حكم التعلُّم والتعليم في أماكن خاصة بأهل البدع
السؤال
ما حُكم من يتعلَّم، أو يُعلِّم، القرآن الكريم، في مكان يوجد فيه البدع والمنكرات، أو ما يُسمَّى بـ ” الأعمال الصوفية “, مع العلم أنّ هذا المكان ليس مسجداَ، وإنما مبنى يتكون من طابقين، ويحتوى على ” فصول “، وهو ما يسمَّى عندنا بـ ” المنارة “، أو ” الزاوية “, ومع العلم أيضًا أن تعليم القرآن يكون في وقت والناس – الصوفية – تأتي، وتعمل البدع في وقت غير الوقت الذي يُدرسُ فيه القرآن؟.
أرجو منكَ – فضيلة الشيخ – أن تأتي لي أيضًا بأقوال العلماء الكبار عن حُكم التدريس في المنارة، أو الزاوية – وهي منشرة بكثرة في بلادنا – لأنّي سوف أُعرض الفتوى على الناس الذين يُعلِّمون القرآن في هذا المكان؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الوارد في السؤال مسألتان:
الأولى: التعلُّم في أماكن خاصة بأهل البدعة.
والثانية: التعليم فيها.
والذي يظهر لنا أنه لا يجوز لأهل السنَّة غشيان مجالس أهل البدعة، وأماكنهم لتلقي العلم فيها؛ لأسباب:
- أن في ذلك تكثيرًا لسوادهم.
وقد بوَّب الإمام البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: ” باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ “، وروى تحته حديثاً برقم: ( 6674 ) عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْىِ ثُمَّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ، فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ).
قوله ” سواد الفتن والظلم ” أي: أهلهما، والسواد – بفتح السين المهملة وتخفيف الواو-: الأشخاص، كما في ” عمدة القاري ” للعيني ( 24 / 195 ).
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وفيه: تخطئة مَن يقيم بين أهل المعصية باختياره، لا لقصد صحيح …
” فتح الباري ” ( 13 / 38 ).
وسيأتي تتمة كلام الحافظ ابن حجر – إن شاء الله – فيما بعد.
- أن ذلك يؤدي إلى اغترار الناس بهم، وأنهم على خير وهدى، ويتأتى ذلك في حال كون الذاهب إليهم من خاصة أهل السنَّة، وقد ينسبونه إليهم.
* قال الأوزاعي – رحمه الله -:
يُعرف الرجل في ثلاثة مواطن: بأُلفته، ويُعرف في مجلسه، ويعرف في منطقه، قال أبو حاتم: وقدِم موسى بن عقبة الصوري ببغداد وذكر لأحمد بن حنبل فقال: انظروا إلى مَن نزل، وإلى من يأوي.
” الإبانة الصغرى ” لابن بطة ( 1 / 160 ).
وهو مما يستفاد من حديث صفية المشهور في الصحيحين، وفيه: أنه خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَجَازَا وَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَعَالَيَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ) قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا ):
* قال النووي – رحمه الله -:
وفيه: استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان، وطلب السلامة، والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق، وقد يخفى أن يبين حاله ليدفع ظن السوء. ” شرح مسلم ” ( 14/ 156، 157).
* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وفيه: التحرز من التعرض من سوء الظن، والاحتفاظ من كيد الشيطان، والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: ” وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يُقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم “. ” فتح الباري ” ( 4 / 280 ).
- احتمال الفتنة بعقيدتهم، والتزام منهجهم، ويتأتى ذلك في حال كون الذاهب إليهم من عوَّام أهل السنَّة، ممن لا يميز بين السنَّة والبدعة، ولا بين الهدى والضلال.
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
وظاهر كلام الشيخ – أي: بكر أبو زيد – أننا لا نجلس إليه – أي: صاحب البدعة – لأنه يوجب مفسدتين:
المفسدة الأولى: اغتراره بنفسه فيحسب أنه على حق.
المفسدة الثانية: اغترار الناس به حيث يتوارد عليه الناس، وطلبة العلم، ويتلقون منه، والعامي لا يفرِّق بين علم النحو، وعلم العقيدة، ولهذا نرى أن الإنسان لا يجلس إلى أهل البدع، والأهواء مطلقًا، حتى إن كان لا يجد علم العربية، والبلاغة، والصرف، إلا فيهم، فسيجعل الله له خيرًا منهم؛ لأننا كوننا نأتي هؤلاء، ونتردد عليه: لا شك أنه يوجب غرورهم، واغترار الناس بهم.
” شرح حلية طالب العلم ” ( ص 111 ).
ثانيًا:
وأما المسألة الثانية: وهو الذهاب لتلك المنارات، والزوايا، من أجل التعليم فيها: فهي محط نظر، ومجال اجتهاد، والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يرى جواز ذلك، وعلى القول بالجواز فلا بدَّ من تحقيق شرطين:
الأول: أن يكون المعلِّم صاحب اعتقاد قوي، وحكمة بالغة.
والثاني: أن يجهر بالحق، وينشر الاعتقاد الصحيح بين من يحضر تلك الدروس.
وفي تتمة كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعليقًا على حديث أبي الأسود، قال:
وفيه: تخطئة مَن يقيم بين أهل المعصية باختياره، لا لقصد صحيح مِن إنكار عليهم -مثلًا -، أو رجاء إنقاذ مسلم من هلكة. انتهى.
* وقال الشيخ عبد الكريم الخضير – رحمه الله – وهو ممن لا يرى الجواز -:
لا شكَّ أنَّ هُناك من الأماكن ما يُصانُ عنهُ العلم، مما يُزاول فيه مُحرَّم – مثلًا، نعم، يأتي هنا الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المُنكر، لكن إلقاء العلم الشَّرعيّ بـ ” قال الله، وقال رسُولُهُ ” في أماكن تُزَاوَل فيها المُحرَّمات: يُصان عنها المساجد، ويُصان عنها العلم الشَّرعي، قد يكون هذا المكان الذي يجتمع فيه النَّاس شيئًا طارئًا على بلدٍ من البلدان، على المُجتمع – مثلًا -، وجيء بِهِ من أُناس قد يكُون عندهم شيء من البدعة، أو شيء من التَّساهل في أمر الاحتياط للدِّين، وللنُّصُوص، وما أشبه ذلك، فمشابهتُهُم من هذهِ الحيثيَّة، بعضُهُم يتوقَّف في الدعوة في مثل هذه الأماكن، وفي إلقاء العلم، وما أشبه ذلك، وعلى كل حال: المسألة اجتهادية، فمَن توقَّف: فلا يُلام، لهُ حظٌّ من النَّظر، ومَن غشى هذه الأماكن حرصًا على الدعوة، وحِرْصًا على تبليغ العلم: نسأل الله جلَّ وعلا ألاَّ يحرمه أجر ما أراد، فاللهُ المُستعان، وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمهُ الله تعالى يَغْشَى هذهِ الأماكن، ولهُ هَدِي، ويُلقي فيها محاضرات، وأي مكان يُدْعَى إليهِ: يَسْتَجِيب، رحمهُ الله رحمةً واسِعة، وهناك من شيوخنا من أهل التَّحري منْ لا يَغْشَى هذهِ الأماكن، وكُلٌّ لهُ اجْتِهادُه ، وكون الأمة يُوجدُ فيها أمثال هؤُلاء، وأمثال هؤُلاء: أنا أعتبرُهُ من نِعَم الله جلَّ وعلا، يُوجد أُناس أهل تحرِّي، وتَثَبُّتْ، ولا يَسْتَجِيبُون لكلِّ ما يُدْعَونْ إليهِ؛ بحُجَّة الاحتياط، والحِفاظ على السُّنَّة، هذا خير، وللهِ الحمد، ويُوجد من يُبلِّغ هذا الدِّين على أعلى المُستويات تقوم بهِ الحُجَّة أيضًا، هذا خير.
أيضًا: تبليغ العلم من خلال القنوات – مثلًا -، أو الإذاعات، التِّي فيها خليط من الحلال والحرام! والقنوات التِّي فيها مزيج ممَّا يجوز، ومِمَّا لا يجُوز، هذه أيضًا تتجاذب فيها وُجهات النَّظر.
فبعضُ أهلِ التَّحرِّي يقول: أبداً إنَّ ما عند الله لا يُنال بسخطِهِ، أنا أبحث عمَّا عند الله جلَّ وعلا من ثوابِهِ، وأجرِهِ، من أجلِ تبليغ العلم، وإفادةِ النَّاس، وأُبلِّغ من خلال هذهِ القنوات التِّي فيها ما فيها، وبعضهم يقول: لا، أنا أُبلِّغ هذا العلم لأُناس لا يأتُون إلى المساجد، ولا يسمعون إلى وسائل التَّبليغ المُباحة، ولا يحضُرُون الدُّرُوس، ولا يدرُسُون العلم الشَّرعي، فأنا أُبلِّغُهُم من هذهِ الطَّريقة، هذهِ أيضاً وُجهة نظر، وإنْ كُنت أنا مع وجهة النَّظر الأُولى، أنا لا أغشى هذهِ الأماكن، ولا أُبلِّغ في غير ما كان عليهِ سلفُ هذهِ الأُمَّة، ويُوجد أيضًا من يجتهد اجتهاد آخر، واللهُ جلَّ وعلا يعذرهم على قدر نِيَّاتِهِم، والأُمُور بمقاصدها.
” ضوابط تبليغ العلم “، من موقع الشيخ حفظه الله:
والله أعلم.


