حكم قبول التبرعات من الكفار ومؤسسات التنصير للإعمار وبناء المساجد بها
السؤال
يوجد هناك بعض الشركات – وأيضًا بعض الحكومات غير المسلمة – التي تُعنى بما يسمَّى ” إعادة إعمار ” بعض بلاد المسلمين، التي تقع تحت الاحتلال، كالعراق، وفلسطين، وعادة ما يكون من بين البرامج : ” بناء مساجد “، علمًا أن الدولة القائمة على البرنامج دولة إما محتلة، أو حاقدة على الإسلام، كما أن هناك مساعدات كثيرة تأتي من قبل جمعيات تنصيرية، فهل هناك حرج على من يعمل ضمن هكذا برامج، أو على من يتلقى هكذا مساعدات؟.
جزاكم الله عنَّا وعن المسلمين خير الجزاء.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل الهدية من الكفار، وخاصة ممن يتألف قلبه من أهل الكتاب منهم.
* وقد ورد ما يدل على عدم جواز قبول الهدية من الكفار:
عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَةً، فَقَالَ: (أَسْلَمْتَ؟ ) فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ). رواه الترمذي ( 1577 ) وأبو داود ( 3075 )، وصححه الالباني في “صحيح الترمذي “.
* وأجيب عن ذلك بأجوبة كثيرة، أقواها:
” بأن الامتناع في حق من يريد بهديته: التودد والموالاة، والقبول: في حق من يُرجى في بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام.
وهو الجمع الذي يظهر أنه ارتضاه الحافظ ابن حجر رحمه الله، كما في ” فتح الباري ” ( 5 / 231 ).
ووقع بين العلماء خلاف في هدايا الكفار الحربيين، والصحيح: جواز قبول هداياهم، وأن ما أُهدي منهم أثناء الحرب للخليفة أو قوَّاد الجيش: فيعد من الغنائم، وإن كانت الهدية من ذات دار الحرب لأحد من المسلمين: فهي لمن أُهديت إليه.
* قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:
يجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبِل هدية ” المقوقس صاحب مصر “، فإن كان ذلك في حال الغزو: فقال أبو الخطاب: ما أهداه المشركون لأمير الجيش، أو لبعض قوَّاده: فهو غنيمة؛ لأنه لا يَفعل ذلك إلا لخوفه من المسلمين.
فظاهر هذا: أن ما أُهدي لآحاد الرعية: فهو له، وقال القاضي: هو غنيمة أيضًا.
وإن كان من دار الحرب إلى دار الإسلام: فهو لمن أهدي له سواء كان الإمام، أو غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه و سلم قبِل الهدية، فكانت له دون غيره، وهذا قول الشافعي، ومحمد. ” المغني ” ( 10 / 556 ).
ثانيًا:
والذي ورد في السؤال أن أصحاب الأموال المتبرع بها في إعمار بعض الدول الإسلامية مختلفون، فمنهم شركات تجارية، ومنهم الدولة المحتلة نفسها، ومنهم دول كافرة، ومنهم جمعيات تنصيرية، ولا شك أن بينها تفاوت في الحكم، وإن كنا نود أن لا نجيب على هذا السؤال إلا بالمنع المطلق من قبول أي شيء من أولئك الكفار، المحتلين، والمعادين، والمنصرِّين، لكننا نعلم الأوضاع المؤسفة للمسلمين الذي لا يقفون مع إخوانهم كما ينبغي حتى لا يحتاجوا لدينار من كافر، ونعلم السيطرة لبعض تلك الدول والمؤسسات على الهيئات العالمية، وكثير من الدول الإسلامية، بما لا يستطيع أحد منعها من مزاولة الإعمار لما قاموا بتخريبه وهدمه هم أنفسهم!.
وبسبب هذا الحال رأينا وضع ضوابط في قبول تلك الأموال من جميع أولئك الكفار، وغيرهم، وحتى لو كانت تلك الأموال ستصرف في بناء المساجد، لمن كان عنده الإرادة والقدرة على تحقيق هذه الضوابط، ومنها:
- أن لا يكون مقابل تلك التبرعات والإعمارات تنازلات عن شيء من الدين، فلا يُقبل بناء قواعد عسكرية لهم في أرض المسلمين، ولا يُقبل بناء كنائس، ولا يُقبل شرط اختلاط الرجال بالنساء في أماكن العلم، وغير ذلك مما فيه مخالفة لأحكام الشرع.
- لا يجوز قبول الأموال المحرَّمة لذاتها، كمالٍ جُمع من ضرائب وغرامات من غير وجه حق، وكخمور، ولحم خنزير، وغير ذلك مما يشبهه.
- لا يجوز أن يكون للكفار ولاية على الأوقاف عمومًا، ولا على المساجد على وجه الخصوص.
- أن لا يكون في قبول تبرعات المؤسسات التنصيرية تسويقا وتلميعًا ودعاية لهم، وبذل الوسع في عدم السماح لهم في مباشرة توزيع تلك التبرعات على المسلمين.
- أن تخلو التبرعات من ذل المسلمين، والاستطالة عليهم بها.
- وبخصوص المشاركين بأعمالهم في الإعمار: فإنه لا يجوز أن يُشاركوا في إعمار أماكن تقام فيها بدعة، أو يُعصى الله فيها، فلا يجوز المشاركة مع أولئك الباذلين في بناء كنائس، أو بنوك، أو غيرها مما يقام فيها ما يخالف شرع الله.
وهذه طائفة من أقوال العلماء، وفيها بيان تلك الضوابط في قبول أموال الكفار:
1.* قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:
وتجوز عمارة كل مسجد، وكسوته، وإشعاله، بمالِ كلِّ كافرٍ, وأن يبنيه بيده, ذكره في ” الرعاية “، وغيرها ” الفروع ” ( 10 / 344 ).
- سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
عندنا مسجد يُبنى وبجواره نصارى، والنصارى إذا أرادوا التبرع في بناء المسجد بالمال هل على المسلمين أن يأخذوا المال منهم؟.
فأجاب:
إذا كان فيه شرط يخالف الشرع: فلا، أما التبرع المجرد: فإنه ليس فيه شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم قبَل كثيرًا من هدايا المشركين.
” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 237 ).
- * سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:
تسعى المؤسسة لجمع التبرعات من المراكز الإسلامية، والمساجد، وغيرها ، وتوجد مراكز وتجمعات لفرَق من غير أهل السنة والجماعة، مثل: البريلوية، الشيعة، الصوفية، الطرقية، وغيرهم ، فهل يجوز قبول صدقات وزكوات هؤلاء أم لا </رأس>؟.
فأجاب:
لا مانع من جمع التبرعات، والمساعدات، مِن كل مَن دفعها، سواء كان الدافع من أهل السنَّة، أو من المبتدعة، وسواء كان مسلمًا، أو نصرانيًّا، فإذا جمعت: فإنَّه يخصص بها أهل السنَّة، وأهل التوحيد، ولا يصرف منها شيء لأهل البدع، كالبريلوية، والديوبندية، والقبوريين، والرافضة، وغلاة الصوفية، ونحوهم.
من موقع الشيخ حفظه الله .
http://ibnjebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=12412&parent=786
- وجاء في قرار ” المجمع الفقهي الإسلامي ” التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، قرار رقم : 53 ( 6 / 10 ): بشأن الاستفتاء الوارد من لجنة الإغاثة الدولية الإسلامية بأمريكا الشمالية:
هل يجوز أخذ تبرعات من غير المسلمين؟.
* فقالوا :
– وبعد تداول الرأي حيال ذلك: قرَّر المجلس ما يلى:
إذا كانت الإعانة بالأموال فقط، وكان جانبهم مأمونًا، ولم يكن في أخذها ضرر يلحق المسلمين، بأن ينفذوا لهم أغراضًا في غير صالح المسلمين، أو يستذلونهم بهذه الإعانة، وكانت خالية من ذلك كله، إنما هي مجرد مساعدة، وإعانة: فلا يرى المجلس مانعًا من قبولها، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بني النضير وهم يهود معاهَدون، خرج إليهم يستعينهم في دية ابن الحضرمي. انتهى.
والله أعلم.


