يريد التفرغ في مكة للعبادة، والدعوة إلى الله من غير دراسة ولا عمل!

السؤال

أنا أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وجّهنا إلى أن نجتهد في أمور الدنيا، كما نجتهد في أمور الآخرة، ولكني أرى بعض الناس يبالغ في ذلك ، فيضعون همهم على أمور الدنيا، ويتنافسون في تحصيلها، فعلى سبيل المثال: الدراسة الجامعية بعد الثانوية، أرى أن البعض يبالغ بالاهتمام بها، وأنها هي الطريق إلى إيجاد عمل كريم، بالنسبة لي أنا: فلا أريد أن أكمل الدراسة الجامعية، ولا اهتم بموضوع الشهادة هذه، فكل ما أريده هو الذهاب إلى مكة، والعيش هناك، والصلاة في الحرم، والدعوة إلى الله، فما رأيكم في ذلك؟ وماذا يتوجب عليَّ فعله بعد الثانوية؟.

الجواب

الحمد لله

اهتمام الإنسان وتفكره بأمر الآخرة: دليل على حسن استقامته، فحال أكثر الناس اليوم: الاهتمام بأمر الدنيا، وإغفال أمر الآخرة، فجزى الله السائل على هذه الهمة, ووفقه, وثبتنا وإياه على طريق الهداية.

أخي السائل الفاضل:

يقول الله تبارك وتعالى: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) القصص/ 77.

* قال ابن كثير – رحمه الله – في شرح هذه الآية -:

أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة.

( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) أي: مما أباح الله فيها من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولزَوْرك عليك حقّاً، فآت كل ذي حق حقه. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 254 ).

* وقال السلف قديمًا:

اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.

أخي الفاضل:

الإسلام وازَن بين أمر الدنيا، وأمر الآخرة, وجعل الدنيا مطية الآخرة، يستعين بها على طاعة الله بما وهب الله له من نِعَم لا تُعدُّ، ولا تُحصى, وبما سخَّر له من سماء ، وأرض، وجبال، وبحار، وأنهار، وغير ذلك.

وقد أمر الله بالضرب في الأرض، والسعي في عمارتها؛ استعانة على الأمر الأعظم، وهو أمر الآخرة، فالإسلام لا يأمر برهبانية النصارى، كما قال تعالى في ذمّها: ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) الحديد/ 27، ولم يأت الإسلام بالمادية الصرفة التي يعيشها أغلب الأمم الكافرة، قال تعالى ذمّها: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) الروم/ 7، فدين الإسلام متوسط بين الطائفتين، أباح لنا التنعم بلذات الدنيا المباحة، وأباح أنواع الكسب، وفي الوقت نفسه جاء بالصلاة، والاعتكاف، والصيام، وليس بين الأمرين تناقض، فيكون المسلم موازِنًا بين أمر الدنيا، وأمر الآخرة، ولا يغلّ\ب جانبًا على آخر، وإلا هلك.

وأما أمر الشهادة, والدراسة بعد الثانوية: ليست غاية للمسلم، ولا ينبغي أن تكون كذلك، ولكنها وسيلة يستخدمها للكسب المباح؛ ليعف نفسه عن التطلع إلى الحرام، ويعف يده عن مدها للآخرين، وإذا استقرَّ عمل يدر عليه دخلا: أمكنه أن يعف نفسه بزوجة، ويقيم بذلك أسرة تكون لبنة في المجتمع الإسلامي، فصارت الدراسة ونيل الشهادة من طرق تحقيق غايته العظمى، وهي طاعة الله في الأرض، والدعوة إلى شريعته، فيستعين بها من أجل ذلك، لا غير، والعلماء يقولون: ” الوسائل لها حكم المقاصد “.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

لمَّا كانت المقاصد لا يُتوصل إليها إلا بأسباب، وطرق تفضي إليها: كانت طرقها، وأسبابها، تابعة لها، معتبرة به ؛ فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها: بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقرُبات في محبتها والإذن فيها: بحسب إفضائها إلى غايتها, فوسيلة المقصود تابعة للمقصود, وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل.

” إعلام الموقعين ”  ( 3 / 135 ).

ونحن نعلم عن أناسٍ يقدسون الدراسة الجامعية، ويحرصون أشد الحرص على الشهادات، ولذا نرى أهلهم يأخذون القروض الربوية من أجل ذلك، ونراهم يسفّرون ابنتهم من غير محرم لبلد آخر، ونراهم يُدخلون أولادهم – ذكورًا وإناًثا – في بيات مختلطة فاسدة، وكل ذلك من أجل الحصول على ” ورقة ” جامعية ، يعلقها على جدار منزله، أمام أقربائه، ولو كان ولده لم يعمل بها، ولو حصّلها من غير فهم لموادها ! وهؤلاء لا شك أنهم مذمومون، وأن عندهم من الآفات، والأمراض ما يجعلنا نؤخر الكلام عن حرصهم الشديد على ” الشهادات “.

واعلم أنه ليس كل العالَم يسعى للدراسة الجامعية لتحقيق مدخول مادي يعيش به، فكثيرون يختارون الأعمال الحرَّة، وكثيرون يختارون الأعمال المهنية، وكلاهما لا تحتاج لدراسة جامعية، فالأول يملك المال أصلًا، والثاني يملك مهنة تدر عليه دخلًا، فما حاجتهما لتضييع أوقاتهم بالدراسة الجامعية، أو حتى الثانوية؟!.

والمهم في ذلك كله:

أن لا يكون المسلم بطَّالًا، ولا عالة على أهله، أو على المحسنين، فهذا مذموم غاية الذم، ولا يحل له أن ينسب ما حاله للإسلام .

فالنصيحة للأخ السائل:

أن يوازن بين أمر الدنيا، وأمر الآخرة ، ولا يمانع أحدٌ أن يطيع ربه تعالى، ويطلب العلم، ويدعو إلى الله، لكن ليس على حساب كسله، وبطالته، وأن يكون عالة على أهله، أو مجتمعه، وليعلم أنه سيكون فاشلًا في دعوته، ولن يقبل الناس منه نصحًا، ولا توجيهًا، وهذا حاله، إلا أن يكون ذا مال، وله تجارة، أو عنده دخل يقتات منه، فهنا نحن أول من يشجعه على التفرغ للعبادة، والطاعة، والعلم، والدعوة.

* وإليك هذا المثال الجليل لما ذكرناه لك:

هذا عمر بن الخطاب يتناوب هو وأنصاري – رضي الله عنهما – على حضور حلَق العلم عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يجعلوا طلب الرزق معارضًا للعلْم، فجمعوا بينهما من غير تفريط في أحدهما.

عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَنْزِلُ يَوْمًا، وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.

رواه البخاري ( 89 ) وبوَّب عليه بقوله: باب التناوب في العلم، ومسلم ( 1479 ) نحوه.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في تعداد فوائد هذا الأثر -:

وفيه: أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه؛ ليستعين على طلب العلم، وغيره، مع أخذه بالحزم في السؤال عما يفوته يوم غيبته؛ لما عُلم من حال ” عمر ” أنه كان يتعانى التجارة إذ ذاك. ” فتح الباري ” ( 1 / 186 ).

ولك في السلف المتقدمين – كذلك – أسوة حسنة، فقد كان منهم التاجر، والجزَّار، والصائغ، والحدَّاد، ولم يكن ذلك مانعاً لهم من حضور مجالس العلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتبليغ دين الله.

ولك – كذلك – في المعاصرين أسوة حسنة، فهذا الشيخ الألباني كان يعمل في تصليح الساعات، وكان يطلب العلم، ويدعو إلى الله، وهذا الشيخ ابن باز كان قاضًيا، ثم مديرًا للجامعة الإسلامية، ثم رئيسًا لعدة هيئات علمية، ومفتيًا، ولم يمنعه كل ذلك من طلب العلم والدعوة إلى الله، وقد حافظ على دروس الفجر في عدة فنون إلى أن توفاه الله، ومثل هذا يُقال في الشيخ ابن عثيمين – رحمهم الله جميعًا – فقد كان مدرساً في الجامعة، وكان يطلب العلم ويعلِّم.

 

والله الموفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة