تفصيل القول في أحوال الدعاء للكفار بالهداية، والدعاء عليهم بالهلاك
السؤال
بطبيعة الحال: ندعو للكفار، والضالين، بالهداية إلى ديننا الحنيف، ولكن بعد الأحداث التي جرت في ” غزَّة ” الأبية ، وما حلَّ بهم من جرَّاء العدوان مِن قبَل اليهود، فهل يكون دعاؤنا بهدايتهم، أم بهلاكهم؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الدعاء للكفار لا يخلو من أن يكون في حياتهم، أو بعد مماتهم، فإن كان في حياتهم جاز الدعاء لهم بالهداية، وإن كان بعد مماتهم على ظاهر حالهم: فلا يحل الدعاء لهم بالمغفرة؛ للنهي عن ذلك في الكتاب والسنَّة، قال تعالى: ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) التوبة/ 80، وقال تعالى: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) التوبة/113.
وسبب ذلك: أن هدايتهم في الدنيا ممكنة، وقد حصلت لكثيرين، وأما المغفرة لهم في الآخرة: فمستحيلة؛ لأن الله تعالى أخبر بذلك عن نفسه أنه لا يغفر لمن لقيه مشركًا، أو كافرًا، قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ) النساء/ 48.
وأما الدعاء لهم في الدنيا بالهداية: فجائز، ولو كانوا ظالمين معتدين، وسواء كان ذلك الدعاء لأفراد بأعينهم، أو لقوم وجماعات.
أ. ومما جاء في الدعاء لفردٍ بعينه وإن كان ظالماً معتديًا:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلاَمِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْما… فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلاَمِ فَتَأْبَى عَلَىَّ فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ)… فَفَتَحَتِ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. رواه مسلم ( 2491 ).
فها هي تنال من النبي صلى الله عليه وسلم، وتُسمع ابنها في نبيه ما يكره، ولا يمنع ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم من الدعاء لها بالهداية، فيتم لابنها ما أراد ويهديها ربها تعالى.
ب. ومما جاء في الدعاء لقومٍ:
ما رواه البخاري رحمه الله تحت بَابُ ” الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْهُدَى لِيَتَأَلَّفَهُمْ “:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْساً وَأْتِ بِهِمْ ). رواه البخاري ( 2937 ) ومسلم ( 2524 ).
وقد استجاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وجاء بهم أجمعين مهتدين.
ثانيًا:
ولا يناقض ما سبق من الدعاء للكفار أن يُدعى عليهم بالهلاك؛ وذلك أن الدعاء الوارد في السنَّة مما فيه دعاء على الكفار إنما كان على ” الظالمين “، و ” المعتدين “، و ” مَن لا يُرجى خيره، ويُخشى ضره “، و ” المحاربين “، فمثل هؤلاء لا يُنكر على من دعا عليهم، سواء دعاء على فردٍ بعينه، أو على قوم.
ومما جاء في الدعاء على الكفار:
- الدعاء على الكفار الحربيين:
أ. الدعاء على فرد بعينه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. رواه البخاري ( 4284 ).
هذا لفظ البخاري، وفي الصحيحين ذِكر أسماء بعض المسلمين، وذِكر اسم قبيلة من الكفار.
ولفظه عندهما:( اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ).
* قال ولي الدين العراقي – رحمه الله -:
فيه حجة على أبي حنيفة في منعه أن يُدعى لمعين، أو على معيَّن في الصلاة، وخالفه الجمهور، فجوزوا ذلك؛ لهذا الحديث، وغيره من الأحاديث الصحيحة .
” طرح التثريب ” ( 2 / 291 ).
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سمَّى مَن يدعو لهم مِن المؤمنين، ومَن يدعو عليهم مِن الكافرين المحاربين: كان ذلك حسنًا. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 271 ).
ب. الدعاء على جماعات، وقبائل من الكفار المحاربين:
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ.
رواه البخاري ( 2773 ) ومسلم ( 627 ).
* قال ابن دقيق العيد – رحمه الله -:
وفي الحديث: دليل على جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا.
” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ” ( ص 101 ).
وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اللَّهُمَّ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ).
رواه البخاري ( 2775 ) ومسلم (1742 ).
– ( الأحزاب ): قريش، وغطفان، ومن ناصرهما.
- الدعاء على الكفار غير الحربيين، من الظالمين، والمعتدين:
أ. الدعاء على الأفراد منهم:
عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ). رواه البخاري ( 237 ) ومسلم ( 1794 ).
– ( القليب ): البئر القديمة.
ب. الدعاء على قبائل ، وجماعات ، منهم :
عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
رواه البخاري ( 237 ) ومسلم ( 1794 ).
- الدعاء على الكفار ممن لا يُرجى خيرهم، ويُخشى ضرهم:
عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ ). رواه البخاري (6011 ).
* قال العيني – رحمه الله -:
وإنما خصَّ ” الجحفة ” لأنها كانت يومئذ دار شرك، وقال الخطابي: وكان أهل الجحفة إذ ذاك يهودًا، وكان كثيرًا ما يدعو على مَن لم يجبهم إلى دار الإسلام إذا خاف منه معونة أهل الكفر، ويسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه، وقد دعا على قومه أهل مكة حين يئس منهم فقال: ( اللهم أعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف ) ودعا على أهل الجحفة بالحمى ليشغلهم بها، فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمَّى، وإنه ليتقى شرب الماء من عينها الذي يقال له ” عين حم ” فقلَّ مَن شرب منه إلا حُمَّ، ولما دعا عليه الصلاة و السلام بذلك الدعاء لم يبق أحد من أهل الجحفة إلا أخذته الحمَّى .
” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 10 / 251 ).
* وقال الزرقاني – رحمه الله -:
ففيه جواز الدعاء على الكفار بالأمراض والهلاك، وللمسلمين بالصحة.
” شرح الزرقاني على موطأ مالك ” ( 4 / 287 ).
* وقال ابن بطال – رحمه الله -:
كان الرسول يحب دخول الناس فى الإسلام، فكان لا يَعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام، بل كان يدعو لمَن كان يرجو منه الإنابة، ومَن لا يرجوه، ويَخشى ضره، وشوكته: يدعو عليه ، كما دعا عليهم بسنين كسني يوسف، ودعا على صناديد قريش، لكثرة أذاهم وعداوتهم ، فأجيبت دعوته فيهم، فقتلوا ببدر ، كما أسلم كثير ممن دعا له بالهدى . ” شرح صحيح البخاري ” ( 5 / 114 ).
* وقال العيني – رحمه الله -:
وقد ذكرنا أن دعاء النبي على حالتين: إحداهما: أنه يدعو لهم إذا أمِن غائلتهم، ورجا هدايتهم، والأخرى: أنه يدعو عليهم إذا اشتدت شوكتهم، وكثر أذاهم، ولم يأمن مِن شرهم على المسلمين. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 21 / 443 ).
والخلاصة:
- جواز الدعاء على الكفار الظالمين، والمعتدين، على المسلمين.
- جواز الدعاء لهم بالهداية.
- جواز الدعاء على المحاربين من الكفار.
- نرى عدم جواز الدعاء لعموم الكفار بالهداية، ولا الدعاء على عمومهم بالهلاك؛ لأن كليهما لا يمكن تحققه، فهو اعتداء في الدعاء.
- قد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص الدعاء على المحاربين من الكفار، والظالمين، والمعتدين، دون تعميم ذلك إلا أن يكون الدعاء على قبائل تحميهم، وبلدان تأويهم.
- لا تقدم الدعاء بالهداية لليهود المحتلين لأرض المسلمين، والمقاتلين للمستضعفين، على الدعاء بالهلاك، والاستئصال -، ومثلهم إخوانهم المجوس، والهندوس، وكل من يحارب الإسلام ويقاتل المسلمين – وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم – كما سبق – في قنوت النوازل، وهو هدي الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ” … اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكُذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمَ، وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَكَ الَّذِى لاَ تَرُدُّهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ “. رواه عبد الرزاق في ” المصنف ” ( 3 / 111 )، والبيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 2 / 210 ) وصححه.
* قال النووي – رحمه الله -:
وقوله ” اللهم عذب كفرة أهل الكتاب ” إنما اقتصر على أهل الكتاب لأنهم الذين كانوا يقاتلون المسلمين في ذلك العصر، وأما الآن: فالمختار أن يقال: ” عذِّب الكفرة ” ليعم أهل الكتاب وغيرهم من الكفار؛ فإن الحاجة إلى الدعاء على غيرهم أكثر. ” المجموع شرح المهذب ” ( 3 / 498 ).
والله أعلم.


