كان له ماضٍ سيء تاب منه وهي تشك بأنه باق على حاله فهل تفسخ الزواج منه؟

السؤال

أنا عمري 27 سنة، مخطوبة من 7 شهور للمرة الثانية – الأولى كانت سنتين -، قبلتُ بالشخص الثاني، وكان صريحًا من البداية بأنه اعترف لي بماضيه السيء، وأنه تاب عنه، وصدَّقته، وبعد فترة: اكتشفت أنه يكلم صديقته التي كان يزنى معها، وحلف لي أنه لم يتم بينهم شيء، وأنه فعلاً تاب، وأن الشيطان وجدها أمامه لكى يرجع عن توبته، لكنه ما زال لا يريد فعل هذه الفحشاء، لكن المشكلة أني لا أصدقه، وطلبت فسخ الخطبة، ولكنه تأثر كثيرا، وهو للعلم يتيم الأبوين، ويعيش بمفرده، وهذا هو ما يجعلني أشك به أكثر – أي: عيشته وحده -، والمشكلة الأكبر أني غير قادرة على فسخ الخطبة نهائيّا؛ بسبب أن هذه المرة الثانية، والمكان الذي أسكن به شعبي، سكانه لا ترحم، بعد فسخ الخطبة الأولى تعالجتُ نفسيّا بسبب ما حدث من كل مما حولي، لذلك لا أريد ذلك ثانيا، أستخير ربنا، ولا أعرف، أمور تسير وأمور تقف، يوم أثق ويوم لا أثق، يوم أريده ويوم لا أريده، أخاف الله، وأتمنى زوجا صالحا، وأبا يراعي الله في أولاده، وفي زوجته، أخاف من ماضيه، وأخاف من تركه، الموضوع معلق، لا أستطيع حسم أمري، وفي حيرة شديدة، فماذا أفعل بالله عليكم؟.

الجواب

الحمد لله

أولا:

يطلق لفظ اليتيم على الصغير الذي فقد أباه، فإن بلغ: لم يُطلق عليه ذلك اللفظ، ولم يستحق أحكام اليتيم.

عَن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ ). رواه أبو داود ( 2837 )، ورجح بعض أهل العلم وقفه على علي بن أبي طالب، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

والمراد بالاحتلام: خروج المني، سواء كان في اليقظة، أم في المنام، بحُلم، أو غير حلم، وهو من علامات البلوغ عند الذكور والإناث، وفي الغالب لا يحصل الإنزال إلا في النوم بحلم، ولذا أُطلق عليه الحُلُم، كما في قوله تعالى: ( وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) النور/ من الآية 59، وأطلق عليه الاحتلام، كما في هذا الحديث.

قال البغوي – رحمه الله -:

اليتيم: اسم الصغير لا أب له، له سهم من الخمس، فإذا بلغ: زال عنه اسم اليتيم، فلا يستحق ما يستحق بمعنى اليتم، والمراد من الاحتلام: البلوغ.  ” شرح السنة ” ( 9 / 200 ).

ولذلك بوَّب الإمام أبو داود على الحديث بقوله : ” باب ما جاء متى ينقطع اليتم ” .

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 99 ):

يتفق الفقهاء على أن البلوغ يحصل بالاحتلام مع الإنزال ، وينقطع به اليتم. انتهى.

ثانيًا:

لم يكن لخطيبك أن يعترف لك بماضيه الغابر، وكان الواجب عليه أن يستتر بستر الله، ولا يفضح نفسه، لا أمامك، ولا أمام غيرك، وإخبار أحد الزوجين للآخر بماضيه السيء من شأنه أن يفسد ما بينهما مستقبلا، كما في حالات كثيرة جدّا، وكما نبهنا عليه مرارا.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 170 ، 171  ):

يندب للمسلم إذا وقعت منه هفوة أو زلّة أن يستر على نفسه، ويتوب بينه وبين اللّه عزّ وجلّ وأن لا يرفع أمره إلى السّلطان، ولا يكشفه لأحد كائنا ما كان؛ لأنّ هذا من إشاعة الفاحشة الّتي توعّد على فاعلها بقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )؛ ولأنّه هتك لستر اللّه سبحانه وتعالى، ومجاهرة بالمعصية. قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا هذه القاذورة، فمن ألمّ فليستتر بستر اللّه وليتب إلى اللّه، فإنّ من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب اللّه ) – رواه البيهقي ( 8 / 330 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 663 -.

وقال صلى الله عليه وسلم: ( كلّ أمّتي معافىً إلاّ المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يعمل الرّجل باللّيل عملاً ثمّ يصبح وقد ستره اللّه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربّه ويصبح يكشف ستر اللّه عليه ) – رواه البخاري ( 5721 ) ومسلم ( 2990 ) -. انتهى.

ثالثا:

” الخطبة ” في اصلاح أكثر الناس والدول: أنها في المعقود عليها قبل الدخول، فيسمون هذه الفترة ” فترة الخطبة “، وهو في الحقيقة الشرعية: زواج، لكن لأنه لم يعلن الدخول: فثمة أحكام خاصة به، فيكون للمرأة نصف المهر إن حصل طلاق، ويُمنع الزوج من الدخول بها إلا بعد الإعلان عنه؛ لئلا يترتب عليه مفاسد يصعب حلها، وفسخ ” الخطبة ” هنا لا يكون إلا بالطلاق الشرعي.

وأما إن كان يُعنى بالخطبة: الرؤية الشرعية، ولم يتم بين الزوجين ووليها إيجاب، وقبول: فيكون – والحالة هذه – كلاهما أجنبي عن الآخر، ولم يجز لهما إلا الرؤية؛ من أجل القبول بإنشاء عقد الزوجية ، وهنا ليس شيء منعقد حتى يتم فسخه.

والذي ظهر لنا أن ما بينكما هو الخطبة على معناها الأول، فإن لم يكن الأمر كذلك: فلتحذروا من العلاقة بينكما؛ فإنها محرَّمة، إلا أن يكون ذلك من أجل الرؤية، والسؤال، كل منكما عن الآخر.

رابعًا:

وأما بخصوص مسألتك: فالذي شعرنا به هو صدق خطيبك – على المعنى الأول – في قوله، وأنه لو لم يكن كذلك لما أخبرك بماضيه، ولا أقسم لك على توبته؛ إذ ليس ثمة ما يلزمه بهما، واعترافه لك بحقيقة تكلمه مع تلك المرأة يدل – أيضا – على صدقه، هذا ما ظهر لنا، وحسابه على الله.

فمن أجل ذلك كله، ومن أجل ما عانيتِ منه في تجربتك الأولى: نرى أن تعيدي النظر في فسخ العلاقة بينكما، بل ننصح بتعجيل الزواج؛ حتى تقطعي الطريق على تلك الشيطانة أن تزين له إعادة العلاقة بينها وبينه، ومن أجل قطع الطريق على الشيطان بالوسوسة بما يسبب قطع العلاقة الشرعية بينكما، وإعادة كليكما إلى حال أسوأ مما كان عليه.

ولو أننا شعرنا بأنه عابث، وكاذب، أو علمنا منه ترك صلاة، أو فعل فواحش: لما ترددنا بنصحك بتركه، ولو أدى ذلك إلى مرضك نفسيّا، وبدنيّا، فهو بكل حال خير من الاقتران بمثل ذلك الرجل، لكن مثل هذا لم يظهر لنا فنصحناك بالبقاء على العلاقة بينكما، والتعجيل في إتمام الدخول.

هذا الذي ننصحك به، ونسأل الله أن لا يخيب زوجك ظننا به، كما نسأله تعالى أن يجمع بينكما على خير، وأن يؤلف بين قلبيكما، وأن يرزقكما الذرية الصالحة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة