هل معنى حديث ( شقي أو سعيد ) الشقاء والسعادة في الدنيا؟
السؤال
أولًا: والله إننا نحبك في الله يا شيخنا العزيز.
ثانيًا: كنت أنا وبعض الإخوة في الله نناقش مغزى حديث رسولنا الكريم الذي رواه عبد الله بن مسعود وخلصنا إلى بعض الأسئلة التي نعرضها بين يدي فضيلتكم للإجابة عليها ، بما فتح الله عليكم.
عن عبد الله بن مسعود قال: حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ( إن أحدكم ليُجمع خلْقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملَك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) متفق عليه، صدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
من المعلوم أننا كمسلمين يجب أن نؤمن بلب هذا الحديث إيماناً راسخا، ولكن وردت الأسئلة الآتية أثناء النقاش، ولقلة زادنا الشرعي: رغبنا أن نستزيد من علمكم، حفظكم الله:
- هل السعادة والشقاء من منظور شرعي – التي وردت في الحديث – هما نفس السعادة والشقاء من منظور حسي – أي: التي نعيشهما، ونحسهما في هذه الدنيا الفانية؟.
- هل يمكن للإنسان أن يعرف مع أيِّ الفريقين هو؟ هل هناك علامات نستدل بها؟.
- في واقعنا الإنساني نجد بعض القصور في التسليم بذلك – أي: بما ورد في الحديث – فهل هذا يعتبر قصورًا في الدين، أو التقوى؟.
- بسبب طبيعتنا الإنسانية نتذمر في العادة عندما يتلبسنا الإحساس بالتعاسة، هل ذلك يعتبر إنكارًا لقدَر الله؟.
- عندما تغمرنا السعادة من كل جانب، وتنبسط لنا الدنيا: قلَّ أن ننسب ذلك لقدر الله، ولكن نحاول الإيحاء أن ذلك بجهدنا، وعلو همتنا، هل هذا يعتبر نقضًا، أو إنكارًا لقدر الله؟.
نسأل الله أن لا يحرمكم الأجر، وأن ينفع الإسلام والمسلمين بجهودكم، وعلمكم.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لفظا ” السعادة ” و ” الشقاء ” الواردان في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليسا هما ما نحسه في الدنيا من ” سعادة “، وما يصيبنا فيها من ” شقاء “، بل هما ” الإسلام ” و ” الكفر “، وهما الطريقان إلى ” الجنة ” و ” النار “، والمقصود بالحديث: ما يختم للإنسان بأحد الأمرين في الدنيا، فمن ختم له بخير فهو سعيد، وهو من أهل السعادة، وجزاؤه الجنة، ومن خُتم له بشرٍّ فهو شقي، وهو من أهل الشقاء، ومصيره النار – والعياذ بالله -.
* وقد جاء هذا اللفظان في الكتاب والسنَّة بذات المعنى الذي قلناه:
أ. ( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) هود/ 105 – 108.
ب. عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً ) قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: ( اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ )، ثُمَّ قَرَأَ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ). رواه البخاري ( 4666 ) ومسلم ( 2647 ).
– ( المِخصرة ): ما اختصر الإنسان بيده، فأمسكه من عصا، أو عَنَزة.
ج. وفي رسالة العقائد لابن أبي زيد القيرواني ( ص 6 ):
يُضل مَن يشاء فيخذلُه بعدله، ويهدي مَن يشاء فيوفقه بفضله، فكلٌّ ميسَّر بتيسيره إلى ما سبق مِن علمه، وقدَره، مِن شقيٍّ، أو سعيد. انتهى.
* قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:
وقد تكاثرت النُّصوص بذكرِ الكتابِ السابقِ، بالسَّعادة والشقاوة، ففي ” الصحيحين ” عن عليِّ بن أبي طالب – وذكر الحديث -.
ففي هذا الحديث: أنَّ السعادة، والشقاوة: قد سبقَ الكتابُ بهما، وأنَّ ذلك مُقدَّرٌ بحسب الأعمال، وأنَّ كلاًّ ميسر لما خُلق له من الأعمال التي هي سببٌ للسعادة، أو الشقاوة.
وفي ” الصحيحين ” عن عمرانَ بن حُصينٍ، قال: قال رجل يا رسول الله، أيُعرَفُ أهلُ الجَنَّةِ مِنْ أهلِ النَّار ؟ قالَ: ( نَعَمْ )، قالَ: فَلِمَ يعملُ العاملونَ؟ قال: ( كلٌّ يعملُ لما خُلِقَ له، أو لما ييسر له ).
وقد روي هذا المعنى عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ كثيرةٍ، وحديث ابن مسعود فيه أنَّ السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال .
” جامع العلوم والحِكَم ” ( ص 55 ).
وفي معنى ( فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَاب ) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
والمعنى: أنه يتعارض عملُه في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبَّر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثَّل العمل، والكتاب، شخصين، ساعيين: لظفِر شخص الكتاب، وغلب شخص العمل. ” فتح الباري ” ( 11 / 487 ).
ومما يدل على أن ما ذكرناه هو المراد: أن الإنسان يصيبه في دنياه سعادة وشقاء، وهما يجتمعان؛ إذ ليس بينهما تضاد، وخاصة المؤمن، فهو سعيد بإيمانه، واستقامته، وقد يكون من أهل الشقاء، والنصب، والتعب، والحديث لم يُرد به النبي صلى الله عليه وسلم هذا، قطعًا، ولذا قال فيه: ( أو )، ومعنى هذا: أنه سلتزمه حال واحدة إما السعادة، أو الشقاء، وهذا لا يكون إلا فيما بينهما تضاد، كالإسلام والكفر في الدنيا، والجنة والنار في الآخرة.
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
ومعنى قوله ( شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ): أن الملَك يكتب إحدى الكلمتين، كأن يكتب مثلًا: أجل هذا الجنين كذا، ورزقه كذا، وعمله كذا، وهو شقي باعتبار ما يُختم له، وسعيد باعتبار ما يختم له، كما دل عليه بقية الخبر.
وكان ظاهر السياق أن يقول: ” ويُكتب شقاوته وسعادته “، لكن عدل عن ذلك؛ لأن الكلام مسوق إليهما، والتفصيل وارد عليهما، أشار إلى ذلك الطِّيبي.
” فتح الباري ” ( 11 / 483 ).
ثانيًا:
وفي ظننا أن الأسئلة الباقية كانت باعتبار أن السعادة، والشقاء: هي ما يحس به المرء في الدنيا، وقد تبين لكم خطأ هذا، ولا مانع من إجمال الأسئلة الباقية في كلام مجمل يجمعها، فنقول:
ما يصيب المسلم من نعمة وسرَّاء: فهي مِن الله، وليس من جهد العبد، فهو أضعف من أن يحصل شيئًا لولا فضل الله، ورحمته، وإكرامه بتلك النعم، قال تعالى : ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) النحل/ من الآية 53.
وقد طلب الله تعالى من عباده أن ينسبوا هذه النعمة – من سعادة، وهناء، ومال، وولد – إلى الله تعالى، وأن يؤدوا شكرها، ومن شكرها: الثناء على الله تعالى بما يستحقه، وتسخير تلك النِّعَم في طاعة الله تعالى، والمباح من الأفعال.
وما يصيب المسلم من ضراء وشقاء: فهو أيضًا من تقدير الله، وقد يكون ذلك عقوبة للعبد على ما فعل من معاصٍ، وقد يكون ابتلاء ليرفع الله درجته إن صبر، واحتسب مصائبه عند الله تعالى.
وإنما يُعرف المؤمن أنه محقق للإيمان في هذا الباب، وأنه مسلِّم لقدَر الله تعالى، مؤمن به: إذا شكر ربه في السرَّاء، وصبر عند الضرَّاء.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
جعل اللهُ سبحانَه وتعالى عبادَه المؤمنين بكل منزلة خيرًا منه، فهم دائمًا في نعمةٍ من ربهم، أصابَهم ما يُحِبَّون، أو ما يكرهون، وجعل أقضيته، وأقداره التي يقضيها لهم، ويُقدرها عليهم: متاجرَ يَربحون بها عليه، وطُرُقًا يصلون منها إليه، كما ثبت في الصحيح عَن إمامهم ومتبوعهم – الذي إذا دُعي يوم القيامة كل أناسٍ بإمامهم دُعُوا به صلواتُ الله وسلامه عليه – أنه قال: ( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله عجب، ما يقضي الله له من قضاء إلاّ كان خيرًا له، إن أصابته سرَّاءُ شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضرَّاءُ صَبَر فكان خيرًا له ).
فهذا الحديث يَعمُّ جميعَ أَقضيتِه لعبده المؤمن، وأنها خير له إذا صبر على مكروهها، وشكرَ لمحبوبها، بل هذا داخلٌ في مسمَّى الإيمان، فإنه كما قال السلف: ” الإيمان نصفان، نصفٌ صبر، ونصفٌ شكر “، كقوله تعالى: ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور )، وإذا اعتَبر العبدُ الدينَ كلَّه: رآه يَرجِعُ بجملته إلى الصبر، والشكر.
” جامع المسائل ” ( 1 / 165 ).
والله أعلم.


