حكم تمثيل الأحاديث النبوية، ووضع صور توضيحية أثناء قراءة القرآن
السؤال
هناك قنوات تأتي ببعض الأحاديث، وتمثلها، وتأتي ببعض الآيات، وتكون الخلفية على نفس الآية، يعني: إذا كانت الآيات تتحدث عن الجنَّة، فيأتون بصور حدائق، ماحكم ذلك؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
قد اطلعنا على جملة من مقاطع مصورة فيها تمثيل لأحاديث نبوية، وكان ذلك تحديدًا في ” قناة المجد “، ويمكن تقسيم ما رأيناه إلى أقسام ثلاثة:
- مقاطع قرَّبت الصورة في فهم الحديث، وليس فيها محذور شرعي، وهي الأكثر، وأكثر ما كان ذلك في ” أمثال الحديث “، وسبب ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر في تلك الأحاديث الصحيحة عن أفعال، أو أحوال، وقد قرِّبت حقيقة تلك الأفعال والأحوال بمشهد تمثيلي، وليس في ذلك المشهد قيام بدور صحابي، ولا شخص كافر، ولا غيره مما يمكن أن يكون فيه محذور شرعي.
ومن أمثلة ذلك مما رأيناه:
أ. عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَثَلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا … ). رواه مسلم ( 2248 ).
وفي المقطع المرئي: رجل أوقد نارًا، وفراشات، ودواب، اجتمعن عليها، ووقعن فيها، وهو يذبها عن النار، وهو أمر مطابق لما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أمرٍ يتكرر مع كل من يوقد نارًا في صحراء، أو فضاء.
ب. عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ ).
رواه ابن ماجه ( 88 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.
وفي المقطع المرئي: ريشة تتقلب في فلاة بفعل الرياح، وهو أمر مطابق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من مثَل، وشبَّه تقلب القلب به.
ج. عن ابن عمر رضي اله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ مَا أَخَذْتَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ نَفَعَكَ ).
رواه الطبراني ( 12 / 411 )وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة “( 2285).
وفي المقطع المرئي: نخلة يؤخذ منها أجزاء منها، وتستعمل فيما ينتفع به الناس، وهو أمر مطابق يقرِّب الصورة لذهن من يستمع الحديث، ويراه واقعاً عمليًّا.
والأمثلة على هذا القسم كثيرة.
- مقاطع لم يُحسن تقريب الصورة لمعنى الحديث لأذهان من رآه؛ للبعد عن الصورة الحقيقية، وبين المشهد التمثيلي.
ومن أمثلة ما رأيناه في ذلك:
أ. عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ). رواه مسلم ( 779 ).
والمقطع المرئي وإن كان فيه صورتين متقابلتين لبيت يُذكر الله فيه، وآخر فيه غفلة عن ذلك: لكنه لم يظهر فيه الفرق بين الحياة، والموت.
ب. عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ). رواه مسلم ( 2585 ).
والمقطع المرئي لم يعبِّر عن حقيقة تداعي البدن لشكوى عضو منه، بل كانت الصورة لمريض لم تظهر عليه أعراض الحمى، ولا السهر، بل كان نائمًا!.
- ومن أسوء ما رأيناه، وقفَّ شعرنا من مشاهدته: هو مقطع تمثيلي لرجل ذهب يغرس فسيلة، فصوِّر وقوع يوم القيامة ! فاستمر في غرسها، وفي ظنِّ القائمين على إنشاء هذا المقطع أن الأمر مطابق لحديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ) رواه أحمد ( 20 / 296 ) وصححه محققوا المسند.
وكنَّا أثناء تصنيف ما رأينا من مقاطع أن يكون هذا المشهد هو مثال لما يجوز فعله، ولا نشره، وكنَّا نود التفصيل في بيان السبب، ثم وقع لنا كلام للشيخ العلامة عبد الرحمن البرَّاك حفظه الله، وقد سئل عن هذا المطع تحديدًا، فأنكره، وبيَّن السبب، فنكتفي بذِكر ما قاله الشيخ حفظه الله، فهو خير مما كنا نود كتابته.
* سئل الشيخ عبد الرحمن البرَّاك – حفظه الله -:
في قناة ” المجد ” مقطع بعنوان ( أمثال الحديث النبوي ) وقد عرضوا فيه صورة رجل يحمل معه فسيلة نخل، ثم عرضوا في السماء بروقًا، وسحابًا أسود، وأصواتًا، ورعودًا، ثم ظهر على الشاشة نص حديث ” إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها )، ثم قام الرجل بغرس النخلة، وانتهى المقطع، فما حكم هذا العمل؟.
فأجاب :
الحمد لله، من الأمور المسلَّمة أن حسن القصد لا يُسوِّغ الوسيل ، بل غاية ما يحصل: رفع الإثم، إذا لم تكن المخالفة الشرعية مشوبة بهوى، وحقائق الغيب من الماضي، والحاضر، والمستقبل لا يمكن تصورها، فضلًا عن تصويرها! ومِن ذلك : أحوال القيامة؛ كالبعث، والصراط، والميزان، وما يسبق ذلك من النفخ في الصور، وما ينشأ عنه من فزع، وصعق، وتغيرات في العالم العلوي، والسفلي، وما يصاحب ذلك من أهوال .
وما تضمنه هذا الحديث المذكور في السؤال: يفهمه كل مَن يفهم العربية، فإنه يعرف معنى النخلة، ويعرف معنى الغر ، ومعنى الرجل، وإن كان لا يتصور حقيقة الهول، فلا معنى لتوضيح الواضح ولا يمكن تصور الهول عند قيام الساعة، وهذا الحديث إن كان صحيحًا: فمقصوده: المبالغة في الحث على غرس الشجر المثمر؛ لما فيه مِن النفع العام، والأجر المترتب على ذلك .
ومعلوم أنه إذا قامت الساعة: فلن يُستطاع غرس، ولا يُرجى، ولا يُجنى ثمر، فقد ذهب ما هنالك، وانشغل كلٌّ بنفسه .
إذا ثبت هذا: فنحب من إخواننا القائمين على ” قناة المجد ” وفقهم الله أن يتجنبوا تمثيل الغيبيات، ويكتفوا بذِكر النصوص، وتفسير، وشرح ، ما تدعو إليه الحاجة، فجزاهم الله خيرًا على ما أرادوا، وقدموا من الخير، وعفا عما يقع من أخطاء، إنه تعالى سميع الدعاء، ومما يلاحظ على هذا المقطع: أن عنوانه غير مطابق لمضمونه، وكأن الذي وضع العنوان اختلط عليه المثل بالتمثيل الاصطلاحي، فإن هذا الحديث ليس من ” أمثال الحديث “، وإنما أضيف إليه التمثيل، وصلَّى الله وسلم على محمَّد
http://www.7-oob.net/vb/showthread.php?t=2066
وفي ظننا أن أحاديث الأمثال هي أبعد ما يكون عن الوقوع في المحذور الشرعي؛ لأن الحديث فيها – كما قلنا سابقًا – عن أفعال للناس، وأحوال لهم، ولغيرهم، مما يمكن تصويره، وتقديمه للمشاهد؛ لتقريب الصورة لذهنه، بخلاف الأحاديث من غير الأمثال، فإن الوقوع في تمثيلها في المحذور محتمل، وإن كان الحديث في أمرٍ غيبي: صار الوقوع في المحذور حتميًّا، فالابتعاد عن الثاني: واجب، وعن الأول: أسلم.
ومن أشهر الكتب التي اعتنت بالأمثال: كتاب ” الأمثال ” للقاضي الرامَهُرْمزي، وكتاب ” الأمثال ” لأبي الشيخ الأصبهاني، وكلاهما مطبوع.
ثانيًا:
وقد قرأنا لمن يُنكر مثل ذلك التمثيل لأحاديث الأمثال، ولم نره أصاب في قوله، وبيان ذلك من وجوه:
- أن الفعل نفسه ليس بعبادة يفعلونه من أجل التقرب إلى الله.
- أن الأمثال بحد ذاتها هي لتقريب الشيء مراد إيصاله للناس، فما يحصل من تمثيل لذلك المثال ليس فيه ما يُنكر، وهو مؤدٍ لدور المثال نفسه.
- استعمل النبي صلى الله عليه وسلم طرقًا كثيرة من أجل إيصال معانٍ جليلة للصحابة، ومن ذلك:
أ. تقريب معنى رحمة الله تعالى بالعباد بصورة واقعية لامرأة وابنها:
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ).
رواه البخاري ( 5653 ) ومسلم ( 2754 ).
ب. تقريب معنى رؤية الله تعالى برؤية شيء محسوس مشاهَد.
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: ( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ). رواه البخاري ( 529 ) ومسلم ( 633 ) .
- استعمال النبي صلى الله عليه وسلم للرسم لتوضيح الصورة في أذهان من يراه.
ومن أمثلة ذلك:
أ. مسند أحمد م/50 مؤسسة الرسالة – (7 / 206)عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّاً ثُمَّ قَالَ: ( هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ) ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: ( هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ( إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ). رواه أحمد ( 7 / 208 ) وحسَّنه المحققون.
ب. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَاراً إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: ( هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ – أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ- وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ). رواه البخاري ( 6054 ).
وهذا الحديثان فيهما ردٌّ على من أنكر مثل ذلك التمثيل للأمثال، وكان قد زعم في ردِّه عدم وجود رسم توضيحي للأحاديث في فعل السلف، وها نحن نذكره عن نبي الأمة صلى الله عليه وسلم.
- والسلف والخلف لا يمانعون – بل منهم من يباشر ذلك بفعله – من تدريس الفرائض بصنع ” جداول “، وبعضهم يدرِّس الأسانيد برسم ” شجرة ” لرجال الإسناد، ولا يمنعون من تدريس السيرة باستعمال ” الخرائط ” التوضيحية.
فالتشدد يحسنه كل أحد، وإنما الفقه أخذ الرخصة عن ثقة، كما يروى عن سفيان الثوري رحمه الله، ولا بأس من وضع شروط، وضوابط، لتجويز الفعل، وأما المنع بالكلية: فلا يسلم.
ثالثًا:
وأما جعل لوحات خلفية تعبيرية وتصويرية مع قراءة القرآن: فلا نجوزه، وليس هذا الأمر يشبه بحال ما سبق ذِكره، والتدليل عليه؛ لأسباب، منها:
- أن واقع الآيات القرآنية يمنع أن تكون صورة تعبِّر عن مراد الله تعالى منها؛ لأن الغالب على الآيات القرآنية أنها تحوي معانٍ متعددة، وفي كل كلمة من القرآن إعجاز بلاغي، فالصورة التي ستكون مع القراءة ستعطل التأمل في الآية لينصرف الذهن لكلمة فيها، كصورة فاكهة، أو نهر، أو غير ذلك.
- وجود صورة مع قراءة الآيات قد يأتي بغير المراد من الآية، فمثلًا: وضع صورة جبل مع قراءة قوله تعالى ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ) طـه/ 105: من شأنه أن يصرف الذهن عن المراد من التهويل بما يحدث يوم القيامة، فالجبل لا يكاد يجهله أحد، وأما النسف له: فهي الصورة التي لا يمكن لأحدٍ أن يصورها في ذهن الناس، فضلًا عن تصويرها!.
- وضع الصور مع قراءة لا يطابق الواقع في الآخرة، فصورة الأشجار، والفاكهة، والأنهار، وغيرها مما يشبهها: ليست هي ذاتها التي في الآخرة، وإنما الاشتراك بينهما في الأسماء، لا غير، فصار وضع تلك الصور مع القراءة لا يعبِّر عن الحقيقة.
- قد تشتمل الآية على معنيين متقابلين، فكيف يمكن جمع ذلك في وقت واحد أثناء قراءة الآية؟! وهذا الأمر من خصائص القرآن، ولذا فمن المستحيل تقريب الصورة لذهن المستمع عن طريق الصورة، وذلك مثل قوله تعالى ( َبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ) الحجر/ 49 ، 50، مثل قوله تعالى : ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) النساء/ 165.
بل فليقولوا لنا كيف يمكنهم وضع صور مع قراءة ” آية الكرسي “، أو ” آية الدَّين “؟! فصار ما يريدون فعله ليس له نصيب من الواقع، فضلًا عن الصحة.
- وأخيرًا: فقد أمر المسلمون عند سماع القرآن بالاستماع والإنصات، ومن شأن النظر في الصور والمشاهد أن يمنع من تفكر القلب، والتدبر بآيات الله تعالى، ومثل هذا ليس مأمورًا به من استمع لحديث النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه فتاوى في التحذير من هذا الفعل، وعدم جوازه:
أ. * سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم رسم الصور التي تعبر عن الآيات، مثل من يرسم الإبل ويكتب تحتها قوله تعالى: ( أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) الغاشية/ 17 وهكذا، آملين إصدار فتوى بهذا الشأن
فأجابوا:
تفسير آيات القرآن بالرسوم والصور المعبرة عن أحداث القصص من الأشخاص، من أنبياء الله ورسله – عليهم الصلاة والسلام – والصالحين من عباده، أو من الكفار والشياطين، وما فيها من ذكر جماعات من شجر ونحوه: كل هذا تفسير بدعيٌّ محرَّم لا يجوز فعله، ولا طبعه ولا نشره، ويجب الامتناع عنه، ومنع تداوله مهما كانت نية صاحبه حسنة، كدعوى تقريب فهم الآيات للصغار، أو لحديثي العهد بالإسلام، أو غير ذلك من الأسباب؛ وذلك لما تشتمل عليه هذه الطريقة في تفسير كتاب الله تعالى من المحاذير الشرعية، ومنها:
- أن هذا العمل سواء كان لرسوم ما فيه روح أو لشجر ونحوه: عمل مبتدع في تفسير كتاب الله عز وجل ، يخالف منهج علماء الأمة قديمًا وحديثًا، وليس هو من طرق التفسير المعروفة عندهم.
- أن هذا العمل فيه استهانة بحرمة كتاب الله عز وجل، واستخفاف بمعانيه العظيمة
- أن هذا العمل وسيلة للتلاعب بتفسير كتاب الله تعالى بالطرق التي لم يشرعها سبحانه .
- في هذا العمل تمثيل للأنبياء والمرسلين ، وتعريضهم للضحك والاستهانة والاستخفاف بهم، ففاعله على خطر عظيم، والاستهزاء والاستهانة بنبي كفر عظيم بنص القرآن العظيم .
- رسم صور الأنبياء المتخيلة سبب ظاهر لفتنة الشرك بالله تعالى ونقض التوحيد، كما قص الله علينا خبر الذين اتخذوا ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، فقال تعالى: ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ) نوح/ 23 ، 24، فالشرك إنما وقع في قوم نوح لما صوروا هؤلاء الصالحين، ونصبوا صورهم في مجالسهم، فآلت بهم الحال إلى عبادتهم .
- أن تصوير ذوات الأرواح حرام؛ لدلالة كثير من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح والسنن والمسانيد على تحريم تصوير كل ذي روح آدميّاً كان أو غيره، وهتك الستور التي فيها الصور، والأمر بطمس الصور، ولعن المصورين وبيان أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، ونحن نذكر لكم جملة من الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الباب. ففي (الصحيحين) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ( قال الله عز وجل : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة ) وهذا لفظ مسلم.
وفيهما – أيضًا- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: ( إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون )، ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم ) هذا لفظ البخاري.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقد سترتُ سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه وتلون وجهه، وقال: ( يا عائشة، أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله ) قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين. رواه مسلم، وغيره من الأحاديث الكثيرة.
علمًا أن هذه الطريقة كما يحرم عملها في تفسير آيات القرآن العظيم، فكذلك يحرم عملها في شرح أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ للاشتمال على هذه المحاذير الشرعية نفسه .الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 307 – 310 ).
ب. * سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
ما حكم رسم بستان كأنه يمثل الجنة ، ونار كأنها تمثل النار؟.
فأجاب:
هذا لا يجوز؛ لأننا لا نعلم كيفية ذلك ، كما قال عز وجل: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) السجدة/ 17، ولا يعلم كيفية النار، هي فضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءاً بما فيها النار الغليظة كنار الغاز، وغيرها، وما هو أشد، فهل أحد يستطيع أن يمثل النار؟ لا أحد يستطيع، ولهذا بلِّغ من يفعل ذلك أن هذا حرام، ومع الأسف الشديد أن الناس الآن بدؤوا يجعلون الأمور الأخروية كأنها أمور حسيَّة مشاهَدة.
رأيتُ ورقةً مكتوب فيها مُربَّعات: ” الموت “، خطّ، مُربَّع آخر: ” القبر “، خطّ ، مُربَّع آخر: ” القِيامة “، وهكذا، هذا كأنَّه صَوَّرَ ما بعد الموت خُطوطا، ومُربَّعات هندسيَّ، جُرأة عظيمة! – والعياذ بالله -.
ثُمَّ يقال: ما الَّذي أدراك أنَّ هذا بعد هذا؟ نحن نعلم أنَّ القبر بعد الحياة الدُّنيا، وأنَّ البعث بعد القبر، لكنْ: تفاصيل ما يكون يوم القيامة مِنَ الحساب والموازين وغير ذلك: مَنْ يعلم التَّرتيب؟ لكنْ: هذه جرأة عظيمة! والغريب أنَّ هذه الورقة تُوزَّع! لكنَّها مِنْ جُملة ما يُوزَّع الآن على النَّاس مِنَ الأوراق المكذوبة على الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام ، فيجب الحذر والتَّحذير من هذه الأوراق.
” لقاءات الباب المفتوح ” ( 220 / السؤال 14 ).
ج. * وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
نرى على بعض الإعلانات التي تكون على بعض الأشرطة لبعض الدعاة رسوماً ، كالأنهار، والزروع، إذا كان الحديث عن الجنَّة، ويرسمون ظلاًّ يزعمون به محاكاة ظل الشيطان إذ كان الكلام عن شرٍّ، فهل هذه الأفعال جائزة؟.
فأجاب:
هذه الرسومات فيها ادعاء لعلم الغيب الذي ما يعلمه إلا الله، الجنَّة ما يعلمها إلا الله، والنار لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز أنها تصور النار، أو الجنة، أو الصراط، على ورق، وهذا من الجهل.
” الإجابات المهمة في المشاكل الملمة ” ( 2 / 106 و 107 ).
والله أعلم.


