هل تصح الفتيا من النساء؟ ومن كان يُعرف بالعلم والفتيا منهن في تاريخ الإسلام؟
السؤال
هل تصح الفتيا من النساء؟ ومن كان يُعرف بالعلم والفتيا منهن في تاريخ الإسلام؟
الجواب
الحمد لله
بعث الله تعالى رسولَه بالهدى ودين الحق، ليكون للعالَمين بشيرا ونذيرًا، وقد أدَّى النبي صلى الله عليه وسلم الأمانة، وبلَّغ الرسالة، وكان ممن سمع منه صلى الله عليه وسلم نساء ورجال، وهكذا قام من بعده بوظيفة التبليغ والتعليم الصحابة، ومن بعدهم، وكان في تلامذتهم نساء ورجال، وقد كانت الأمور منضبطة بضابط الشرع في أمور التعلم والتعليم، بعيدا عن الاختلاط المحرَّم، وليس فيه كشف لوجوه من تتعلم وتعلِّم.
والإسلام لا يفرِّق بين الرجال والنساء في أبواب العلم والفتيا، بل ولا العبيد والأحرار، ولذا فقد نصَّ أهل العلم على شروط المفتي، ولم يذكروا من الشروط الذكورة، ولا يُعرف في هذا خلاف بينهم.
* قال النووي – رحمه الله -:
شرط المفتي: كونه مكلفا، مسلما، ثقةً، مأمونًا، متنزها عن أسباب الفسق، وخوارم المرؤة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف، والاستنباط، متيقظا، سواء فيه الحر، والعبد، والمرأة، والأعمى، والأخرس إذا كتب، أو فُهمت إشارته. ” المجموع شرح المهذب ” ( 1 / 41 ).
وقد كان في هذه الأمة العظيمة من قام بواجب التعليم والفتيا من النساء، كما قام به من الرجال، نعم، إن عدد النساء لا يمكن مقارنته بالرجال بسبب طبيعة الرجل، وتعرضه للطلب عند الرجال، وسفره من أجله، لكن كل هذا لم يمنع من وجود نساء يقمن بمهمة التعليم، والفتيا، وعلى رأس أولئك النساء: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد كانت مقصد الرجال والنساء في الفتيا؛ بسبب قربها من النبي صلى الله عليه وسلم، وذكائها، وفطنتها.
* قال ابن عبد البر في ” الاستيعاب ” ( ص 609 ):
عن مسروق قال: رأيت مشيخةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض.
وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة.
وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر من عائشة.
وقال الزهري: لو جُمع عِلْم عائشة إلى عِلْم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وعِلم جميع النساء: لكان عِلم عائشة أفضل. انتهى.
وقد عدَّ ابن القيم رحمه الله المكثرين من الفتيا من الصحابة، وذكر منهم عائشة رضي الله عنها، وعدَّ أم سلمة رضي الله عنها من المتوسطين، وجعل أم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة، من المقلِّين في الفتيا.
انظر ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 12 ، 13 ).
ونحن نسوق هنا من وصفها الإمام الذهبي بكونها ” عالِمة ” في كتابه ” سيَر أعلام النبلاء “، – غير من سبق ذِكره من الصحابيَّات – ونذكر ما تيسر من ترجمتها، ليقف القارئ على توكيد ما قلناه بالواقع، ومن هؤلاء:
- صفية بنت شيبة.
* قال الذهبي – رحمه الله -:
صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، الفقيهة، العالمة.
” سير أعلام النبلاء ” ( 3 / 507 ، 508 ).
- أم الدرداء.
قال الذهبي – رحمه الله -:
أم الدرداء، السيدة، العالمة، الفقيهة، هجيمة، وقيل: جهيمة الأوصابية الحميرية الدمشقية، وهي أم الدرداء الصغرى
روت علمًا جمًّا عن زوجها أبي الدرداء، وعن سلمان الفارسي، وكعب بن عاصم الأشعري، وعائشة، وأبي هريرة، وطائفة.
وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم، والعمل، والزهد.
قال مكحول: كانت أم الدرداء فقيهة.
” سير أعلام النبلاء ” ( 4 / 277 ، 278 ).
- معاذة العدوية.
قال الذهبي – رحمه الله -:
معاذة بنت عبد الله، السيدة، العالمة، أم الصهباء العدوية البصرية، العابدة، زوجة السيد القدوة صلة بن أشيم.
روت عن علي بن أبي طالب، وعائشة، وهشام بن عامر.
حدث عنها: أبو قلابة الجرمي، ويزيد الرشك، وعاصم الأحول، وعمر بن ذر، وإسحاق بن سويد، وأيوب السختياني، وآخرون.
أرّخ أبو الفرج ابن الجوزي وفاتها في سنة ثلاث وثمانين
” سير أعلام النبلاء ” ( 4 / 508 ، 509 ).
- بنت المحاملي.
* قال الذهبي – رحمه الله -:
العالمة، الفقيهة، المفتية، أمة الواحد بنت الحسين بن إسماعيل.
تفقهت بأبيها، وروت عنه، وعن إسماعيل الوراق، وعبد الغافر الحمصي، وحفظت القرآن، والفقه للشافعي، وأتقنت الفرائض، ومسائل الدور، والعربية، وغير ذلك، واسمها ستيتة.
قال البرقاني: كانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة، وقال غيره: كانت من أحفظ الناس للفقهK ماتت سنة سبع وسبعين وثلاث مئة.
وهي والدة القاضي محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي.
” سير أعلام النبلاء ” ( 15 / 264 ).
- كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم أم الكرام المرزوية.
* قال الذهبي – رحمه الله -:
الشيخة، العالمة، الفاضلة، المسندة، أم الكرام، قال ابن نقطة: نقلت وفاتها من خط ابن ناصر سنة خمس وستين وأربع مئة.
قلت: الصحيح موتها في سنه ثلاث وستين.
” سير أعلام النبلاء ” ( 18 / 233 ، 234 ).
- عائشة بنت حسن بن إبراهيم.
* قال الذهبي – رحمه الله -:
الواعظة، العالمة، المسندة، أم الفتح الأصبهانية، الوركانية.
قال ابن السمعاني: سألت الحافظ إسماعيل عنها، فقال: امرأة صالحة، عالمة، تعظ النساء. انتهى. ” سير أعلام النبلاء ” ( 18 / 302 ).
وذكر الذهبي رحمه الله وفاتها في ” العبر ” سنة 460 هـ.
- فاطمة الدقَّاق.
* قال الذهبي – رحمه الله -:
فاطمة بنت الأستاذ الزاهد أبي علي، الحسن بن علي الدقاق، الشيخة، العابدة، العالمة، أم البنين، النيسابورية، أهل الأستاذ أبي القاسم القشيري، وأم أولاده.
حدث عنها: عبد الله بن الفراوي، وزاهر الشحامي، وأبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد حفيدها، وآخرون
ماتت في ذي القعدة، سنة ثمانين وأربع مئة، ولها تسعون سنة، رحمها الله.
” سير أعلام النبلاء ” ( 18 / 479 ، 480 ).
- بنت زعبل.
* قال الذهبي – رحمه الله -:
الشيخة، العالمة، المقرئة، الصالحة، المعمرة، مسندة نيسابور، أم الخير، فاطمة بنت علي بن مظفر بن الحسن بن زعبل بن عجلان البغدادي، ثم النيسابورية.
قلت: حدَّث عنها أبو سعد السمعاني، وأبو القاسم بن عساكر، والمؤيد بن محمد، وزينب الشعرية، وجماعة.
توفيت في أوائل المحرم، سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة، وقيل: توفيت في سنة ثلاث وثلاثين. ” سير أعلام النبلاء ” ( 19 / 625 ).
- فاطمة بنت البغدادي.
* قال الذهبي – رحمه الله -:
الشيخة، العالمة، الواعظة، الصالحة، المعمرة، مسندة أصبهان، أم البهاء، فاطمة بنت محمد بن أبي سعد أحمد بن الحسن بن علي بن البغدادي الأصبهاني.
حدث عنها: السمعاني، وابن عساكر، وأبو موسى المديني، ومحمد بن أبي طالب بن شهريار، وعبد اللطيف بن محمد الخوارزمي، ومحمد بن محمد بن محمد الراراني، وجعفر بن محمد آيوسان، وابن بنتها داود بن معمر.
وقال أبو موسى: توفيت في الخامس والعشرين من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمس مئة. ” سير أعلام النبلاء ” ( 20 / 148 ).
* وبعد:
فهذه طائفة من نساء فاضلات، عالمات، مفتيات، ولا يمنع الإسلام من تولي النساء الفتيا في الإسلام، وبما أن الرجال يكفون المئونة للرجال: فلا حاجة لأن تفتي النساء لهم، وتبقى الحاجة لهن في فتيا النساء، وبخاصة في المسائل التي تتحرج المرأة من سؤال الرجال عنها، أو يتحرج الرجل من التفصيل فيها، ولا يلزم من قولنا بجواز أن تكون المرأة مفتية: أن تزاحم المفتين من الرجال في أماكن عملهم، ولا أن يقصدها الرجال والنساء على السواء، والذي نراه تكرمة لهؤلاء العالمات المفتيات أن يكون لهن مكاتب خاصة بهن، يقصدهن النساء دون الرجال للسؤال عن الشرع، أو تفرَّغ في بيتها من قبَل الدولة، أو بعض المؤسسات الخيرية، لتقوم بمهمة الفتيا للنساء على الهاتف، أو عبر مواقع الإنترنت الخاصة بالنساء، وقد نفتي بالتوسع لها في إجابة طالبي الفتيا من الرجال والنساء: إذا كانت الإجابة عن طريق المراسلة، وتضيق إذا كانت عن طريق الهاتف، وتُمنع إن كانت مواجهة.
والله أعلم.


