ما هي الأوصاف التي يُنادى بها على الكافر؟ وهل يجوز قول ” أخي ” و ” سيدي”؟
السؤال
نحن طلاب ندرس في جامعة في أمريكا, ونعمل برامج دعوية لغير المسلمين للدعوة إلى الله، بعض الأحيان نستعمل بعض الطرق التي لا ندري عن صحتها مثل: ” البرامج المختلطة بين الرجال والنساء ” بحكم العادات، والتقاليد هنا في أمريكا، وبعض الأحيان نستعمل ألفاظ مثل ” سيدي “، أو ” صديقي “، أو ” أخي “، وكلمة ” أخي ” تعتبر دارجة بين أوساط الشباب.
أفتونا – مأجورين – في حكمها، ونرجو أن ترشدونا في كيفية التعامل مع غير المسلمين. جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة: اعذرونا إذا كان الأسلوب غير واضح.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الدراسة المختلطة بين الرجال والنساء فيها مفاسد جمَّة، ولها آثار سيئة على كلا الجنسين، فإذا كانت هذه الدراسة المختلطة في بلد غير محافظ: ازداد الأمر سوءً، وعظمت المفاسد.
ثانًيا:
وفي الوقت الذي ننكر الدراسات المختلطة، وفي مثل تلك الدول غير المسلمة: نشجع الطلبة على الالتزام ببرامج إيمانية فيها تزكية لنفوسهم؛ تعويضًا عما ينقص بالمشاهدات المحرَّمة، التي تضعف الإيمان، ونشجع على الالتزام ببرامج دعوية؛ استثمارًا لوجودهم في بلدان غير مسلمة، لدعوة أهلها إلى الإسلام، في فرصٍ قد لا تتكرر.
فنرجو الله أن يوفقكم في مسعاكم ، ونسأله أن يعظم لكم الأجور ، ومن الجيد أن يكون لكم اتصال مع أهل العلم ، ومواقع الفتوى ، للسؤال عما يشكل عليكم، وتجدون في موقعنا أجوبة كثيرة لمسائل متعددة ، تهمكم ، وتتعلق بشؤونكم .
ثالثًا:
ونحن يفرحنا وجود ترتيب لجهودكم في الدعوة إلى الله، وتنظيم لعملكم ذاك، ونرى أن الدعوة إلى الله في مثل تلك البلاد تحتاج لعقلاء، وحكماء، ومبدعين، لإيصال رسالة الإسلام لأكبر قدر ممكن من المدرسين، والطلبة، مع التنبيه أن يحاط ذلك كله بالالتزام بأحكام الشرع، والتي تحكم على أقوال، وأفعال الدعاة.
وجوابًا على أسئلتكم تحديدًا نقول:
- لا يجوز لكم عمل برامج دعوية فيها اختلاط نساء برجال، ونرى أن التزامكم بالشرع في هذا الباب واجب عليكم؛ استجابة لأوامر الشرع في تحريم الاختلاط، ودفعًا للفتن المترتبة على ذلك، وهذا في حال أن تكونوا أنتم من يقيم ذلك المعرض، أو البرنامج، وأما أن يكون قائمًا من قبَل البلدة، أو الجامعة، ويكون منكم استثمار له، بوجود زاوية تعرضون فيها مواد سمعية، ومرئية، ونصية، عن الإسلام: فلا نرى في ذلك بأسًا، بشرط أن يكون القائم على تلك الزاوية مجموعة من الشباب، وليس فردًا واحدًا، وأن يكون عنده من العلم الشرعي والحكمة ما يجعله مؤهلًا للقيام بذلك العمل.
- لا يجوز لكم استعمال الألفاظ الشرعية الخاصة بالمسلمين، كلفظ ” أخي “، ولا الألفاظ التي فيها إظهار المودة المنهي عن وجودها عند المسلم تجاه غير المسلم، كلفظ ” صديقي “، ولا الألفاظ التي نهينا عن مخاطبة الكفار بها، كلفظ ” سيِّد “.
وقد رأينا من ينكر مثل هذه الأحكام، ويتعجب من تشريعها، ومن جهل أحكام الشرع وحكَمه لا يُتعجب منه ذلك الإنكار، والإسلام لا يطلب العبوسة في وجه أولئك الكفار، ولا مخاطبتهم بأبشع أسلوب، وأفظ طريقة، فهو ينهى عن موادتهم، ويجيز برهم ومعاملتهم بالحسنى، ويمنع من ابتدائهم بالسلام، ويجيز غيرها من تحيات اللقاء، وهكذا نقول هنا، فإذا رأينا العلماء يمنعون من مناداة الكفار بألفاظ ” الأخوة “، و ” الصداقة ” ، و ” السيادة “: فهم لا يمنعون من مناداتهم بأسمائهم، أو كناهم، ولا يمنعون من ألفاظ مباحة في مخاطبتهم، كـ ” زميل “، أو ” جار “، أو ” قريب “.
* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
عن حكم قول: ” أخي ” لغير المسلم؟ وكذلك قول: ” صديق ” و ” رفيق “؟ وحكم الضحك إلى الكفار لطلب المودة؟.
فأجاب:
أما قول: ” يا أخي ” لغير المسلم: فهذا حرام، ولا يجوز، إلا أن يكون أخًا له من النسب، أو الرضاع؛ وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع: لم يبق إلا أخوَّة الدين، والكافر ليس أخاً للمؤمن في دينه، وتذكر قول نبي الله تعالى نوح: ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ).
وأما قول: “صديق “، ” رفيق “، ونحوهما: فإذا كانت كلمة عابرة يقصد بها نداء من جهل اسمه منهم: فهذا لا بأس به، وإن قصد بها معناها توددًا وتقربًّا منهم: فقد قال الله تعالى: ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ )، فكل كلمات التلطف التي يقصد بها الموادة : لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحدًا من الكفار.
وكذلك الضحك إليهم لطلب الموادة بيننا وبينهم: لا يجوز، كما علمت من الآية الكريمة ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 42، 43 ).
– كما أنه في جواز معاملة الكفار بالرفق، واللين؛ طمعا في إسلامهم.
- وأما النهي عن قول ” سيد “، أو ” سيدي ” لأحدٍ من الكفار: فقد جاء ذلك في نص صحيح.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ ).
رواه أبو داود ( 4977 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
وإذا كان هذا الحكم في المنافق الذي يُظهر الإسلام: فهو في الكافر من باب أولى، وقد جعل الإمام النووي – وغيره – هذا الحكم شاملًا للفاسق، والظالم، والمبتدع ، فقد بوَّب في كتابه ” رياض الصالحين “، فقال: ” باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما ب” سيِّد “، ونحوه “، واستدل على هذا التبويب بحديث بريدة.
* وقال – رحمه الله -:
لا بأس بإطلاق فلان سيِّد، ويا سيدي، وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلًا، خيِّرًا، إما بعلْم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقًا، أو متهمًّا في دينه، أو نحو ذلك: كُره له أن يقال ” سيِّد “.
وقد روينا عن الإمام أبي سليمان الخطابي في ” معالم السنن ” في الجمع بينهما نحو ذلك. ” الأذكار ” ( ص 362 ).
* وقال ابن القيم – رحمه الله – تحت فصل ” خطاب الكتابي بسيدي ومولاي ” -:
وأما أن يُخاطب بـ ” سيدنا “، و ” مولانا “، ونحو ذلك: فحرام قطعًا، وفي الحديث المرفوع ( لا تقولوا للمنافق سيدنا فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم ).
” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1322 ).
* وقال الشيخ حمود التويجري – رحمه الله -:
ولا يجوز وصف أعداء الله تعالى بصفات الإجلال والتعظيم كالسيد، والعبقري، والسامي ونحو ذلك، لما رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن بريدة رضي الله عنه ….
وقد قلَّت المبالاة بشأن هذا الحديث الشريف، حتى صار إطلاق اسم ” السيد ” ونحوه على كبراء الكفار، والمنافقين، مألوفَا عند كثير من المسلمين في هذه الأزمان، ومثل السيد ” المستر ” باللغة الإفرنجية، وأشد الناس مخالفة لهذا الحديث: أهل الإذاعات؛ لأنهم يجعلون كل مَن يستمع إلى إذاعاتهم من أصناف الكفار، والمنافقين، سادة، وسواء عندهم في ذلك الكبير، والصغير، والشريف، والوضيع، والذكر، والأنثى، بل الإناث هن المقدمات عندهم في المخاطبة بالسيادة، وفي الكثير من الأمور خلافًا لما شرعه الله من تأخيرهن.
وبعض أهل الأمصار يسمُّون جميع نسائهم: ” سيدات “، وسواء عندهم في ذلك المسلمة، والكافرة، والمنافقة، والصالحة، والطالحة.
ويلي أهل الإذاعات في شدة المخالفة لحديث بريدة رضي الله عنه: أهل الجرائد، والمجلات، وما شابهها من الكتب العصرية؛ لأنهم لا يرون بموالاة أعداء الله، وموادتهم، وتعظيمهم: بأسًا، ولا يرون للحب في الله، والبغض في الله، والموالاة فيه، والمعاداة فيه: قدرًا، وشأنًا. ” تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران ” ( ص 20 ، 21 ) ترقيم الشاملة.
فاحذروا من مخالفة الشرع في إطلاق الألفاظ التي هي مختصة بأهل الإسلام، أو فيما فيه إظهار الحب والود لهم، وفيما فيه تعظيم لهم، ويباح لكم غير ذلك مما لا مخالفة للشرع فيه، كأن يُذكر اسمه، أو كنيته، أو بوصف ” الجوار ” – وإليه الإشارة في قوله تعالى ( وَالْجَارِ الْجُنُبِ ) النساء/ من الآية 36 -، أو ” القرابة ” – كما في قوله صلى الله عليه ويلم لعمِّه أبي طالب ” يَا عَمُّ ” -، أو ” المسمَّى الوظيفي ” – كقولكم ” رئيس الجامعة “، أو ” عميد الكلية “، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم هرقل بـ ” عظيم الروم ” -، وغيرها من الأوصاف المباح مناداته بها.
رابعًا:
ونختم بهذه الفائدة:
أن مسائل أسماء الكفار، ولباسهم، ومراكبهم، وتغييرها، أو تمييزها عن المسلمين، مما يوجد في زمان المسلمين السالف، وفيما يُذكر في كتب الفقه: ليس يُعمل به على كل حال، وفي كل بيئة، بل هو راجع للمصلحة والمفسدة، والقوة والضعف، فنرجو مراعاة ذلك ممن يتشدد في هذه المسائل، ممن يطعن فيها ويميعها.
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
ومَن تأمَّل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تأليفهم الناس على الإسلام بكل طريق: تبيَّن له حقيقة الأمر، وعلِم أن كثيرًا مِن هذه الأحكام التي ذكرناها – من الغيار، وغيره – تختلف باختلاف الزمان، والمكان، والعجز، والقدرة، والمصلحة، والمفسدة.
” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1321 ).
والله أعلم.


