحن دونهم، وأن المبتدعة خصومنا دوننا.

” رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ” ( ص 9 ، 10 ) الشاملة.

ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لا يسمى محدثا بل يسمى سنيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولًا وزعم أنه مقتضى عقله، وأن الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد وهي لا توجب علماً وعقله موجب للعلم، يستحق أن يسمى محدثًا مبتدعًا أ.هـ

انتهى.

  1. الإيمان.

والإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول، وعمل، قول القلب، واللسان، وعمل القلب ، واللسان، والجوارح، وهو يزيد وينقص.

وأما الإيمان عند الأشاعرة: فتصديق القلب، وإقرار اللسان، وهو لا يزيد ولا ينقص عندهم، وهم بذلك يوافقون المرجئة.

  1. القدر.

والأشاعرة غالبهم جبرية في القدَر.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والأشعرية الأغلب عليهم: أنهم مرجئة في باب ” الأسماء، والأحكام ” – أي: الإيمان -، جبرية في ” باب القدر “، وأما في ” الصفات “: فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم. ” مجموع الفتاوى ” ( 6 / 55 ).

رابعًا:

وبعد ما سبق ذِكره لا يبقى أدنى تردد في الحكم على فرقة الأشاعرة بأنها من الفرق الضالة، وأنهم لا يمكن أن يكونوا ” أهل السنَّة والجماعة “.

* قال الشيخ سفر الحوالي – حفظه الله – بعد ذِكر طائفة من مخالفاتهم في العقيدة:

بعد هذه المخالفات المنهجية في أبواب العقيدة كلها، وبعد هذا التميز الفكري الواضح لمذهب الأشاعرة، إضافة إلى التميز التاريخي: هل بقي شك في خروجهم عن مذهب أهل السنة والجماعة الذي هو مذهب السلف الصالح؟! لا أظن أي عارف بالمذهبين – ولو من خلال ما سبق هنا – يتصور ذلك.

” منهج الأشاعرة في العقيدة ” ( ص 32 ) الشاملة.

وننبه إلى أن الأشاعرة لا يحل لهم حتى الانتساب لأبي الحسن الأشعري، فهو قد تبرأ من مذهب الاعتزال الذي كان، وانتقل إلى مذهب ابن كُلاَّب، والأشاعرة إنما يتبعونه في مرحلته الثانية هذه، وبعض المحققين يرى أنه رحمه الله قد انتقل إلى مذهب السلف انتسابًا، وحقيقة، ومنهم من قال إنه رجع إلى مذهب السلف انتسابا بلا شك كما في كتابه ” الإبانة ” لكن لم يكن على قولهم في كل شيء، وهذا أقرب، فيقال هو على مذهب السلف في الجملة.

* قال أبو الحسن الأشعري – رحمه الله -:

فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافعة، والمرجئة، فعرِّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.

قيل له:  قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي عن السادة الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث ، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل – نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته – قائلون، ولما خالف قولَه مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم.

” الإبانة ” ( ص 20، 21 ) وهو من أواخر كتبه رحمه الله.

خامسًا:

أما علاقة الأشعرية بالتصوف: فله سبب عام، وآخر خاص، أما العام: فإن ما يهم الأشاعرة هو موافقتهم فيما يقولون به من المسائل السابقة، وغيرها، ومن كان منهم له اتجاه آخر مع تلك العقائد: فيستطيع نشرها، وهذه عادة تلك الفرق قديمًا، والأحزاب حديثًا، فالمهم عند الجميع: موافقتهم في أصولهم، وليكن عندك بعدها أي اعتقاد، أو توجه، فهو أمر لا يهمهم.

وأما الأمر الخاص: فهو تطبيق ما سبق ذِكره عمليًّا، وهو دخول أساطين التصوف في الأشاعرة، بموافقتهم فيما يقولون، مع إدخال التصوف الذي يعتقدونه على هذه العقيدة التي تتيح المجال لكل من أراد إدخال تصوراته فيها، ونذكر هنا شخصيات من الأشاعرة، تبنت العقيدة الأشعرية، وهي تعتقد التصوف، وتتخذه منهجًا لها، ومن هؤلاء: أبو القاسم القشيري، وأبو حامد الغزالي.

* قال الشيخ عبد الرحمن المحمود – حفظه الله -:

أما دور القشيري في المذهب الأشعري وتطويره فتمثل في جانبين:

أحدهما: دفاعه عن الأشاعرة وقت المحنة التي مرُّوا بها، وقد فاق في دفاعه عنهم أقطاب الأشاعرة في زمنه، وكتب رسالته ” الشكاية ” يبث فيها أشجانه، ويدافع عن الأشعري، وعن الأشاعرة، ويرد على التهم الموجهة إليهم، ويصوِّر الأمر وكأنه ليس في الأمَّة الإسلامية إلا الأشاعرة، والمعتزلة، وأن قول الأشاعرة إذا بطل لا يبقى إلا قول المعتزلة فهل يكون هو المعتمد؟!…..

وبهذا الدفاع الذي جاء بأسلوب بث الشكوى: برز القشيري كعلَم من أعلام الأشاعرة، وكان لذلك دوره في تبني ما كان عنده من تصوف.

الجانب الآخر: إدخال التصوف في المذهب الأشعري، وربطه به، وذلك حين ألف القشيري رسالته المشهورة في التصوف، وأحواله، وتراجم رجاله المشهورين، فذكر في أحد فصول الرسالة، وفي ثناياها أن عقيدة أعلام التصوف هي عقيدة الأشاعرة فنسب إليهم أنهم يقولون: ” إنه أحدي الذات، ليس يشبه شيئًا من المصنوعات، ولا يشبه شيء من المخلوقات ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرَض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصور في الأوهام، ولا يتقدر في العقول، ولا له جهة، ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان، … “.

ويركِّز على نفي أن الله في جهة العلو، ثم يقول في أواخر الرسالة: ” فإذا كان أصول هذه الطائفة أصح الأصول، ومشايخهم أكبر الناس، وعلماؤهم أعلم الناس: فالمريد الذي له إيمان بهم: إن كان من أهل السلوك والتدرج إلى مقاصدهم: فهو يساهمهم فيما خُصوا به من مكاشفات الغيب!، فلا يحتاج إلى التطفل على من هو خارج عن هذه الطائفة، وإن كان مريدًا طريقة الأتباع وليس بمستقل بحاله، ويريد أن يعرج في أوطان التقليد إلى أن يصل إلى التحقيق فليقلد سلفه وليجر على طريقة هذه الطبقة فإنهم أولى به من غيرهم “.

فهو يرى أن من أراد دخول طريقة التصوف: كوشف مع شيوخه، ومن لم يرد دخول طريقة التصوف: فعليه بتقليدهم في العقائد؛ لأنهم أولى من غيرهم.

ودعوى القشيري أن هذه عقائد شيوخ الصوفية ليست مسلَّمة، وليس هذا موضع مناقشة ذلك، ولكن الذي حدث هو تبني أعلام الأشاعرة للتصوف، وتمثل ذلك بشكل واضح في ” الغزالي “، ومن جاء بعده.

على أنه يجب أن لا يغيب عن البال هنا أن هناك من الأشاعرة من سبق ” القشيري ” إلى نوع من الارتباط بالتصوف، فـ ” المحاسبي الكلابي ” تصوفه مشهور، وكذلك كان من أخص تلاميذ أبي الحسن الأشعري ” بندار ” خادمه، و ” عبد الله بن خفيف ” وكانا من المتصوفة المشهورين.

وعبد القاهر البغدادي ذكر أنه: ” قد اشتمل كتاب ” تاريخ الصوفية ” لأبي عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من الصوفية، ما فيهم واحد من أهل الأهواء، بل كلهم من أهل السنَّة! سوى ثلاثة “، والبغدادي يقصد بأهل السنَّة: الأشاعرة، ولكن الذي تميز به القشيري أنه ذكر قواعد التصوف وأصوله، وأحوال المريدين، وآداب الصوفية، ودعا إلى سلوك طريقتهم، وفي أثناء ذلك نسب إليهم العقائد الأشعرية، وأنهم يخالفون المعتزلة، والمشبَّهة.

وقد يظن البعض أن تصوف القشيري كان تصوفًا سنيًا، بعيدًا عن شطحات وبدع الصوفية، ولكن المتمعن في كتبه يجد غير ذلك ….

” موقف ابن تيمية من الأشاعرة ” ( 2 / 593 – 596 )

سادسًا:

فالصحيح في انتساب الأشاعرة أن يكون: ” كُلاَّبية “، وليس ” أشعرية “، فضلًا أن يكونوا ” أهل السنَّة والجماعة “، وأنهم لو استقاموا على ما جهر به إمامهم في آخر حياته، وما التزم الاعتقاد به: لما وُجدت هذه الفرقة، والحكم عليهم بأنهم أهل بدع وأهواء هو حكم أئمة الإسلام الذي لا ينبغي قول غيره.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وقال – أي: ابن خويزمنداد المالكي – في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك: ” لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء”: قال:

أهل الأهواء عند مالك، وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم: فهو مِن أهل الأهواء والبدع, أشعريًّا كان، أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدًا، ويهجر، ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها: استتيب منها.

* قال أبو عمر – أي: ابن عبد البر -: ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله، أو نحوه: يُسلَّم له، ولا يناظر فيه. ” جامع بيان العلم وفضله ” ( 2 / 195 ).

وبه يتبين أن أهل السنَّة والجماعة هم طائفة واحدة، وهي أسعد الناس بشرف هذا الانتساب؛ لما تعْلمه من سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تعتقد ما يعتقده الصحابة الكرام.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم الناس بأقواله، وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها، وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباعا لهًا، تصديقًا، وعملًا، وحبًّا، وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها. ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 347 ).

– ونسأل الله أن يهدي ضال المسلمين إلى سواء السبيل.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة