ماذا يترتب على من اعتمر وهو جنب جهلا وجوب الاغتسال؟
السؤال
أحد الإخوة طلب مني بحث جواب له.
يقول: أحرمت وأنا في الرابعة عشرة من عمري، وهي أول عمرة لي بعد البلوغ، وركبت الطائرة، ثم غفت عيني، فلما استيقظت إذا بي قد احتلمت وأصاب شيء منه إحرامي ( وكنت جاهلًا ) فلم أُلق بالًا، ولم أغتسل، وأكملت عمرتي، وبعد سنة أو أكثر: بدأت أعلم معنى الاحتلام وضرورة الطهارة، ولم أعتمر حتى الآن.
فهل عمرتي صحيحة؟ وهل يجب عليَّ قضاؤها – إذا كانت فاسدة -؟.
أفتوني مأجورين.
الجواب
الحمد لله
اختلف العلماء رحمهم الله في حكم الطهارة للطواف على أقوال:
- فجمهورهم على أن الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر شرط لصحة الطواف.
- وذهب الحنفية إلى وجوبها، وأن من طاف بحدث أصغر أو أكبر أن عليه إعادة الطواف إن كان لا يزال في مكة، وأنه إن عاد إلى بلده: فعليه ذبح شاة إن كان حدثه أصغر، وأنه إن طاف بحدث أكبر – كجنابة أو حيض -: فعليه بدَنة.
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية باستحباب الطهارة الصغرى للطواف.
- وقال ابن حزم الظاهري بأن الطواف بالبيت على غير طهارة جائز مطلقًا، حتى للجنب، وللنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط.
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 52 ) – تحت عنوان ” ما يحرم فعله بسبب الجنابة ” -:
ويحرم كذلك: الطواف، فرضًا كان، أو نفلًا؛ لأنه في معنى الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل لكم فيه الكلام ) – الصحيح أنه موقوف على ابن عباس -، ولذلك لا يصح الطواف ممن كان جُنُبًا، وهذا عند المالكية والشافعية والحنابلة، أما عند الحنفية: فإن طواف الجنب صحيح، ولكن عليه بدَنة؛ لأن الطهارة في الطواف عندهم ليست شرطًا وإنما هي واجبة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: البدنة تجب في الحج في موضعين: إذا طاف جنبا، والثاني: إذا جامع بعد الوقوف. انتهى.
والذي نرجحه في موقعنا هو القول الأول، وأن الطهارة شرط لصحة الطواف، وأن من طاف غير طاهر: فهو آثم، ويشتد الإثم في حال الحدث الأكب ، ولكن هذا الإثم إنما يكون مع التعمد، أما مع النسيان والجهل: فلا إثم، ولا يعني رفع الإثم صحة الطواف.
وللنظر في الرد على الأقوال الأخرى: ينظر البحث العلمي المتين ” حكم الطهارة من الحدث للطواف ” للدكتور عبد الله بن إبراهيم الزاحم – عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة -، المنشور في ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 55 / 161 – 222 ).
وعليه: فيقال للأخ المسئول عن حكم فعله من كونه اعتمر وهو جنب، وكان في أول بلوغه، ولم يكن يدري عن وجوب الاغتسال من خروج المني:
- أن عمرته باطلة – وكذا صلاته – وأنه ليس آثمًا؛ لجهله بالحكم.
- ليس عليه قضاء ما صلاه وهو جنب، وقد أوجب طائفة من أهل العلم عليه قضاء الصلوات التي صلاها جنبًا، ولا يظهر لنا رجحان هذا القول؛ لثبوت النص بترك عمر رضي الله عنه الصلوات لما أجنب في السفر، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء تلك الصلوات، ولفوات أوقات تلك الصلوات.
- أن إحرامه وهو جنب، وكذا سعيه بين الصفا والمروة: لا شيء فيهما؛ إذ لا يشترط لهما الطهارة، لا الصغرى، ولا الكبرى، ولكن الترتيب في الطواف والسعي في العمرة: واجب، فبطل السعي عنده لبطلان الطواف.
- أنه لا يزال محرِمًا، فعليه تجنب محظورات الإحرام، وأن عليه أن يبادر بالذهاب إلى مكة المكرمة فوراً محرمًا، لابساً لملابس الإحرام، وعليه أن يعيد الطواف والسعي.
قال الحطاب المالكي – رحمه الله -:
فأما اشتراط طهارة الحدث في الطواف: فهذا هو المعروف من المذهب، فمن طاف محدثًا، متعمدًا، أو جاهلًا، أو ناسيًا: لم يصح طوافه، ورجع إلى ذلك من بلده، على المعروف، خلافًا للمغيرة.
” مواهب الجليل مع التاج والإكليل ” ( 3 / 67 ، 68 ).
والمغيرة هو من أصحاب الإمام رحمه الله.
وقال علماء اللجنة الدائمة – فيمن اعتمر وعليه حدث أصغر -:
يجب عليك أن تعود إلى مكة وأنت محرم، وتطوف وتسعى لعمرتك؛ لأن طوافك على غير طهارة: غير صحيح، ثم تحلق، أو تقصر.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 241 ، 242 ).
- أنه إن كان قد عقد على امرأة عقد نكاح: أنه يجب عليه إعادته؛ لأنه مفسوخ بكونه لا يزال محرِمًا، ولا يصح العقد من محرِم، مع رفع الإثم عنه؛ لجهله.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:
إذا قال قائل: إذا عقد وهو لا يدري أن عقد النكاح في حال الإحرام حرام؟.
فالجواب: أنه لا إثم عليه، لكن العقد لا يصح؛ لأن العقود يعتبر فيها نفس الواقع.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 7 / 155 ).
- أنه إن كان حصل منه جماع: فإن جهله بالحكم الشرعي المترتب على جماعه: يرفع عنه آثاره، من فساد عمرته، ووجوب المضي فيها، وقضائها من ميقاته الذي أحرم منه أولًا.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – فيمن جامع امرأته محرمًا وهو جاهل -:
أما ما حصل من المباشرة بينكما وهو صادر عن جهل أو نسيان: فإن ذلك لا يؤثر على النسك شيئًا؛ لأن لدينا قاعدة مهمة يجب لطالب العلم أن يفهمها وهي: ” أن ارتكاب المحظور نسيًا أو جهلًا: لا أثر له “، كل المحظورات: محظورات الإحرام، ومحظورات الصيام، ومحظورات الصلاة، كلها إذا وقعت عن جهل أو نسيان: فإنها لا تؤثر شيئًا، فلو أن الإنسان في صلاته تكلم يظن أن الكلام لا يبطل الصلاة: فصلاته صحيحة؛ لأنه فعل المحظور جاهلًا … .
” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 22 / 471 ).
والله أعلم.


