هل ثمة خروج من الجنة والنار لأهلهما؟ وحال أعمال من تسمى “الأم تريزا” في الآخرة
السؤال
قرأنا في جواب على الموقع أن أهل النار مخلدون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها, بينما قرأت في ” صحيح البخاري ” ( كتاب 2، 12, 72 ) أن بعض أهل النار يمنُّ الله عليهم ويدخلهم الجنة لما في قلبهم من الإيمان به, فأيهما أصح؟ وإذا كان كلاهما صحيحاً فكيف الجمع بينهما؟.
وعلى هذا: فهل تدل الآيات الواردة في سورة ” هود ” على أنه يمكث بعض الذين قاموا بأعمال حسنة فترة مماثلة في الجنة ولكن في النهاية يدخلون النار؟.
وإن لم يكن كذلك: فكيف يكافأ هؤلاء الكفار الذين أفنوا أعمارهم في خدمة البشرية ثم ماتوا في بلاد الكفر, مثل ” الأم تريزا “؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نشكر للأخ السائل متابعته لما ننشره من إجابات في موقعنا، ونشكر له إعمال نظره فيها، وما سأل عنه مما ظاهره التعارض يدل على حبِّه للفائدة، وسعيه للانتفاع بما يقرأ.
ثانيًا:
ونقول للأخ السائل: إنه لا معارضة البتة بين ما ذكرناه في إجابتنا، وما تذكره من أحاديث، وبيان ذلك: أن أهل النَّار قسمان:
القسم الأول: موحِّدون خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وأدخلهم الله تعالى النار بذنوبهم، وشاء لهم أن يعذَّبوا فيها.
وهذا القسم عذابهم في النار إلى أمد، والله تعالى هو الذي يقدِّر ذلك الأمد، ثم يخرجهم من النار، ويكتب لهم الخلود في الجنَّة بعدها.
وهذا القسم هم المقصودون في الأحاديث التي ذكرتها، والتي فيها بيان خروج من في النار لما عندهم من توحيد، وهم أصحاب النار من المسلمين.
القسم الثاني: كفار، ومنافقون، ليس عندهم توحيد، وقد ماتوا على الكفر والشرك والإلحاد والنفاق.
وهذا القسم عذابهم إلى الأبد، وقد توعدهم ربهم بالخلود في النار إن هم لم يأتوا بما أمرهم الله تعالى به من توحيد، فاختاروا لأنفسهم الكفر واختاروا الخلود الدائم في النار.
وهذا القسم هم المقصودون في آيات سورة هود التي ذكرناها في الجواب الذي ذكرته في أول سؤالك.
ثالثًا:
وبما ذكرناه سابقاً تعلم أن دخول النار ليس لطائفة واحدة، بل لطائفتين، تخرج واحدة منها، وهم الموحدون الذي فعلوا من المعاصي ما استحقوا به النار، ولا تخرج الأخرى، وهم الذين جاءوا بالكفر وماتوا عليه.
وأما الجنَّة: فلا تدخلها إلا طائفة واحدة، وهم الموحدون، وهي لا خروج فيها لأحد، بل من دخلها من أهلها فلا يخرج منها البتة.
وبه تستطيع فهم ما جاء في كتاب الله تعالى من الحكم بعدم الخروج من النار، وأن المقصود به الكفار المخلدون في جهنم، كما في قوله تعالى ( كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِين مِنَ النَّارِ ) البقرة / 167، وكما في قوله تعالى ( يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) المائدة/ 37.
وأما أهل الجنة: فقد حكم الله تعالى بعدم خروجهم منها، كما في قوله تعالى ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) الحجر/ 48.
رابعًا:
وإذا تبيَّن لك ما ذكرناه سابقًا من أن الكافر لا يخرج من النار أبد الآبدين: فاعلم أنه إن جاء بما يستحق عليه الثواب فإنه يُجازى به في الدنيا لا في الآخرة، فالكفر الذي جاء به مانع من قبول عمله لينتفع به في الآخرة؛ لأن من شروط قبول العمل الإسلام.
* قال الطبري – رحمه الله -:
مَن عمل عملا صالحًا في غير تقوى – يعني: من أهل الشرك – أُعطي على ذلك أجرًا في الدنيا: يصل رحمًا، يعطي سائلا يرحم مضطرًّا، في نحو هذا من أعمال البرّ، يعجل الله له ثواب عمله في الدنيا، ويُوسِّع عليه في المعيشة والرزق، ويقرُّ عينه فيما خَوَّله، ويدفع عنه من مكاره الدنيا، في نحو هذا، وليس له في الآخرة من نصيب
” تفسير الطبري ” ( 15 / 265 ).
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ: ( لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ). رواه مسلم ( 214 ).
* قال النووي – رحمه الله -:
معنى هذا الحديث: أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة؛ لكونه كافرًا، وهو معنى قوله صلى الله عليه و سلم ( لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) أي: لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به: كافر، ولا ينفعه عمل . ” شرح مسلم ” ( 3 / 87 ).
* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وقال القاضي عياض: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذابًا من بعض.
” الفتح ” ( 9 / 48 ).
واعلم أن الله تعالى لا يضيع عليهم أجور أعمالهم النافعة للناس، لكنَّ ثوابها يكون في دنياهم لا في أخراهم، وأما المؤمن فإن ثواب أعماله الخيِّرة يكون في الدنيا والآخرة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنْ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ ) . رواه مسلم ( 2808 ).
* وفي رواية أخرى:
( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا ).
واعلم أن هذا الجزاء في الدنيا ليس مقطوعًا به، بل هو إلى مشيئة الله تعالى، قال عزَّ وجل ( مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ) الإسراء/ 18.
* قال الشنقيطي – رحمه الله -:
واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا: كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك: كله مقيد بمشيئة الله تعالى، كما نص على ذلك بقوله: ( مَن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ) الإسراء/18 الآية.
فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث، وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا.
” أضواء البيان ” ( 3 / 450 ).
وما ذكرناه عن إثابة الله تعالى لمن شاء من الكفار لا ينطبق على ” تريزا ” – واسمها الأصلي آغنيس غونكزا بوجاكسيو، وأصلها من ” مقدونيا “، وقد توفيت سنة 1997 م – وذلك أنها كانت ” راهبة منصِّرة ” تستثمر عملها في إعانة الفقراء والمشردين والمرضى في تنصيرهم وإدخالهم في دينها، ومثل هذه لا يسمًّى عملها ” حسنة “، وما تطعمه في الدنيا فليس هو جزاء أعمالها، بل هو ما تكفل الله به وسيعاقب عليه من كان به كافراً كما قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) البقرة/ 126.
* فتحصل أن أعمال الكفار في الدنيا على قسمين:
الأول: ما كان من أعمال الدنيا من أعمال البِرّ، ولا يشترط فيه نية التقرب، كصلة الرحم وإكرام الضيف وما يشبهه، فهذا هو المقصود في الحديث والذي من أجله يثاب الكافر عليه في الدنيا إن شاء الله له المثوبة.
* قال النووي – رحمه الله -:
وصرَّح في هذا الحديث بأن يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات أي: بما فعله متقربًا به إلى الله تعالى مما لا يفتقر صحته إلى النية، كصلة الرحم، والصدقة، والعتق، والضيافة، وتسهيل الخيرات، ونحوها.
” شرح مسلم ” ( 17 / 150 ).
الثاني: من كان من أعمال الدنيا، ويَقصد به صاحبه نشر دينه، وفتنة المسلمين عن دينهم، فهذا ليس داخلاً في الحديث، بل صاحبه متوعد عليه أشد الوعيد؛ لأنه يصد بها عن دين الله، ويستغل حاجات الناس وفقرهم ومرضهم لذلك الغرض الخبيث، ومنه ما تفعله ” تريزا ” وغيرها من مثيلاتها.
وأما كان من أعمال الدين وتشترط فيه نية التقرب، كالحج والعمرة والدعاء، فهذا لا يؤجر عليه الكافر في الدنيا ولا في الآخرة؛ لكونه باطلًا، لتخلف شروط قبوله وهي: الإسلام والإخلاص والمتابعة، ثم إن الكفر يحبط الأعمال فلا يستفيد منها صاحبها يوم القيامة شيئًا.
والله أعلم.


