تنازل عن حصته في الشركة ولم يوثَّق ذلك كتابة فهل له التراجع عن ذلك؟!

السؤال

اشتركت مع صهري في محل تجاري, وبعد مرور تقريبًا سنة قال لي شفويا – بدون أية وثيقة -: إنه متنازل لي عن حقه, وكرر لي ذلك عدة مرات، على أن أرد له ما دفع، على شكل أقساط سنوية، بعد ذلك قمت بشراء بقعة أرضية باسمي الشخصي، دون أن أخبره, على أساس أننا لم نعد شركاء, وبعد مرور سنَة أعطيته قسطًا من المال، كما اتفقنا عليه, في هذه اللحظة فاجئني, وتراجع عن تنازله.

سؤالي يا شيخنا هو:

هل صهري مشترك معي في الأرض التي اشتريتها من مال الشركة بعد تنازله الشفوي، أم ماذا أصنع؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الشركة  مشروعة في الجملة، بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

الشَّرِكَةُ: هِيَ الِاجْتِمَاعُ فِي استِحقَاقٍ، أَو تَصَرُّف.

وَهِي ثَابِتةٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ( فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ) النساء/ 12، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُم ) ص/ 24.

– وَالْخُلَطَاءُ: هُمْ الشُّرَكَاءُ.

ومن السنَّة: ما روي أن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَا شَرِيكَيْنِ فَاشْتَرَيَا فِضَّةً بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُمَا أَنَّ مَا كَانَ بِنَقْدٍ فَأَجِيزُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَرُدُّه – رواه أحمد بإسناد صحيح – ….

وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الشَّرِكَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعٍ مِنْهَا.

” المغني ” ( 5 / 109 ).

ثانيًا:

وما حصل من صهرك – كما تقول – من تنازله عن حصته في الشراكة بينك وبينه: لا حرج فيه، ويجب تمضيته، إلا أننا ننبه على أمر يتعلق بمطالبته برأس ماله فقط، فنقول:

الأمر حال مطالبته بفسخ الشراكة لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون رأس المال الشركة موجودًا، مع أرباح، أو بدونها، فهنا: يصح منه المطالبة برأس ماله، ويكون منه تنازل عن أرباحه إن وُجدت.

والثاني: أن لا يكون رأس مال الشركة موجودًا، بل يوجد فيه نقص، فهنا: ليس من حقه ضمان رأس ماله، والمطالبة به؛ لأنه شريك معك في رأس المال، والربح، والخسارة، إلا أن ترضى بإعطائه إياه عن طيب نفس منك، فيكون صلحًا يجب تمضيته، أو يكون بيعاً لحصته في الشركة، فيجب تمضيته إن وافقتَ على ذلك.

عن عوف المزني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ صُلْحًا حَرَّمَ حَلاَلًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا ).

رواه الترمذي ( 1352 ) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ثالثًا:

وما دام أن صهرك قد تنازل عن حصته في الشركة بينك وبينه, وكرَّر ذلك عن طيب نفس ورضا، بدون إحراج، أو إكراه: فقد انفصلت الشركة بذلك, ولا يلزمك إلا أن تدفع له نصيبه من الشركة كما اتفقتم، والاتفاق الشفوي يلزمه شرعًا، والأصل في عقود المعاملات أنها تتم شفويًّا، وتلزم أحكامها بالاتفاق بين الطرفين، ورضاهما بما تعاقدا عليه.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 238 ):

قد يُلزم الإنسان نفسه بأمرٍ، فيلزمه ذلك شرعًا، إن لم يخالف الشّرع, بمعنى: أنّ الشّرع جعل التزامه سببًا للزوم, ومن ذلك:

أ. العقد, فإذا عقدا بينهما عقدًا: لزمهما حكمه, كعقد البيع مثلًا، يلزم به انتقال ملكيّة المبيع إلى المشتري, وملكيّة الثّمن إلى البائع, وكعقد الإجارة يلزم به الأجير العمل, ويلزم المستأجر الأجرة .

ومن هذا القبيل أيضًا: كل شرطٍ صحيحٍ التزمه العاقد في العقد, فيلزمه؛ وذلك لقول اللّه تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ), وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون على شروطهم ).  انتهى.

وأما توثيق العقود كتابةً: فهو على سبيل الاستحباب، لا الوجوب، كما هو قول الجمهور، وأمَّا كون الكتابة شرطًا لصحة العقد فلا نعلم قائلًا به، وإنما الكتابة لحفظ الحقوق، وتثبيتها ببينة شرعية.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 135 ):

في التوثيق منفعة من أوجه:

أحدها: صيانة الأموال، وقد أمرنا بصيانتها، ونهينا عن إضاعتها.

والثاني: قطع المنازعة؛ فإن الوثيقة تصير حكَمًا بين المتعامليْن، ويرجعان إليها عند المنازعة، فتكون سبباً لتسكين الفتنة، ولا يجحد أحدهما حق صاحبه؛ مخافة أن تخرج الوثيقة، وتشهد الشهود عليه بذلك، فينفضح أمره بين الناس.

والثالث: التحرز عن العقود الفاسدة؛ لأن المتعاملين ربما لا يهتديان إلى الأسباب المفسدة  للعقد ليتحرزا عنها، فيحملهما الكاتب على ذلك، إذا رجعا إليه ليكتب.

والرابع: رفع الارتياب، فقد يشتبه على المتعاملين إذا تطاول الزمان مقدار البدل، ومقدار الأجل، فإذا رجعا إلى الوثيقة: لا يبقى لواحد منهما ريبة.

وهذه فوائد التوثيق بالتسجيل. انتهى.

وقالوا:

فآية المداينات: الأمر فيها إنما هو للإرشاد إلى حفظ الأموال، والتعليم، كما أمر بالرهن، والكتابة، وليس بواجب، وهذا ظاهر، صرّح بذلك فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وذهب إليه أيضا أبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، والشعبي، والحسن، وإسحاق، وجمهور الأمة من السلف والخلف.

” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 137 ).

* وبما سبق يتضح:

  1. أن تنازل صهرك عن شراكته بلسانه دون إحراج أو إكراه: يلزمه العمل بمقتضاه.
  2. ليس له المطالبة برأس ماله دون أن يكون موجودًا إلا أن تطيب نفسك بدفعه له، أو يكون بيعًا منه لحصته في الشركة.
  3. جمهور العلماء على استحباب كتابة العقود المتعلقة بالبيع، والدَّين، والنكاح، وليس أحد من أهل العلم من يقول إن الكتابة شرط لصحة العقد.
  4. الالتزام بالكتابة والإشهاد على المعاملات له منافع عظيمة، وخاصة فيما يتعلق بالديون، وأموال الشراكة، وما ذكرناه عن أهل العلم من تلك المنافع كاف ليدفع المسلمين إلى توثيق عقودهم.

رابعًا:

ونختم بالقول:

إن صهرك – بحسب قولك – ليس له الحق في شراكتك بأي شيء اشتريته أو بعته بعد تنازله أول مرة، لكن لو أقلته من تنازله السابق, وأشركته في الأرض التي اشتريتها: فهذا خير، وبركة, وليس بواجب عليك، ولعل الله أن يبارك لك في ذلك, ويعوضك خيرًا, وخصوصا أن بينكما مصاهرة؛ فهو أدعى لتقوية أواصر المحبة، والمودة، والصلة بينكما.

وفقنا الله وإياكم لعمل الخير.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة