قصة خيالية “مش بحب الشاي من غير نعناع يا رب”!
السؤال
ذكر بعض القصاصين حكاية هو قال عنها “أغرب من الخيال”! أمير سعودي يمشي وحده في الظلام، يجد رجلا وحيدا، يطلب لحما فيأتيه فورا، يطلب مخدة فيأتي حجاج مغاربة يفرشون بجانبه، يطلب هواء فتهب نسمة، يطلب سيارة فتأتي سيارة دورية للحج… فما هو التعقب العلمي عليها ؟
الجواب
الحمد لله
فإن هذه القصة التي يكثر تداولها في سياق الوعظ، تشتمل على مخالفات شرعية وعقلية ومنهجية واضحة، ونفصل القول فيها عبر النقاط الآتية:
١. القصة تصور مقام الولاية والصلاح على أنه ترك للأخذ بالأسباب، وهذا مخالف لهدي الأنبياء والمرسلين، فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأسباب في هجرته وحروبه، وكان يلبس الدرع ويعد العدة، وقد قال الله تعالى لحجاج بيته: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} البقرة/ ١٩٧.
والتوكل الحقيقي هو اعتماد القلب على الله مع بذل السبب، كما في الحديث: “لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً“، فالطير تغدو وتروح بحثاً عن الرزق ولا تنتظر في عشها.
٢. القصة تظهر الرجل وكأنه يطلب طلبات من قائمة مطعم وينتظر التوصيل (اللحم، الشاي بالنعناع، المخدة، النسمة الباردة).
ورغم أن الله يحب أن يسأله العبد كل شيء، إلا أن هذه الطريقة الجازمة التي تخلو من التذلل والافتقار لا تليق بمقام العبودية، بل فيها نوع من “الإدلال” على الله، كأنه يرى لنفسه حقّا واجبا على ربه أن يلبيه فورا وبنفس التفاصيل.
بل وفيها من سوء الأدب مع الله تعالى الحديث معه كأنه قد ينسى ما يحبه هذا الطالب الداعي! فيذكّره بأنه لا يحب الشاي إلا بالنعناع!
٣. الحاج في تلك المشاعر العظيمة يكون مشغولا بطلب المغفرة والعتق من النار وسؤال الجنة.
والانشغال بتفاصيل رفاهية البطن والراحة في مقام الشعث والغبرة يتنافى مع التذلل المطلوب في الحج، كما جاء في الحديث: “إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ فَيَقُولُ لَهُمْ انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثا غُبْرا“.
٤. إذا كان هذا الرجل مستجاب الدعوة بهذه السرعة العجيبة، فأين هو من دماء المسلمين المسفوكة وأعراضهم المنتهكة؟ أليست نصرة المظلومين ودحر المعتدين أولى من طلب نسمة هواء أو كوب شاي بنعناع؟ هذا يدل يقينا على أن القصة من نسج خيال لا يدرك فقه الأولويات الشرعية ولا يحمل همّا لأمة الإسلام.
٥. الأولياء الصالحون أشد الناس إخفاءً لحالهم، وأكثرهم خوفا من الرياء وسقوط المنزلة.
أما في القصة، فإن الرجل يستعرض كراماته بوضوح، ويؤكد قدرته على استجابة الدعاء قائلا ما معناه “لو أردت شيئا لطلبته من ربي”، ويشير إلى أنه من رجال معروفين في السماء.
هذا الاستعراض يخالف سمت الصالحين الذين يكرهون الشهرة ويزدرون أعمالهم.
٦. القصة مليئة بالصدف السينمائية المبالغ فيها جدّا؛ أمير يمشي وحده في الظلام، يجد رجلا وحيدا، يطلب لحما فيأتيه فورا، يطلب مخدة فيأتي حجاج مغاربة يفرشون بجانبه، يطلب هواء فتهب نسمة، يطلب سيارة فتأتي سيارة دورية للحج.
هذا التلفيق الواضح هو من صنيع القصاصين الذين حذر منهم السلف؛ لأنهم يفسدون عقائد العوام بالخرافات لاستدرار العواطف والمشاهدات.
٧. وأخيرا:
العقيدة والدين يبنيان على الكتاب والسنة والأثر الصحيح، لا على حكايات القصاصين التي تزرع في نفوس العوام مفاهيم مغلوطة.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٣ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ الموافق ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ م


