يعترض على مغفرة الله لسيئات الكافر إن هو أسلم، ومحاسبة الله للمسلم العاصي!
السؤال
يعترض على مغفرة الله لسيئات الكافر إن هو أسلم، ومحاسبة الله للمسلم العاصي!
الجواب
الحمد لله
أولًا:
قبل الإجابة لا بد من التنبيه على أمرٍ جلل، وهو أنه يحرم الكلام في دين الله تعالى بغير علم وهدى.
قال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33.
كما وأنه يحرم الاعتراض على شرع الله في أحكامه، بل يجب التسليم، ولا مانع من السؤال عما خفي حكمه، أو حكمته، لكن ليس أن يبدأ بالاعتراض والرد.
قال تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) النساء/ 65.
فنحن وإن كنا فرحين بمراسلتك لنا، واستفسارك عن المسألة، لكن قد أحزننا ذلك الكلام، وذلك الحوار بينك وبين صاحبك، وكان يسعكما الوقوف في المسألة، والتحاكم عند واحد من أهل العلم قبل ذلك الخوض، والأخذ والرد، والاعتراض، وعسى الله أن يرحمنا وإياكم، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.
ثانيًا:
أيها الأخ السائل:
لنا مع كلامك الذي سطرته آنفاً وقفات، نرجو تأملها، والتفكر بها:
- ما كان ينبغي لك الاعتراض على رحمة الله، وفضله، وكرمه، وأنت أحوج ما تكون لذلك؛ لأنه لا بدَّ أن يقع منك تقصير في حق الله، ما تحتاج معه لرحمة ربك تعالى، واعلم أن ما تقدمه من أعمال لا يؤهلك لدخول الجنة به، ولا يدخل أحدٌ الجنَّة – حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم – إلا برحمته عز وجل.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ . قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ). رواه البخاري ( 6098 ).
- واعلم أن فضل الله تعالى على الناس عظيم، فهو يغفر الذنب مهما عظم، ويقبل التوب من التائب، بل ويفرح بتوبة عبده – مع استغنائه عز وجل عن جميع خلقه -، ليس هذا فحسب، بل ويبدل سيئاته حسنات! ولا فرق في هذا بين كافر أسلم، وبين عاصٍ تاب.
قال تعالى: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 68 – 70.
ومما لا شك فيه أن أمر التوبة من المعصية أهون من إسلام الكافر، فأنت تتقلب في نعم الله تعالى، والتوفيق للتوبة والاستغفار توجد له أسبابه الكثيرة وأنت في دائرة الإسلام، وأنَّى يكون مثل هذا لكافر يحتاج أولًا أن يتخلى عن دينه، ثم يدخل في الإسلام؟! ولعظم أمر التخلي عن التدين بغير الإسلام، وعظم التخلي عن المعصية: وعد الله تعالى جميع هؤلاء بمغفرة ذنوبهم، وإبدالها حسنات إن هم فعلوا الصواب، فأسلم الكافر، وتاب العاصي، وهذا من عظيم فضل الله تعالى ورحمته.
فاعتراضك على أن الله يسألك عن ذنوبك، ولا يسأل الكافر إذا أسلم: في غير محله؛ لأنه جاء بما يمحو ذنوبه كلها، فبماذا جئت أنت؟ وما هو مطلوب منك أنت أيسر مما هو مطلوب منه، فمن يقال له: دع دينك الذي أنت عليه: يُغفر لك ذنبك: أتساويه بمن يقال له من المسلمين: تب من معصيتك : يُغفر لك ذنبك؟! فمن جاء بما يمحو به ذنبه من إسلام، أو هجرة، أو توبة، أو حد يقام عليه: غفر له ذنبه، ومن لم يأت من ذلك بشيء فهو إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه، إلا أن يلقى الله تعالى بالكفر، فمثله لا يغفر الله له.
قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) النساء/ 48.
وهذا وجه آخر في الرد على كلامك: وهو أن لقاء المسلم ربه بذنوبه لا يعني الجزم بتعذيبه عليها، بل قد يغفرها الله له، بخلاف الكافر فإنه مهما جاء به من أعمال حسنة فإنه إن لم يتب منها بدخوله في الإسلام: فإنه غير معرَّض للمغفرة، بل هو خالد في نار جهنم أبدًا.
- وهل تظن الأمر بهذه السهولة حتى تعترض عليه؟! فهل كل من جاء بالكفر، والمعاصي الكبيرة والصغيرة هل تظن مثل هؤلاء يوفق للإسلام قبل وفاته؟ وهل يعلم أحد متى تأتيه منيته؟ وهل يجزم أحد بتوبته قبل لقاء ربه؟ هذا أبو طالب مثال، فقد كان مدافعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومقتنعًا بصدقه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو بنفسه الداعي له للدخول في الإسلام بكلمة واحدة، فهل قالها؟ هل وُفِّق لقولها؟ وهل انتفع والد إبراهيم بدعوة ابنه عليه السلام؟ وهل انتفعت امرأة نوح وولدها بدعوة نبي الله نوح عليه السلام؟ ليس الأمر كما ظننته أخي السائل بهذه السهولة، أن يكفر الكافر ثم يسلم وقتما شاء، أو يعصي العاصي ثم يتوب وقتما شاء، بل ليته كذلك، وهو أمر لا يزعجنا، ولا نحزن له، بل المسألة متعلقة بتوفيق الله، وهدايته، وبما تكنه صدورهم من حب الخير لأنفسهم، والبحث عن الحق.
- وكما أن الله تعالى يقبل توبة العاصي، وإسلام الكافر، قبل موتهما – ما لم يغرغرا – : فإنه يُحبط عمل المسلم إذا ختم حياته بردة ، ولو قضى عمر كله في الطاعة، فعاد الأمر إلى صدق الباطن وكذبه عند الطرفين، ولا علاقة لحياة الأول المليئة بالكفر والمعاصي، ولا حياة الثاني المليئة بالطاعة، بل العبرة بالخواتيم، ولا تغتر بما يظهر لك من نفسك، ومن الناس، واحرص على صلاح الباطن، فالأمر بما يعلمه الله بما في بواطن الناس لا بما ظهر لنا منها.
عَنْ سَهْل بنِ سَعْد رَضِيَ الله عَنْه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ). رواه البخاري (2742) ومسلم (112).
وفي رواية للبخاري ( 6233 ) بزيادة في آخره: ( وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ).
* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:
وقوله ( فيما يبدو للناس ) إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد، لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيّء، ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة.
” جامع العلوم والحِكََم ” ( 1 / 57 ).
فتأمل أخي السائل حكمة الرب الجليل من هذا التشريع، فالطائع لا ينلغي له أن يغتر بعمله، ولا يُدرى بم يُختم له، والعاصي لا يقنط من رحمة ربه، وإذا علِم أن الله يقبل منه توبته سارع إليها، وأنت بكلامك في السؤال تريد تقنيط العاصي من التوبة، والأعظم من ذلك تقنيط الكافر من قبول توبته بإسلامه!.
* قال النووي – رحمه الله – في فوائد الحديث الأخير -:
ففيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغى للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها؛ مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغى للعاصي أن لا يَقنَط، ولغيره أن لا يقنِّطه من رحمة الله تعالى.
” شرح مسلم ” ( 2 / 126 ، 127 ).
- واعلم أخيرًا: أن ما ذكرناه من قبول الله تعالى لإسلام الكافر، وتوبة العاصي: إنما هو في حال أن يكون ذلك منهم قبل حضور الموت، وقبل الغرغرة.
قال تعالى: ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) النساء/ 18.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ. رواه الترمذي ( 3537 ) وابن ماجه ( 4253 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه يقبل التوبة حتى ممن جهزت الحجارة لرجمه، وجهز السيف للقصاص منه، وأصيب بمرضٍ أيس من شفائه – كما بيناه في جواب السؤال رقم: ( 1807 ) – وكل ذلك لا يصدق عليه أنه في حال الغرغرة، ولا حضره الموت، وهذا من لطف الله تعالى، ورحمته، وعظيم فضله، وبالغ كرمه، وقد سبقت رحمته تعالى غضبه، وادخر تعالى للخلق تسعًا وتسعين رحمة في الآخرة، فهذا الرب تعالى الذي آمنَّا به، وعلمنا أسماءه وصفاته، ونرجوه أن يغفر لنا زلاتنا، ويستر علينا ذنوبنا، ويتجاوز عنها، ونرجوه عظيم فضله، وواسع جنانه يوم نلقاه.
ونرجو أن نكون وفقنا بدلالتك على الحق، وبحسن توضيحه وتبيينه، والمسألة التي ذكرتها في سؤالك جليلة القدر، فحسبنا في بيانها ما ذكرناه، وفيما أحلنا عليه من مراجع تجد زيادة في البيان.
والله أعلم.


