” معركة الجَمَل “، أسبابها، حقيقتها، نتائجها، وموقف المسلم منها
السؤال
أخبروني عن سبب القتال بين السيدة عائشة رضي الله عنها وبين الإمام علي رضي الله عنه.
الجواب
الحمد لله
- في عام 35 هـ بدأ اليهودي الذي أظهر إسلامه ” عبد الله بن سبأ ” في إحداث فتنة في المسلمين، في تأليبهم على خليفتهم ” عثمان بن عفان ” رضي الله عنه، حتى نجح في العراق، ومصر، فقام أتباعه من الخوارج بمحاصرة الخليفة الراشد الصابر، ثم اجتمعوا على قتله، وهو ابن ثمانين عامًا، وكان رحمه الله عند قتله يتلو كتاب الله تعالى، وكان ذلك في ذي الحجة من عام 35 هـ.
- اجتمع الناس بعد ذلك على مبايعة علي بن أبي طالب رضي اله عنه أميرًا للمؤمنين، وامتنع معاوية رضي الله، ومعه أهل الشام، من مبايعة علي رضي الله عنه، قبل أن يُقتص من قَتَلة عثمان رضي الله عنه، وكان علي رضي الله عنه يرى أن توحيد المسلمين تحت قيادة واحدة مقدمًا على غيره، مع عدم تضييعه للقصاص من قتلة عثمان، والقصاص لا يأتي إلا من دولة قوية مجتمعة على كلمة واحدة، لا من دولة ضعيفة متفرقة على حاكمها.
- وكانت عائشة رضي الله عنها في ذلك الوقت في ” مكة ” حاجَّة، فبقيت فيها مع أمهات المؤمنين؛ انتظارًا لجلاء الفتنة في المدينة والتي ازدادت بعد قتل عثمان رضي الله عنه، وكان قد ذهب إلى مكة بعد موسم الحج معتمرًا: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، رضي الله عنهما، وكلاهما كان قد بايع عليًّا في المدينة، فتشاوروا مع عائشة على الخروج للإصلاح، فخرجوا إلى ” البصرة “، ولم يكن خروجهم رضي الله عنهم للقتال، بل كان من أجل الإصلاح بين الفريقين – علي ومن معه، ومعاوية وأهل الشام – وذلك بالقصاص من قتلة عثمان والذين يوجد أكثرهم في ” البصرة “، فساروا بقيادة عائشة، وكانوا نحو ثلاثة آلاف، ولم يشاركها في الخروج أمهات المؤمنين، ولا طائفة من الصحابة كابن عمر، رضي الله عن الجميع.
- خرج إلى هؤلاء الصحابة الأجلاء ومن معهم ليقاتلهم: ” جَبَلة بن عمرو ” – وهو من الذين شاركوا في قتل عثمان – مع جماعة من أتباعه، فهزموا شرَّ هزيمة، وانضم جماعات إلى جيش طلحة والزبير، حتى صار عددهم قريبا من ستة آلاف.
- استنفر علي رضي الله عنه أهلَ الكوفة، فنفروا معه، فخرج من المدينة ومعه ستمائة رجل، وكان ذلك ليتجه بهم إلى الشام، فالتقى مع أهل الكوفة في ” ذي قار ” في العراق، فلما سمع بالقتال مع أهل البصرة: خرج لمقاتلة طلحة والزبير ومن معهم، فسار بمن معه حتى وصلوا قرب البصرة، فالتقوا جميعاً مع فريق طلحة والزبير، ومعهما عائشة رضي الله عن الجميع، وبه يُعلم أن طلحة والزبير لم يقصدا قتال علي رضي الله عنه، ولا الخروج عليه ولو أرادوا ذلك لتوجهوا إلى المدينة، لا إلى البصرة.
- خاف الخوارج على أنفسهم من اتفاق الفريقين عليهم، والقصاص منهم، فعمدوا إلى الفتنة بينهم، حتى نجحوا في إثارة الحرب بين الفريقين، دون أن يقصدها واحد من الصحابة.
- وحصل بينهما قتال، وسميت ” وقعة الجَمَل ” نسبة للجمل الذي كانت تركبه عائشة رضي الله عنها في هودجها عليه، وكان هو رمز المعركة؛ لاستبسال الناس في الدفاع عن عائشة وهي فيه، ولذلك توقفت المعركة بمجرد سقوطه، وكانت عائشة رضي الله عنها قد جاءت أرض المعركة بجمَلها لإيقاف القتال، ولعلهم أن يقدروا أمهم، وزوجة نبيهم، ولكنَّ الخوارج وأهل الفتنة أبوا ذلك، بل رشقوا جملها بالنبال والسهام بغية قتلها! وكانت تلك الوقعة في جمادى الآخرة، سنة 36 هـ.
- قُتل في تلك الوقعة: حوالي المائتين من الفريقين، أو أقل، وسبب ذلك:
أ. أن المعركة استمرت ما بين الظهر والمغرب فقط.
ب. طبيعة المعركة كانت دفاعية، لا هجومية.
ج. تعظيم حرمة الدم التي رسخت في أولئك الكبار، وما حصل فقد كانت بفتنة الخوارج.
- وكان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهما ممن قُتل في هذه المعركة، ولم يكونا مشاركيْن في القتال، بل قتل طلحة بسهم غير مقصود، وقتل الزبير غدْرًا، فبكى علي رضي الله عنه لمَّا رأى طلحة مقتولًا، وبشَّر قاتل الزبير بالنار! ولم يأذن له بالدخول عليه.
- ثم التقى علي وعائشة رضي الله عنهما، واعتذر كل واحدٍ منهما للآخر.
- جهَّز علي رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها إلى المدينة، وأرسل معها أربعين امرأة من النساء، معزَّزة، مكرَّمة.
- كانت عائشة قد همَّت بالرجوع أثناء مسيرها للإصلاح، وذلك لحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها غُلبت على الاستمرار، وكان سبب الإصلاح بين المسلمين قد غلب عليها، مع إقناع بعض الصحابة لها بالاستمرار .
عن قيس بن أبي حازم قال: لمَّا أقبلتْ عائشة رضي الله عنها بلغت مياه ” بني عامر ” ليلًا: نبحتْ الكلابُ، قالت: أيُّ ماءٍ هذا؟ قالوا: ماء ” الحوأب ” – ماء قريب من البصرة، على طريق مكة -، قالت: ما أظنني إلا أنَّني راجعة، فقال بعضُ من كان معها: ” بل تَقْدُمين فيراكِ المسلمون فيصلح الله ذات بينهم “، قالت: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها ذات يومٍ: ( كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلاَبُ الحَوْأب؟ ).
* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:
وجملة القول: أنَّ الحديثَ صحيحُ الإسناد، ولا إشكالَ في متنه، خلافاً لظنِّ الأستاذ الأفغاني، فإنَّ غايةَ ما فيه: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها لمَّا علمت بـ ” الحوأب”: كان عليها أنْ ترجع، والحديث يدل على أنَّها لم ترجع، وهذا مما لا يليق أنْ ينسب لأمِّ المؤمنين.
وجوابنا على ذلك: أنَّه ليس كلُّ ما يقع مِن الكُمَّل يكون لائقاً بهم، إذ المعصوم من عصمه الله، والسنيُّ لا ينبغي له أنْ يغالي فيمن يحترمه حتى يرفعه إلى مصافِّ الأئمة الشيعة المعصومين عندهم، ولا نشك أنَّ خروجَ أمِّ المؤمنين كان خطأً مِن أصله، ولذلك همّتْ بالرجوع حين علمتْ بتحقُّقِ نبوءةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند ” الحوأب “، لكن الزبير رضي الله عنه أقنعها بترك الرجوع بقوله: ” عسى الله أنْ يصلح بك النَّاس “، ولا نشك أنَّه كان مخطئاً في ذلك أيضًا، والعقل يقطع بأنَّه لا مناص مِن القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى، ولا شك أنَّ عائشةَ رضي الله عنها هي المخطئة لأسبابٍ كثيرةٍ، وأدلةٍ واضحةٍ، ومنها: ندمها على خروجها، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها، وذلك مما يدل على أنَّ خطأها مِن الخطأ المغفور، بل: المأجور.
” السلسلة الصحية ” ( الحديث رقم 474 ).
- ندمت عائشة رضي الله عنها أشد الندم على خروجها ذاك، وهو يدل على متانة دينها ، وفضلها، رضي الله عنها.
أ.* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
فإنَّ عائشة لم تقاتِل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجتْ لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنَّتْ أنَّ في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أنَّ ترك الخروج كان أولى، فكانتْ إذا ذكرتْ خروجَها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة، والزبير، وعلي، رضي الله عنهم أجمعين، ولم يكن ” يوم الجمل ” لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم. ” منهاج السنة ” ( 4 / 316 ).
ب. * وقال الذهبي – رحمه الله -:
ولا ريب أن عائشة ندمت ندامةً كليَّةً على مسيرها إلى البصرة، وحضورهما يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ.
” سير أعلام النبلاء ” ( 2 / 177 ).
ج. * وقال – رحمه الله -:
عن قيس قال: قالت عائشةُ – وكانت تُحدِّث نفسَها أنْ تُدفن في بيتها – فقالتْ: إني أحدثتُ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَثًا، ادفنوني مع أزواجه، فدُفنتْ بالبقيع رضي الله عنها.
* قلت – أي: الذهبي -:
تعني بالحدَث: مسيرها ” يوم الجمل “؛ فإنَّها ندمتْ ندامةً كليةً، وتابتْ من ذلك، على أنَّها ما فعلتْ ذلك إلا متأوِّلةً، قاصدةً للخير، كما اجتهد طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعةٌ من الكبار، رضي الله عن الجميع.
” سير أعلام النبلاء ” ( 2 / 193 ).
د. * وقال الزيلعي – رحمه الله -:
وقد أظهرتْ عائشةُ الندمَ ، كما أخرجه ابن عبد البر في كتاب ” الاستيعاب: عن ابن أبي عتيق – وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق – قال: قالت عائشة لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أنْ تنهاني عن مسيري؟ قال: ” رأيتُ رجلاً غلب عليكِ – يعني: ابن الزبير – ” فقالتْ: ” أما والله لو نَهيتَني ما خرجتُ “. ” نصب الراية ” ( 4 / 69 ، 70 ).
- هذا باختصار ما حصل في أسباب تلك الوقعة، وما حصل أثناءها، وبعدها، وكل ما سبق ذِكره من تأول عائشة رضي الله في الخروج، ومن نيتها في الإصلاح، ومن همها بالرجوع، ومن ندمها وبكائها على ما حصل: يدل على الحقيقة لتلك المرأة العظيمة، والتي يحق لمثلها التأول، وكيف لا وهي الفقيهة معلمة الرجال؟!.
- وينبغي أن يُعلم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا طرفًا في تلك الوقعة، وإنما كان الخوارج هو من افتعل تلك الحرب، وأجج نارها، وما حصل بين الفريقين لم يكن إلا مناوشة، ولم تكن حربًا.
ونسأل الله أن يطهِّر ألسنتنا من الوقيعة بالصحابة الأجلاء، كما طهَّر أيدينا من المشاركة فيها، ونسأله تعالى أن يُعظم الأجر للمصيب، وأن يعفو عن المخطئ.
والله أعلم.


