حكم المكرَهة على الزنى، ومتى يعد فعلها إكراها؟

السؤال

أتساءل كيف لامرأة تولَد مسلمة أن تُجبر على عمل كداعرة، فهناك حالات كثيرة في ” إندونيسيا ” أجبرت الفتيات صغيرات السن اللاتي بلا مأوى على العمل كداعرات، فهل سيكون مصير فتاة كهذه أن تدخل النار؟ فإن ترفض الفتاة هذا العمل يكون مصيرها القتل، فهل يقع إثمها عليها، أم يقع على والدها؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن هذا مما يؤلم القلب، بل ويدميه، والعجب أن قوى الشر، والكفر لم تتسلط إلا على أبناء المسلمين وبناتهم لاستعمالهم في تجارة الدعارة، ولما رأى بعض المنسلخين من أخلاق الإسلام وفضائله ربح هذه التجارة: راحوا يفعلون فعلهم، وأيضاً تسلطوا مثلهم على أبناء المسلمين، وبناتهم، فالله المستعان، ونسأله تعالى أن يخلص أولئك من براثن أهل الشر، والسوء.

ثانيًا:

وأول ما تقع المسئولية عليه هو الحاكم لتلك البلاد، وأهل الحل والعقد فيه، ممن يعلمون هذا الأمر، ويسكتون عنه، فضلًا عن وجود بعض أهل الفساد ممن يشارك في هذه التجارة، فضلًا عمن يشرِّع لإباحتها، ويحمي تجارها، فكل هؤلاء تقع عليهم مسئولية ذلك الحدث المؤلم، وعليه إثم كل فجور يقع عليهم، ومنهم فيما بعد لو صار برضاهم.

والمسئولية تقع أيضًا على والديهم ممن رضي لأولاده بالعمل في هذا المجال، أو فرَّط في تربية أولاده حتى وصل بهم الحال إلى صاروا زبائن عند المرضى من الشاذين، وأهل الفجور.

ومن أعظم أسباب ضياع الأولاد: تقصير الوالدين في حق الأبناء بتضييعهم, وعدم القيام بواجب المسؤولية اتجاههم.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فمَن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى: فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبَل الآباء، وإهمالهم لهم, وترك تعليمهم فرائض الدين، وسننه؛ فأضاعوهم صغارًا. ” تحفة المودود ”  ( ص 229 ).

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم مسئولية أولئك جميعًا في سياق واحد في هذا الحديث:

عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ). رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

ثالثًا:

ومن قواعد الشريعة المتفق عليها بين أهل العلم: التجاوز عن المكرَه إكراهًا ملجئًا، لا يستطيع التخلص منه ، بسبب ضعفه، وقلة حيلته، وبسبب جبروت المكرِه وطغيانه، حتى لو كان الإكراه في الكفر، فن الله تعالى قد تجاوز عنه، ولا يكون المكرَه آثمًا بحال، كما قال تعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل/ 106.

وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) رواه ابن ماجه ( 2045 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وقد نصَّ الله تعالى على حرمة الإكراه على ” البغاء “، وتوعَّد من أكره النساء عليه، وأخبر عن غفرانه للذنب الذي يصدر من المكرَه من النساء، بل وللمكرِه إن هو تاب، وأناب.

قال تعالى: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) النور/ من الآية 33.

وسبب نزول هذه الآية: هو ما كان يفعله ” عبد الله بن أبيّ بن سلول ” -زعيم المنافقين – من إكراه إماءٍ عنده على الزنى.

عَنْ جَابِرٍ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ ابْنِ سَلُولَ يُقَالُ لَهَا ” مُسَيْكَةُ ” ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا ” أُمَيْمَةُ ” فَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَى ، فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) إِلَى قَوْلِهِ ( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

رواه مسلم ( 3029 ).

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

قال تعالى: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ ) أي: إماءكم، ( عَلَى الْبِغَاءِ ) أي: أن تكون زانية، ( إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) لأنه لا يُتصور إكراهها إلا بهذه الحال، وأما إذا لم ترد تحصنًا: فإنها تكون بغيًّا، يجب على سيدها منعها من ذلك، وإنما هذا نهي لما كانوا يستعملونه في الجاهلية، من كون السيد يُجبر أمَته على البغاء؛ ليأخذ منها أجرة ذلك، ولهذا قال: ( لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم خيرًا منكم، وأعفَّ عن الزنا، وأنتم تفعلون بهن ذلك؛ لأجل عرَض الحياة ، متاع قليل، يعرض، ثم يزول.

فكسبكم النزاهة، والنظافة، والمروءة – بقطع النظر عن ثواب الآخرة وعقابها-: أفضل من كسبكم العرَض القليل ، الذي يكسبكم الرذالة، والخسَّة.

ثم دعا من جرى منه الإكراه إلى التوبة، فقال: ( وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فليتب إلى الله، وليقلع عما صدر منه مما يغضبه، فإذا فعل ذلك: غَفر الله ذنوبه، ورحمه، كما رحم نفسه بفكاكها من العذاب، وكما رحم أمَته بعدم إكراهها على ما يضرها.  ” تفسير السعدي ” ( ص 567 ).

* وقال الطبري – رحمه الله -:

( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ ) يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهنّ على ذلك، لهنَّ ( غَفُورٌ رَحِيمٌ )، ووزر ما كان من ذلك عليهم، دونهن.

” تفسير الطبري ” ( 19 / 174 ).

والأقرب في معنى الآية حملها على الطرفين، فهو تعالى غفور رحيم للمكرَهات على الزنى، وهو غفور رحيم لمن تاب ممن أكرههنَّ على فعل الفاحشة.

رابعًا:

وقد فصَّل العلماء في حد الإكراه الذي يُعذر فيه الإنسان.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وهو نوعان: أحدهما: من لا اختيار له, ولا قدرة له على الامتناع، كمن حُمل كرها, وأُدخل إلى مكان حلَف على الامتناع من دخوله، أو حُمل كرهًا، وضُرب به غيره حتى مات ذلك الغير, ولا قدرة له على الامتناع، أو أضجعت، ثم زني بها، من غير قدرة لها على الامتناع، فهذا لا إثم عليه بالاتفاق.

” جامع العلوم والحكم ” ( ص 376 ).

فإن كان هذا الإكراه يصل إلى حدِّ القتل – كما جاء في السؤال -: فلا إثم عليها، ولا حد.

وإن كان الإكراه يصل لحدِّ المنع من الطعام والشراب، حتى يُخاف عليها من الهلاك: كان هذا عذرًا أيضًا، وكنَّ من المُكرَهات.

عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِامْرَأَةٍ جَهَدَهَا الْعَطَشُ، فَمَرَّتْ عَلَى رَاعٍ، فَاسْتَسْقَتْ، فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا إِلاَّ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، فَشَاوَرَ النَّاسَ فِي رَجْمِهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ مُضْطَرَّةٌ، أَرَى أَنْ تُخَلِّىَ سَبِيلَهَا، فَفَعَلَ. رواه البيهقي في ” سننه ” ( 8 / 236 )، وقوَّى إسنادَه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 7 /  341 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والعمل على هذا، لو اضطرت المرأة إلى طعام، أو شراب، عند رجل، فمنعها إلا بنفسها، وخافت الهلاك، فمكَّنته من نفسها: فلا حدَّ عليها.

فإن قيل: فهل يجوز لها في هذه الحال أن تمكِّن من نفسها، أم يجب عليها أن تصبر، ولو ماتت؟.

قيل: هذه حكمها حكم المكرَهة على الزنا، التي يقال لها: إن مكنتِ من نفسك وإلا قتلتُك، والمكرهة لا حدَّ عليها, ولها أن تفتدي من القتل بذلك, ولو صبرت: لكان أفضل لها, ولا يجب عليها أن تمكن من نفسها، كما لا يجب على المكره على الكفر أن يتلفظ به , وإن صبر حتى قُتل: لم يكن آثما، فالمكرهة على الفاحشة أولى.

” الطرق الحُكمية ( ص 80 ).

والله سبحانه وتعالى نسأله أن يحفظ أعراض المسلمين، وأن يردهم إليه ردًّا جميلًا.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة