مشروع دعوي، هل يجوز اتخاذ آية قرآنية شعارًا له؟

السؤال

لقد قمت صحبة عدة إخوة من شباب المسلمين من مختلف أنحاء العالم ببعث مشروع يوظف التكنولوجيا الحديثة لخدمة الإسلام، وذلك من خلال إنشاء نظام تشغيل حواسيب مرفقًا بجملة من البرامج الإسلامية المفيدة كبرنامج أوقات الصلاة، وبرنامج عرض وتلاوة القرآن الكريم، وموسوعة كتب إسلامية …الخ، كل ذلك اعتمادًا على تقنيات البرامج الحرة، مما يجعل عملنا مرفوعًا عن مسألة ” حقوق النسخ “، وهو ما ييسر الحصول عليه ونشره بصفة مجانية، وقد اخترنا كاسم للمشروع ” سبيلي “، وكشعار الجزء الأول من الآية 108 من سورة يوسف: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني … )، إلا أن بعض الإخوة اعترض على اعتماد آية من القرآن الكريم كشعار لفريق العمل، فيما رأى البعض الآخر أن كتابة هذا الجزء من الآية، أو كامل الآية، أو أكثر من ذلك على شاشة الحاسوب عند فتحه، أو عندما يطلب من المستعمل إدخال اسمه، وكلمة العبور: رأى أن ذلك منهي عنه، قياسًا على النهي عن زخرفة المساجد، وكتابة الآيات فيها، أجبتهم – شيخي الكريم – أن الرأي الثاني هو قياس باطل؛ لغياب وجه الشبه، وأن الاعتراض الأول لم يؤيده نص من القرآن، أو السنَّة، أو أقوال العلماء، وأن أغلب الجمعيات القرآنية، أو الدعوية، أو الجهادية: تعتمد آية، أو جزءً من آية، كشعار لها، ولعملها، فلم يقتنعوا!.

الرجاء أن تفتونا في ذلك، أثابكم الله، وأن تبينوا لنا الحق، حتى نتبعه، ونبتعد عن الهوى، كما نرجو منكم الدعاء لمشروعنا بالنجاح، وأن يجعله الله في ميزان حسناتنا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.

ملاحظة: عملنا في نسخته الحالية يحمل اسم ” النسخة الإسلامية لأوبونتو “، وعنواننا على الشبكة هو: http://www.ubuntume.com/ar:start

وجزاكم الله عنَّا وعن المسلمين كل خير.

الجواب

الحمد لله

أخي الفاضل

أولًا:

جزاكم الله خيرًا على همتكم الطيبة، والعظيمة، على هذا المشروع، والذي يدل على حرصكم، ومحبتكم لخدمة الإسلام، والمسلمين.

ونسأل الله أن يجعل عملكم خالصًا لوجهه الكريم، وأن يوفقكم، ويسدد خطاكم لإتمام هذا المشروع، وأن يجعله في ميزان حسناتكم.

ثانيًا:

الأصل في القرآن أنه كتاب هداية، وإرشاد، وتعليم، فقد أنزله الله لهذه الغايات العظيمة قال تعالى: ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) المائدة/ 15، 16.

ولذا فالواجب تجاه القرآن هو العمل بأحكامه، والاهتداء بهديه، والتحلي بما حث عليه من أخلاق، وآداب.

ومن هنا فلم يكن من هدي السلف تعليق القرآن على الجدر، والحوائط، والمحاريب، وغيرها؛ لتعظيمهم لكتاب ربهم، ولعلمهم بالحكَم الجليلة من إنزاله.

ثالثًا:

وعلى ذلك: فالأولى للمسلم أن يجتنب اتخاذ آية من القرآن، أو جزءً من آية، لتكون شعارًا لمشروع، أو عمل دعوي.

وفي القول بالجواز فتح الباب أمام الأحزاب، والجماعات، والفرق الإسلامية، والنوادي الرياضية، والشركات التجارية، والمصانع، والوزارات، ليتخذ كل واحد من أولئك آية من القرآن يجعلها شعارًا له، وبذلك يُستعمل القرآن في غير ما أنزل من أجله، ويصير للدعاية، والإعلان، للأشخاص، والهيئات، كمثل من اتخذ شعارًا لمطعمه ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) البقرة/ من الآية 57! وشتان شتان بين معنى القائل، وكون القائل هو الله الممتن على خلقه برزقه لهم، مع استعمال الآية في طعام مصنوع، ويقدَّم بثمن، وهو من مخلوق مرزوق، مربوب.

وفي القول بالجواز فتح الباب أمام تحريف معاني الآيات ليوهم أصحاب الشعارات انطباقها عليهم، وأحيانًا: عليهم دون غيرهم، كمثل من رشَّح نفسه لانتخابات ” نيابية ” واتخذ شعارًا له في جملته الانتخابية، وهو قوله تعالى ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) القصص/  من الآية 26، فانظر لهذا التحريف لمعنى الآية، وانظر كيف زكَّى نفسه، مع أن الآية في وصف ابنة الرجل لموسى عليه السلام، فأين ذلك النائب من موسى عليه السلام؟ وكيف يصف نفسه بالقوة والأمانة لشيء قادم، لا ماضٍ؟! ثم إن موسى عليه السلام لم يقل ذلك عن نفسه، بل قاله عنه غيره، وهكذا في سلسلة من الشعارات تتخذها الجماعات، والهيئات، وحتى الشركات، وكل واحد من أولئك ينتقي من القرآن ما يوافق هواه ليسوِّق لما يدعو إليه.

أما إطلاق اسم ” سبيلي ” على المشروع، أو أي كلمة أخرى، ولو كانت من القرآن الكريم: فلا نرى مانعًا، ولا حرجًا في ذلك؛ فالكلمة ليست آية.

رابعًا:

وأما الاستدلال على الجواز بما روي عَنْ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنْ بُيِّتُّمْ فَلْيَكُنْ شِعَارُكُمْ ” حم لَا يُنْصَرُونَ” ). رواه الترمذي ( 1682 ) وأبو داود ( 2599 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

فالجواب عليه:

  1. أن الشعار في الحديث ليس معناه ما يُقصد به في زماننا هذا، والذي سأل عنه الأخ السائل، بل الشعار في الحديث معناه: ” العلاَمة التي كانوا يتعارفون بها في الحرب ” كما قاله ابن الأثير الجزري، وغيره.
  2. أنه ليس في القرآن آية ” حم. لا يُنصرون “، وقد اختلف العلماء في أصل ذلك الشعار ما هو، كما اختلفوا في معناه، والذي يظهر أن العلامة التي كانت بينهم هي لفظة ” حم ” وحدها، وهي إشارة إلى ” السور ” التي تبدأ بهذين الحرفين؛ لما لها من شأن عظيم، وأن كلمة ” لا يُنصرون ” ليست من ذات الشعار.

* قال ابن الأثير الجزري – رحمه الله -:

قيل: معناه: ” اللهمّ لا يُنْصرون “، ويُريد به الخَبر، لا الدُّعاء؛ لأنه لو كان دُعاء لقال: ” لا يُنْصَرُوا ” مَجْزوماً، فكأنه قال: واللّه لا يُنْصَرُون.

وقيل: إنّ السُّوَر التي في أوّلها ( حم ) سُوَرٌ لَها شَأن، فَنَبَّه أنّ ذِكْرها لِشَرف مَنْزِلتها مما يُسْتَظْهَر به على اسْتِنْزال النَّصْر من اللّه.

وقوله ” لا يُنْصَرون “: كلام مُسْتَأْنَف، كأَنه حِين قال: قولوا ” حم “، قيل : ماذا يكون إذا قُلنا؟ فقال: لا يُنْصَرون.

” النهاية في غريب الأثر ” ( 1 / 446 ).

وأما من قال بالمنع قياساً على المنع من ” زخرفة المساجد “: فلا ندري وجه الشبه بينهما، إلا أن يكون قصده منعكم من ” زخرفة الآية “، وليس اتخاذها شعارًا لمشروعكم.

وننصح الإخوة الأفاضل: أن يجعلوا مكان تلك الآية: بيتًا من الشعر، أو حكمة سديدة، أو قولًا لأحد الأئمة، تدل على طبيعة المشروع، أو تحث على المشاركة فيه، أو دعمه.

وفقكم الله لكل خير، وسدد خطاكم.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة