وقع في فتنة النساء فزنا ببغي، وقال لها ” أنا ملحد “! فما حكم فعله وقوله؟
السؤال
السائل يقول إنه نشأ نشأة إسلامية في بلد غربي، ويحكي كيف أن التمسك بالإسلام في الغرب صعب في ظل وجود جميع أنواع الفتن التي تحيط بالفرد، وأنه يشهد ضعف الإيمان من يوم لآخر، يقول: إنه يحب النساء كثيرًا، وإنه اعتاد أن يمارس العادة السرية، ولكن الرغبة تزداد أكثر وأكثر، إلى أن وقع في فخ الشيطان عندما ذهب إلى إحدى البغايا في إحدى ليالي رمضان، ليس فهذا، فحسب بل إنها عندما سألته هل أنت مسلم؟ قال لها: إنه ملحد! يستنصحكم ماذا يفعل وقد ارتكب هذه الكبيرة ونطق بهذا الكفر؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أن ينشأ الإنسان على الإسلام لا شك أن هذه نعمة عظيمة، وفضل جليل من الله تعالى تجاه عبده المؤمن, وشكر هذه النعمة يكون بطاعته، واجتناب معصيته، وقد وعده ربه تعالى بالمزيد من النعَم في حال شكره لها – مع أن الرب تعالى لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين – فقال تعالى: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم/ 7.
وهذه الدنيا دار ابتلاء واختبار، فهذا يبتلى بالمال, وذك بالجاه, وآخر بالنساء قال تعالى: ( الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) العنكبوت/ 1 – 3.
ولكنَّ المؤمن الذي استنار قلبه بنور الإيمان: لا تؤثر به الفتن، بل يدفعها الواحدة، تلو الأخرى ولا شك أن المؤمن إذا ضعف إيمانه: سهل عليه الوقوع في الفتن، وإذا قوي إيمانه كان منها في حصن حصينة.
وفتنة النساء فتنة حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ).
رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ).
وقد دلنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على العصمة من هذه الفتنة، كما في حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ). رواه البخاري ( 4779 ) ومسلم ( 1400 ).
فالزواج أعظم وقاية من هذه الفتنة, وأعظم علاج لها، فإن لم يقدر على الزواج: فليكثر من الصيام ليتحصل به على التقوى التي تحجزه عن الوقوع في المحرمات.
ومن العلاج كذلك: قطع الطريق على الفتنة بسلوك أول دربها، ونعني به: غض البصر، وهو من أعظم وسائل حفظ الفرج، ولذا فقد جمع الله بينهما في قوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) النور/ 30.
ومن الوسائل التي تعين على العصمة من فتنة النساء: الحرص على تقوية الإيمان، بالعبادة، والطاعة, والصحبة الصالحة, وطلب العلم الشرعي, وحضور مجالس العلم, والمداومة على الأذكار، والاستغفار, وقراءة القرآن.
ومنها: الحرص على إشغال الوقت بالنافع المفيد ما استطاع إلى ذلك، كممارسة الرياضة، ونفسك إن لم تشغلها بالنفع والطاعة: أشغلتك بالمضرة والمعصية.
وأما ممارسة العادة السرية: فإن كان لجلب الشهوة: فهو فعل محرَّم، وأما إن كان لكبح جماح الشهوة، وكان يخشى الوقوع في الفاحشة: فيجوز له فعلها، بل يجب! وذلك من باب دفع أعلى المفسدتين بارتكاب أدناهما.
ثانيًا:
وأما التبرؤ من الإسلام في كلامه بقوله لتلك الفاجر ” أنه ملحد “: فهو على وجهين:
الأول: الأصل فيها أنها حكم بخروج قائلها من ملة الإسلام، وخاصة إن كان قصد حقيقة اللفظ ومعناه، فيكون بذلك كافرا، تجري عليه أحكام المرتدين، وتوبته تكون بالنطق بالشهادتين، والدخول في الإسلام من جديد.
والثاني: أن توجد قرينة تدل على صدقه في عدم قصد تلك الكلمة، أو أنه لم يقصد الكفر بقوله ذاك: فيكون بذلك فاعلاً لكبيرة من كبائر الذنوب، وعليه التوبة والاستغفار منها.
عن ثَابِت بْن الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ). رواه البخاري ( 5754 ) ومسلم ( 110 ).
وعن بُرَيْدَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِماً ).
رواه أبو داود ( 3258 ) والنسائي ( 3772 ) وابن ماجه ( 2100 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
* قال النووي – رحمه الله -:
يحرم أن يقول ” إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني “، أو ” برئ من الإسلام “، ونحو ذلك، فإن قاله، وأراد حقيقة تعليق خروجه عن الإسلام بذلك: صار كافرًا في الحال، وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك: لم يكفر، لكن ارتكب محرَّمًا، فيجب عليه التوبة، وهي أن يقلع في الحال عن معصيته، ويندم على ما فعل، ويعزم على أن لا يعود إليه أبدًا، ويستغفر الله تعالى، ويقول: ” لا إله إلا الله محمد رسول الله “.
” الأذكار ” ( ص 359 ).
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
قال – أي: الحجاوي صاحب متن ” زاد المستقنع في اختصار المقنع ” -: ” وإن أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريءٌ من الإسلام، أو القرآن، أو النبي عليه الصلاة والسلام، أو يعبد الصليب، ونحو ذلك على ما ذكروه في الأيمان “: فمن قال شيئًا من ذلك: فهو كافر مرتد، نأخذه بقوله هذا، فإن قال: ما أردتُ: فإن وُجدت قرينة تدل على صدقه: تركناه، وإن لم يوجد: فإننا نقتله، إلا أن يتوب . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 431 ).
رابعًا:
فالواجب على السائل, وقد لمسنا من سؤاله ندمًا – والندم توبة – أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة، عسى الله أن يكفر عنه سيئاته، وأن يبدلها حسنات، ولو كانت توبة مما قاله من الكفر في قوله ” أنا ملحد “، قال تعالى: ( والذين لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) الفرقان/ 68 – 71.
والله أعلم.


