ما حكم من يغتسل كل يوم؟ وحكم المنشفة والصابون والسواك وتجاوز المقدار الذي كان يستخدمه النبي؟

السؤال

انتقدني بعض الأشخاص بسبب أنني لا أغتسل يوميًّا، وبفعلي هذا إنما أقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يغتسل يوميًّا, ولكن الناس في هذا الزمن ينظرون إلى هذا الأمر باستغراب، كذلك هل من الضروري استخدام الصابون والمنشفة طالما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخدم ذلك \؟ وماذا عن مقدار الماء الذي ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل به، هل ينبغي التقيد بنفس الكمية؟ وهل كان الصحابة يغسلون ملابسهم؟ وكم مرة في الأسبوع؟ وماذا عن استخدام السواك، هل المحافظة عليه سنَّة مؤكدة؟ وكيف يمكن الجمع بين ما وصلنا إليه من تقدم، ورخاء، وتوفر الأشياء في جميع مناحي الحياة، وبين التأسي، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؟.  أرجوا التوضيح في كل ما سبق.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخي السائل الموفق أن الاغتسال يوميًّا ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي، ولا أمر، ولا فعل، والذي أوجبه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب: الغسل مرة كل سبعة أيام.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ).رواه البخاري ( 856 ) ومسلم ( 849 ).

وهذا عام، يشمل النساء، والرجال.

كما أنه صلى الله عليه وسلم أوجب الغسل على من قدم المسجد لصلاة الجمعة، من النساء والرجال.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ). رواه البخاري ( 820 ) ومسلم ( 846 ).

فمن اغتسل لصلاة الجمعة: فقد أدى الواجب الذي عليه في هذا الحديث، والحديث الذي قبله، ومن لم يكن من أهل الوجوب، أو كان معذورًا عن الذهاب لصلاة الجمعة: فلا بدَّ له من غسل لمرة واحدة في كل سبعة أيام.

وأما الحكم الشرعي لمن اغتسل كل يوم: فيُنظر، فإن كان الغسل لحاجة، أو ضرورة، كمن يعمل عملًا يتطلب منه خروج عرق بغزارة، أو رائحة كريهة: فهذا يغتسل كل يوم – ولو أكثر من مرة – ليُذهب هذه الرائحة، فهذا مطلب شرعي، وهو أن يكون الإنسان بهيئة حسنة، ورائحة طيبة.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانَ يَكُونُ لَهُمْ أَرْوَاحٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ.

رواه البخاري ( 1965 ) ومسلم ( 847 ).

أرواح: روائح كريهة.

ولفظ مسلم:

” كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ “.

تفَل: رائحة كريهة.

وهذا الحديث قبل أن يشرع وجوب الغسل لكل من قدم الجمعة، سواء كان له رائحة، أو لم يكن، كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد الخدري السابق.

* قال الشافعي – رحمه الله – بعد أن ذكر مواضع يستحب فيعها الغسل عنده -:

وأستحب الغسل بين هذا: عند تغير البدن بالعرَق، وغيره؛ تنظيفًا للبدن، وكذلك أحبُّه للحائض، وليس من هذا واحد واجب. ” الأم ” ( 2 / 146 ).

وأما الاغتسال كل يوم لغير ضرورة، أو حاجة، كحب التنظف: فليس ثمة ما يمنع منه، والإسلام حض على التطهر، والنظافة، وليس هو من الإسراف، إلا أن يزيد في استعمال الماء من غير داعٍ، كمن يغتسل في حوض الاستحمام الذي يملؤه لمجرد الاستمتاع، ثم تضيع المياه في المجاري، وأما من اغتسل، وأكثر من استعمال الماء، وكان لماء الاغتسال تصريف نافع، كسقي زرع، أو إعادة تكرير: فلا بأس بفعله.

وقد ثبت عن بعض السلف أنه كان يغتسل كل يوم، وقد بوَّب ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” بابًا بعنوان ” مَن كان يحب أن يغتسل كل يوم “، وروى ذلك عن: عثمان بن عفان، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين.

– انظر ” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 1 / 198، 190 ).

ثانيًا:

وأما استخدام المنشفة والصابون: فليس ثمة ما يمنع منهما, والصابون لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الهيئة, ولكن كانوا يستخدمون شيئًا يقوم مقامه، وهو ورق ” الأشنان “، فكان يقوم مقام الصابون في تنظيف الأيدي، والآنية، والملابس،  وكذا كان يُستعمل ” السدر ” في الغسل – للأحياء والأموات – لإعطاء رائحة طيبة بخلطه مع الماء.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز لك أن تغتسل بالشامبو مع الماء، ولو كان مخلوطاً بليمون، أو بيض، وتغتسل بالصابون، والأشنان، ونحو ذلك، مع الماء، لمساعدته على إزالة الأوساخ

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 24 / 108 ).

والاكتفاء بالماء في الغسل هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لا نعلم أحدًا من أهل العلم يمنع من استعمال الصابون، والمنظفات المباحة غير المضرة، في الغسل.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل الجنابة تغسل بالصابون، ولماذا؟

فأجابوا:

يجب الغسل من الجنابة بالماء، ولا يجب فيه استعمال المنظفات، كالصابون، ونحوه، وهذا هو الذي دلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وإن استعمل الصابون، أو نحوه من المنظفات: فلا بأس.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 5 / 315 ).

وأما المنشفة: فالوارد في أنه صلى الله عليه وسلم كانت له منشفة يتنشف بها: لا يصح منه شيء، وهو أمر ليس بحاجة لسنَّة تُثبته؛ لأنه فعل جِبِليّ، وقد ثبت في الصحيحين أن ميمونة رضي الله عنه جاءت له بخرقة يتنشف بها، فلم يُردها، ولو كان فعلها منكرًا لأنكره عليها، ولذا فما قاله بعض العلماء من استحباب ترك التنشف من الوضوء والغسل: مرجوح، ومثله من قال بكراهة التنشف، سواء من الوضوء، أو من الغسل.

* قال النووي – رحمه الله -:

وقد اختلف الصحابة وغيرهم في التنشيف على ثلاثة مذاهب:

أحدها: أنه لا بأس به في الوضوء والغسل، وهو قول أنس بن مالك، والثوري.

والثاني: مكروه فيهما، وهو قول ابن عمر، وابن أبي ليلى.

والثالث: يُكره في الوضوء دون الغسل، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما.

– ولمَّا نقل – رحمه الله – الخلاف بين الشافعية في التنشيف: قال:

والثالث: أنه مباح، يستوي فعله وتركه، وهذا هو الذي نختاره؛ فإن المنع، والاستحباب : يحتاج إلى دليل ظاهر. ” شرح مسلم ” ( 3 / 231 ).

وقال:

وقد احتج بعض العلماء على إباحة التنشيف بقول ميمونة في هذا الحديث ” وجعل يقول بالماء هكذا ” يعني: ينفضه، قال: فإذا كان النفض مباحًا: كان التنشيف مثله، أو أولى؛ لاشتراكهما في إزالة الماء. ” شرح مسلم ” ( 3 / 232 ).

* سُئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجوز تنشيف الأعضاء بعد الوضوء؟.

فأجاب:

نعم، يجوز للإنسان إذا توضأ أن ينشف أعضاءه، وكذلك إذا اغتسل يجوز له أن ينشف أعضاءه؛ لأن الأصل في ما عدا العبادات: الحِل، حتى يقوم دليل على التحريم .

وأما حديث ميمونة: رضي الله عنها أنها ” جاءت بالمنديل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن اغتسل فردها، وجعل ينفض الماء بيده “: فإنَّ رده للمنديل لا يدل على كراهته لذلك؛ فإنها قضية عيْن يحتمل أن يكون المنديل فيه ما لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمندل به من أجله، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينفض الماء بيده.

وقد يقول قائل: إن إحضار ميمونة المنديل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: دليل على أن ذلك أمر جائز عندهم، وأمر مشهور، وإلا فما كان هناك داعٍ لإحضارها للمنديل.

وأهم شيء أن تعرف القاعدة، وهي أن الأصل في ما سوى العبادات: الحل، حتى يقوم دليل على التحريم . ” فتاوى إسلامية ” ( 1 / 222، 223 ).

ثالثًا:

وأما عن مقدار الماء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل به: فما بين الصاع إلى خمسة أمداد، والصاع: أربعة أمداد.

عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد. رواه البخاري ( 198 ) ومسلم ( 325 ).

والأصل في صاع النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أربع حفنات باليدين المعتدلتين.

ومقدار المد عند المالكية، والشافعية، والحنابلة: رطل وثلث، وعليه: فالصاع: خمسة أرطال وثلث. والرطل المعتمد عند الفقهاء هو الرطل البغدادي.

* قال الفيومي – رحمه الله -:

قال الفقهاء: وإذا أُطلق الرطل في الفروع: فالمراد به رطل بغداد.

” المصباح المنير ” ( ص 230 ).

وأما تقديره بالوزن: ففيه اختلاف بين العلماء، وقد حقق الشيخ عطية سالم رحمه الله الصاع النبوي بالنسبة للطعام، وبالنسبة للماء، فقال:

فكان وزن الصاع بعد هذا التأكيد هو بالعدس المجروش 600 , 2، كيلوين وستمائة جرام. وبالماء: 100  ,3 ثلاثة كيلوات ومائة جرام.

وأرجو أن يكون هذا العمل كافياً لبيان الوزن التقريبي للصاع النبوي في الزكاة.

” أضواء البيان ” التتمة ( 8 / 292 ).

وهذا المقدار من الماء كافٍ للوضوء، والغسل، ولكن هل لا يجوز الزيادة عليه؟ الظاهر هو الجواز، ونقل فيه الإجماع، ولا شك أن من توضأ، واغتسل، بما ثبت من مقدار الماء في وضوء، وغسل النبي صلى الله عليه وسلم: أنه فعل الأفضل، وله فيه أجر.

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” (  4 / 179، 180 ):

اتفق الفقهاء على أن ما يجزئ في الوضوء، والغسل: غير مقدر بمقدار معين، ونقل ابن عابدين الإجماع على ذلك، وقال: إن ما ورد في الحديث: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع “: ليس بتقدير لازم، بل هو بيان أدنى القدر المسنون، حتى إن من أسبغ بدون ذلك أجزأه، وإن لم يكفه: زاد عليه؛ لأن طباع الناس وأحوالهم مختلفة.

واتفقوا كذلك على أن الإسراف في استعمال الماء: مكروه، ولهذا صرح الحنابلة بأنه يجزئ المُد وما دون ذلك في الوضوء، وإن توضأ بأكثر من ذلك: جاز، إلا أنه يكره الإسراف.   انتهى.

رابعًا:

وأما غسل الملابس وكم مرة؛ فمرد ذلك إلى العرف والحاجة  فإن كانت تتسخ لطبيعة البيئة، أو العمل: فيغسلها على حسب ذلك؛ والمراد: أن يكون الإنسان في هيئة حسنة، وهذا مطلب شرعي.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ).

رواه مسلم ( 91 ).

خامسًا:

وأما عن سنية السواك، واستحبابه في بعض الحالات فراجع أجوبتنا الأخرى في الموقع.

سادسًا:

وأما عن سؤالك عن كيفية الجمع بين ما وصلنا إليه من تقدم، وبين التأسي، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم: فالجواب عليه: أنه ليس ثمة تعارض أصلًا بينهما، فيؤخذ بما وهبه الله لنا، وأنعم به علينا، بما لا يتعارض مع شرع الله تعالى، والإسلام لا يعارض وسائل الترفيه المعاصرة؛ لأن الأصل في الأمور الدنيوية: الإباحة، بل ربما تكون هذه الوسائل معينة على طاعة الله، كما هو الواقع في أمور كثيرة، كالطائرات، والبواخر، والفضائيات.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

نأخذ من الغرب والشرق ما ينفعنا، وندع ما يضرنا، إذا جاءنا من الغرب، أو الشرق شيء ينفعنا نأخذه، ونستفيد منه، كما نأخذ منهم ما أخذنا من سلاح، ومن طائرات، ومن سيارات، ومن بواخر، وغير ذلك، نأخذ منهم من الدواء، ومن غير الدواء، ومن وجوه الزينة ما ينفعنا، ولا يكون فيه مشابهة لغيرنا من أعداء الله، بل نأخذ الشيء الذي ينفع، وندع ما يضر.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 21 / 223 ).

وجزاك الله خيرًا أخي السائل، وبارك فيك؛ على حبك لتطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ واعلم أن أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: أشدهم له اتباعًا، ونسأل الله أن يجعلك منهم.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة